ج9 - ف18

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: ماري حلمي وفيكتور مصلح.

 

الجزء التاسع

 

18- (المحاكمات وإنكار بطرس، تأمّلات في سلوك بيلاطس.)

 

22 - 25 / 03 / 1945

 

تبدأ مسيرة الألم عبر درب حجريّ صغير يقود مِن الساحة الصغيرة الّتي أُلقي القبض فيها على يسوع إلى القدرون، ومِن هناك عبر درب آخر، إلى المدينة. وفي الحال تبدأ السخريات والمعاملات السيّئة.

 

يسوع مُكَبَّل كما هو عليه مِن المعصمين وحتّى الخصر كما لو كان مجنوناً خطيراً، وأطراف الحبال موكلة إلى ممسوسين سكارى بالكراهية، يجذبونه مِن جهة ومِن أخرى مثل خرقة مشلوحة لغضب زمرة كلاب. إنّما لو كان الّذين يتصرّفون هكذا كلاباً لكانوا معذورين. ولكنّهم بشر، رغم أنّه ليس لهم مِن البشريّة إلاّ المظهر. وللتسبّب في المزيد مِن الألم فقد فكّروا في ربط حبلين متعارضين، الواحد يُستخدَم لتكبيل المعصمين وخدشهما ونشرهما باحتكاكه الخشن، والآخر، الّذي على الخصر، يضغط الكوعين على الجذع، وينشر ويضغط أعلى البطن، مُنهِكاً الكبد والكليتين، حيث عُقِدَت عُقدة ضخمة، وحيث مِن وقت لآخر، ذاك الّذي يمسك بأطراف الحبل يضربه به كالسوط وهو يصيح: «هيا! امض! أَسرِع، أحمق!» ويضيف ركلات كذلك، خلف ركبتيّ المعذَّب، الّذي يترنّح ولا يسقط، فقط لأنّ الحبال تبقيه واقفاً. إنّما هذا لا يمنع، بشدّه يميناً مِن الّذي يختصّ باليدين، ويساراً مِن الّذي يمسك بحبل الخصر، مِن أن يرتطم يسوع بالجدران والجذوع، ويسقط بعنف أمام منحدر الجسر الصغير بسبب ضربة أكثر وحشيّة تلقّاها وهو يهمّ باجتياز الجسر الصغير على القدرون. الفم المرضوض ينـزف. يرفع يسوع يديه المكبّلتين ليمسح الدم الّذي يلوّث اللحية، ولا يتكلّم. إنّه حقّاً الحَمَل الّذي لا يعضّ مَن يعذّبه.

 

في هذه الأثناء نزل بعض الناس لأخذ حجارة وحصى مِن الضفة، ومِن أسفل يبدأ وابل مِن الحجارة السقوط على هدف سهل المنال. بالفعل أصبح المسير بطيئاً على الجسر الصغير الضيّق غير الآمن الّذي تزاحم عليه الناس معيقين بعضهم البعض، والحجارة تصيب رأس يسوع، كتفيه، وليس يسوع فقط، بل أيضاً الّذين يحرسونه، فيبادلونهم رمي الحجارة ذاتها وضرب العصي. وكلّ ذلك يؤدّي إلى ضرب يسوع مِن جديد على رأسه وعلى رقبته. لقد تجاوزوا الجسر، والآن تخيّم ظلمة الدرب الضيّق على المعمعة، لأنّ القمر الّذي بدأ بالأفول لم يعد يبلغ هذا الدرب الملتوي، ولأنّ مشاعل كثيرة قد انطفأت أثناء الغوغاء.

 

ولكنّ الكراهية حلّت محلّ النور لرؤية الشهيد المسكين، الّذي ساعد طوله الفارع في هذا العذاب. إنّه أطول الجميع، فيسهل إذاً ضربه، وشدّه مِن شعره لإجباره على قلب رأسه بعنف إلى الوراء، لإلقاء قبضة مِن الأقذار عليه، الّتي تدخل عنوة في فمه وعينيه مسببة له الغثيان والألم.

 

يشرع باجتياز ضاحية عوفل، الضاحية الّتي نشر فيها الكثير مِن أعمال الخير والملاطفات. يُطلِق الجمع صيحات لدعوة النائمين إلى العتبات. وإن كانت النساء يطلقن صيحات ألم ويجرين مذعورات لدى رؤيتهنّ ما يحدث، فالرجال، الرجال الّذين نالوا منه الشفاء، العون، كلمات المحبّة، إمّا يخفضون رؤوسهم بلا مبالاة، متظاهرين على الأقلّ بعدم الاكتراث، أو إنّهم يتحوّلون مِن الفضول إلى الحقد، الهزء، حركات تهديد، بل حتّى يتبعون الموكب للتعذيب. الشيطان قد بدأ عمله…

 

رجل، زوج يريد اللحاق به ليهينه، تمسك به زوجته مِن ذراعه وهي تصرخ في وجهه: «جبان! إن كنتَ الآن حيّاً فبفضله، تذكّر هذا أيّها الرجل المقزّز المليء عفونة!» ولكنّ الرجل يتغلّب على المرأة الّتي يضربها بوحشيّة ملقياً إيّاها على الأرض، ويجري بعد ذلك كي يلحق بالشهيد ليلقي حجراً على رأسه.

 

امرأة أخرى، مسنّة، تحاول قطع الطريق على ابنها الّذي يجري بوجه ضبع وبعصا ليضرب هو أيضاً، وتصرخ في وجهه: «لن تكون قاتل مخلّصكَ ما دمتُ على قيد الحياة!» ولكنّ التعيسة، وقد ركلها الابن بوحشيّة على الحالب، انطرحت وهي تصيح: «يا قاتل الله وقاتل الأُمّ! مِن أجل الأحشاء الّتي تُمزّقها للمرة الثانية ومِن أجل مَسيّا الّذي تضربه، لتكن ملعوناً!»

 

العنف يتعاظم باطّراد كلما دنوا مِن المدينة.

 

قبل الوصول إلى الأسوار -الأبواب أضحت مفتوحة، والجند الرومان، في وضع استعداد، يراقبون مِن أين تأتي الجلبة وكيف تتطوّر، مستعدّين للتدخل لو اهتزّت مكانة روما- كان يوحنّا هناك مع بطرس. أظنُّهما وصلا مِن طريق مختصرة، مجتازين القدرون مِن الجسر، ثم متقدّمين بسرعة الجمع الّذي يمضي بطيئاً معيقاً سيره بنفسه. إنّهما في ظلّ أحد المداخل، قرب ساحة صغيرة سابقة للأسوار، ردائيهما على رأسيهما ليسترا وجهيهما. ولكن حينما يصل يسوع، يترك يوحنّا رداءه يسقط ويكشف وجهه الشاحب والمضطرب تحت ضوء القمر الّذي ما زال منيراً قبل أن يختفي خلف الهضبة الّتي هي فيما وراء الأسوار، والّتي أسمع جنود الهيكل الّذين قبضوا على يسوع يسمّونها توفيت. بطرس لا يجرؤ على كشف وجهه، ولكنّه يتقدّم كي يُرى… يسوع ينظر إليهما... بابتسامة لها طيبة لانهائيّة. بطرس يدور حول نفسه ويرجع إلى ركنه المظلم، يداه على عينيه، مُقوّساً، عجوزاً، وقد أصبح خرقة بشريّة. يوحنّا يبقى حيث هو غير هيّاب، وفقط حينما يمرّ الجمع الّذي يعوي، يعود إلى بطرس، يمسكه مِن كوعه، ويقوده كما لو كان طفلاً يقود والده الأعمى، ويدخلان معاً المدينة، خلف الجمع الهادر.

 

أسمع هتافات الجنود الرومان الذاهلة، الهازئة، الحزينة. أحدهم يلعن الّذين أيقظوه بسبب هذا «الخروف الأبله»؛ آخر يهزأ مِن اليهود القادرين على «الإمساك بمخنّث»؛ آخر يشفق على الضحيّة «الّذي رآه دائماً مفعماً صلاحاً»؛ وآخر يقول: «أُفضّل أن يقتلوني على أن أراه بين أيديهم. إنّه لعظيم. إخلاصي في العالم لاثنين: له ولروما.»

 

«بجوبيتر!» يصيح الأعلى رتبة مِن الحرّاس: «لا أريد إزعاجاً. سأذهب إلى حامل الراية. وليفكّر هو بإخبار مَن له السلطة. لا أريد أن يرسلوني لأحارب الجرمانيّين. هؤلاء العبرانيّون قذرون وهم حيّات ومزعجون. ولكنّ الحياة هنا آمنة وأنا على وشك إنهاء خدمتي، فبالقرب مِن بومباي لي ابنة صغيرة!...»

 

أُسقِط الباقي لأتبع يسوع الّذي يتقدّم على الدرب الّذي ينعطف صاعداً إلى الهيكل. ولكنّي أرى وأدرك أنّ بيت حنّان، حيث يريدون اصطحابه، هو ضمن وليس ضمن تلك المتاهة الّتي هي الهيكل الّذي يحتلّ كلّ تلّ صهيون. هو على طرفه، بالقرب مِن سلسلة أسوار، الّتي تبدو وكأنّها تحدّد هنا حدود المدينة، ومِن هذا المكان تمتدّ مع أروقة وباحات عبر منحدر التلّ إلى أن تصل إلى سور الهيكل بالمعنى الحصريّ، أي حيث يذهب الاسرائيليّون مِن أجل مختلف شعائر عبادتهم. هناك باب حديديّ عالٍ في السور. يتوجّه إليه الضباع طوعاً ويقرعونه بعنف. وما كاد يُفتَح حتّى تدفّقوا إلى الداخل موشكين أن يطرحوا ويدوسوا بأقدامهم الخادمة الّتي جاءت تفتح لهم، فيفتحونه على مصراعيه ليتمكّن الجمع النابح مِن الدخول، وفي وسطهم المقبوض عليه. وبمجرّد دخولهم، يغلقونه ويقفلونه، ربما خوفاً مِن روما أو مِن أنصار الناصريّ.

 

أنصاره! أين هم؟…

 

يجتازون فناء المدخل ثمّ باحة واسعة، فممرّاً، فرواقاً آخر وباحة أخرى، جارّين يسوع وجاعلينه يصعد ثلاث درجات، وجاعلينه يجتاز تقريباً جرياً أروقة مقنطرة ترتفع فوق الباحة للوصول بسرعة أكبر إلى قاعة فخمة حيث رجل عجوز يرتدي ملابس الكهنوت.

 

«فليعزّكَ الربّ يا حنّان.» يقول مَن يبدو أنّه القائد، إن أمكن تسمية الوغد الّذي قاد قطّاع الطرق أولئك. «ها هو المذنب. أُوكِله إلى قداستكَ كي يُطهَّر إسرائيل مِن الخطأ.»

 

«فليبارككَ الله على حدّة بصيرتكَ وإيمانكَ.»

 

حدّة بصيرة جميلة! كان كافياً صوت يسوع ليجعلهم يرتمون أرضاً في جَثْسَيْماني.

 

«مَن أنتَ؟»

 

«يسوع الناصريّ، الرابّي، المسيح. وأنتَ تعرفني، فأنا لم أعمل في الخفاء.»

 

«في الخفاء، لا. ولكنّكَ أغويتَ الجموع بمذاهب غامضة. وللهيكل الحقّ والواجب في حماية نفوس أبناء إبراهيم.»

 

«النفوس! يا كاهن إسرائيل، هل يمكنكَ القول إنّكَ عانيتَ مِن أجل نَفْس أصغر واحد أو أكبر واحد مِن هذا الشعب؟»

 

«وأنتَ إذاً؟ ماذا الّذي فعلتَه ويمكن تسميته معاناة؟»

 

«ماذا فعلتُ؟ لماذا تسألني أنا؟ إسرائيل بأكملها تتحدّث عنه. مِن المدينة المقدّسة إلى أكثر القرى بؤساً، الحجارة أيضاً تتكلّم لتروي ماذا فعلتُ. لقد أعدتُ النظر إلى العميان: نظر العيون ونظر القلب. فتحتُ السمع للصمّ: لأصوات الأرض وأصوات السماء. جعلتُ المشلولين والكسيحين يمشون لكي يباشروا السير نحو الله بالجسد ثمّ يتقدّمون بالروح. طهّرتُ البُرص: مِن ذلك البرص الّذي تحدّده الشريعة الموسويّة وأيضاً مِن ذلك المسبّب للنتانة أمام الله: الخطايا. أقمتُ الأموات، ولا أقول إنّه لأمر عظيم إعادة جسد إلى الحياة، بل الأمر العظيم افتداء الخاطئ، وفعلتُ هذا. أسعفتُ الفقراء بإرشادي العبرانيّين الجشعين والأغنياء إلى الوصيّة المقدّسة بمحبّة القريب، وببقائي فقيراً رغم نهر الذهب الّذي مرّ بين يديّ، مسحتُ دموعاً بمفردي أكثر مِن جميعكم، يا ممتلكي الثروات. في النهاية وهبتُ غنى لا اسم له: معرفة الشريعة، معرفة الله، اليقين مِن أنّنا جميعاً متساوون وأنّ، في نظر الآب القدّوس، تتساوى الدموع أو الجرائم الّتي ستسكب أو الّتي يرتكبها رئيس الربع والحَبر، أو المستجدي والأبرص الّذي يموت على حافّة الطريق. هذا ما فعلتُه. وليس أكثر.»

 

«هل تعرف أنّكَ تتّهم نفسكَ؟ تقول البَرَص المسبّب للنتانة في نظر الله ولم يحدّده موسى. أنتَ تهين موسى وتلمّح بوجود نقص في شريعته...»

 

«ليست شريعته: بل شريعة الله. هكذا هي. فأفدح مِن البَرَص، الّذي هو ويل للجسد وله نهاية، هي الخطيئة الّتي أُعلِن أنّها أفدح بكثير لأنّها ويل، ويل أبديّ للروح.»

 

«أنتَ تجرؤ على القول إنّكَ تغفر الخطايا. كيف تفعل ذلك؟»

 

«إن كان بقليل مِن الماء المطهّر وبتضحية كبش يكون محو الخطيئة مسموحاً ومصدَّقاً، ويتمّ التكفير عنها والتطهّر منها، فكيف لا يمكن لدموعي ودمي ومشيئتي فِعل هذا؟»

 

«لكنّكَ لستَ ميتاً. أين إذن الدم؟»

 

«لستُ ميتاً بعد. ولكنّي سأموت لأنّ هذا مكتوب، في السماء قبل أن تكون صهيون، وحينما لم يكن موسى، ولم يكن يعقوب ولم يكن إبراهيم، مذ كان مَلِك الشرّ يعضّ قلب الإنسان ويسمّمه وأبناءه. إنّه مكتوب على الأرض في الكتابات حيث أقوال الأنبياء. إنّه مكتوب في القلوب، في قلبكَ، وفي قلب قيافا وأعضاء السنهدرين الّذين لا يغفرون لي، لا، هذه القلوب لا تغفر لي صلاحي. أنا غفرتُ، مُستَبِقاً دمي. الآن سأتمّم الغفران بحمّام هذا الدم.»

 

«أنتَ تقول إنّنا جشعون وجاهلون لوصية المحبّة...»

 

«أليس هذا صحيحاً؟ لماذا تقتلونني؟ لماذا تخشون أن أُنزِلكم عن عروشكم؟ آه! لا تخافوا. مملكتي ليست مِن هذا العالم. سأترك لكم سيادة كلّ السلطات. الأزليّ يعلم متى يجب أن تقال كلمة "كفى" الّتي ستُسقِطكم مصعوقين...»

 

«مثل دوراس، أليس كذلك؟»

 

«لقد مات مِن الغضب، وليس بصاعقة سماويّة. كان الله ينتظره على الجانب الآخر ليصعقه.»

 

«وأنتَ تُردّد هذا عليّ، أنا قريبه؟ أتجرؤ؟»

 

«أنا هو الحقّ. والحقّ ليس جباناً على الإطلاق.»

 

«متكبّر ومجنون!»

 

«لا: صادق. أنتَ تتّهمني بأنّني أهينكم. إنّما ألستم جميعكم تكرهون بعضكم؟ واحدكم يكره الآخر. الآن كرهكم لي هو الّذي يوحّدكم. ولكن غداً، عندما تقتلونني، ستعود الكراهية فيما بينكم، وبأكثر وحشيّة، وستعيشون مع ذلك الضبع على الظهر وذلك الثعبان في القلب. لقد عَلَّمتُ المحبّة، رحمةً بالعالم. لقد عَلَّمتُ عدم الجشع، التحلّي بالرحمة. فبماذا تتّهمني؟»

 

«بأنّكَ أتيتَ بمذهب جديد.»

 

«أيا أيّها الكاهن! إنّ إسرائيل تعجّ بالمذاهب الجديدة: الأسينيّون لهم مذهبهم، الصدوقيّون لهم مذهبهم. للفرّيسيّين مذهبهم، لكلّ واحد مذهبه السرّي، الّذي للواحد يُدعى اللذّة، للآخر الذهب، لآخر السلطة، ولكلّ منهم صنمه. ليس أنا. أنا قد أعدتُ شريعة أبي الّتي تمّ دوسها، شريعة الله الأزليّ، وقد عدتُ لأقول ببساطة عبارات الوصايا العشر. قد جفّت رئتيّ كي أُدخِلها في القلوب الّتي ما عادت تعرفها.»

 

«يا للهول! يا للتجديف! لي، أنا الكاهن، تقول هذا؟ أليس لإسرائيل هيكل؟ هل نحن كمنفيّي بابل؟ أجب.»

 

«هذا ما أنتم عليه. وأكثر بعد. هناك هيكل. نعم. بِناء. الله ليس فيه. لقد هرب مِن التدنيس الّذي في بيته. ولكن لماذا تسألني كثيراً إن كان موتي مقرّراً؟»

 

«نحن لسنا قتلة. لنا الحقّ أن نقتل مِن أجل خطأ مُثبَت. أمّا أنا فأريد إنقاذكَ. أخبرني، وأنا سأنقذكَ. أين هم تلاميذكَ؟ إن سلّمتهم لي أترككَ حرّاً. أسماء الجميع، والسرّيين منهم أكثر مِن المعروفين. قل: هل نيقوديموس معكَ؟ وأيضاً يوسف؟ وغَمَالائيل؟ وإليعازر؟ و... ولكن هذا أنا أعرفه... لا حاجة. تكلّم. تكلّم. أنتَ تعلم: يمكنني أن أقتلكَ أو أخلّصكَ. لي سلطان.»

 

«إنّكَ وحل. وأنا أترك للوحل مهمّة الجاسوسيّة. أنا نور.»

 

أحد الجنود يلكمه.

 

«أنا نور. نور وحقّ. لقد كلّمتُ العالم علانية، عَلَّمتُ في المجامع وفي الهيكل، حيث يجتمع اليهود، ولم أقل شيئاً في الخفاء. أكرّر: لماذا تسألني؟ اسأل الّذين سمعوا ما قلتُه. هم يعرفون.»

 

يصفعه جنديّ آخر وهو يصيح: «أهكذا تجيب كبير الكَهَنَة؟»

 

«أنا أُكلّم حنّان. الحَبر هو قيافا. وأنا أكلّمه بالاحترام الواجب للشيخ. ولكن إن بدا لكَ أنّني تكلّمتُ سوءاً، فأظهره لي. وإلّا، فلماذا تضربني؟»

 

«دعوه. سأذهب إلى قيافا. وأنتم احرسوه هنا حتّى أبتّ بأمره. ولا تدعوه يتحدّث إلى أحد.» ويخرج حنّان.

 

يسوع لا يتكلّم، لا، لا يتكلّم. حتّى ولا إلى يوحنّا الّذي يجرؤ على البقاء عند الباب متحدّياً كلّ جماعة الشرطة. ولكن ينبغي ليسوع، دون أن يتكلّم، أن يعطيه أمراً، ذلك أنّ يوحنّا، بعد نظرة حزينة، يخرج مِن هناك وأفقد رؤيته.

 

يبقى يسوع وسط مُعَذِّبيه. ضربات بالحبل، بصاق، شتائم، ركلات بالقدم، نتف شعر، هذا ما يبقى له حتّى اللحظة الّتي أتي فيها خادم يخبرهم بقيادة السجين إلى منـزل قيافا.

 

ويسوع الموثق والـمُعامل دائماً بسوء، يخرج مِن جديد تحت الأروقة المقنطرة، يعبرها حتّى أحد المداخل ثمّ يجتاز باحة يتدفّأ فيها جمع كثير بالنار. لأنّ الليل صار بارداً والرياح تهبّ في ساعات يوم الجمعة الأولى هذه. كان هناك أيضاً بطرس ويوحنّا، مختلطين بالجمع العدائيّ، لا بدّ أنّهما يملكان شجاعة لا بأس بها للبقاء هناك... ينظر إليهما يسوع وظِلّ ابتسامة على شفتيه المنتفختين بسبب الضربات الّتي تلقّاها.

 

مسير طويل عبر الأروقة والردهات والباحات والممرّات. ولكن ما هذه المنازل الّتي كان يملكها قوم الهيكل هؤلاء؟

 

لم تدخل الجموع سور الحَبر. بل دُفِعت نحو ردهة حنّان. يمضي يسوع بمفرده وسط الجنود والكَهَنَة. يدخل إلى قاعة واسعة تبدو وكأنّها فقدت شكلها المستطيل بسبب عدد المقاعد الكثيرة الموضوعة على شكل حدوة حصان على ثلاث جهات، مع إبقاء مساحة خالية في الوسط، بعدها هناك أريكتان أو ثلاث موضوعة على منصّات.

 

وفي اللحظة الّتي يهمّ فيها يسوع بالدخول، يلتقيه الرابّي غَمَالائيل، فيضرب الحرّاس السجين كي يفسح المجال لدخول رابّي إسرائيل. إنّما هذا، صلب كتمثال، طقسيّ، يبطئ، بالكاد يحرّك شفتيه، دون أن ينظر إلى أحد، يَسأَل: «مَن أنتَ. قل لي.» ويسوع بهدوء: «اقرأ الأنبياء وستجد الإجابة. العلامة الأولى هي لديهم. والأخرى ستأتي.»

 

يضمّ غَمَالائيل رداءه ويدخل، وخلفه يدخل يسوع. وفيما غَمَالائيل يتّجه إلى أحد الكراسي، يُجَرّ يسوع إلى وسط القاعة، في مواجهة الحَبر، وجه مجرم حقيقيّ. ويتمّ الانتظار حتّى دخول كامل أعضاء السنهدرين. ثمّ تبدأ الجلسة. ولكنّ قيافا يرى اثنين أو ثلاثة مِن الكراسي خالية ويَسأَل: «أين هو إليعازر؟ وأين هو يوحنّا؟»

 

يقف كاتب شاب على ما أظنّ، ينحني ويقول: «لقد رفضا الحضور. هذا هو الكتاب.»

 

«فليُحفظ ويُسجَّل، وسوف يجيبان. ماذا لدى أعضاء هذا المجلس المقدّسين بشأن هذا؟»

 

«أنا أتكلم. في منـزلي، هو لم يَحفظ السبت. الله يشهد أنّني لا أكذب. إسماعيل بن فابي لا يكذب أبداً.»

 

«هل هذا صحيح يا متّهم؟»

 

يصمت يسوع.

 

«رأيتُه يعيش مع عاهرات معروفات. متظاهراً أنّه نبيّ، لقد جعل مِن وكره ماخوراً، ويزيد الطين بلّة بالسيدات الوثنيّات. كان معي هناك صادوق، كالّاشبونا وناحوم، أمين سرّ حنّان. ألا أقول الصدق يا صادوق وكالّاشبونا؟ كذّباني إن استحققتُ ذلك.»

 

«هذا صحيح. صحيح.»

 

«ماذا تقول؟»

 

يصمت يسوع.

 

«لم يفوّت فرصة لم يسخر فيها منّا، ولم يجعلهم يسخرون منّا. لم تعد العامّة تحبّنا بسببه.»

 

«هل تسمع؟ امتهنتَ الأعضاء المقدّسين.»

 

يصمت يسوع.

 

«هذا الرجل مستحوذ عليه مِن الشيطان. بعودته مِن مصر، يمارس السحر الأسود.»

 

«كيف تثبت ذلك؟»

 

«بإيماني ولوحيّ الشريعة!»

 

«اتّهام خطير. برّئ نفسكَ.»

 

يصمت يسوع.

 

«عملكَ غير قانونيّ، أنتَ تعرف. تستحقّ عليه الموت. تكلّم.»

 

«هذا الاجتماع الّذي نعقده غير قانونيّ. قف يا سمعان ولنرحل.» يقول غَمَالائيل.

 

«ولكن أيّها الرابّي، هل جننتَ؟»

 

«أنا احترم القواعد. غير مسموح بالتصرّف كما نتصرّف نحن، سأتقدّم بشكوى عامّة.» ويخرج الرابّي غَمَالائيل متصلّباً كالتمثال، يتبعه رجل في حوالي الخامسة والثلاثين وهو يشبهه.

 

صَخَب قليل ينتهزه كلّ مِن نيقوديموس ويوسف كي يتكلّما في مصلحة الشهيد.

 

«غَمَالائيل مصيب. غير قانونيّ هو التوقيت والمكان، والاتّهامات غير مؤكّدة، هل يمكن لأحد أن يتّهمه باحتقار الشريعة علانية؟ أنا صديقه وأقسم أنّي وجدته دائم الاحترام للشريعة.» يقول نيقوديموس.

 

«وأنا بالمثل. لذا أغطّي رأسي كي لا أُوقّع على جريمة، ليس لأجله، بل لأجلنا نحن، وأخرج.» ويهمّ يوسف بالنـزول مِن مكانه والخروج.

 

ولكنّ قيافا يزعق: «آه! أهكذا تتكلّمان؟ فليأتِ الشهود ويُقسِموا، إذاً. واسمعا. ثمّ ترحلان.»

 

يدخل وجها محكوم عليهما بالأشغال الشاقّة. نظرات تائهة، ابتسامات مجرمة، حركات مراوغة.

 

«تكلّما.»

 

«ليس جائزاً الاستماع إليهما معاً.» يصيح يوسف.

 

«أنا رئيس الكَهَنَة. أنا آمر. وصمتاً!»

 

يضرب يوسف بقبضة يده على المنضدة ويقول: «فلتنفتح عليكَ نار السماء! بدءاً مِن هذه اللحظة، فلتعلم أنّ يوسف الشيخ هو عدوّ السنهدرين وصديق المسيح. وبهذه الخطوة سأمضي لأقول للحاكم الشرعيّ إنّ القتل هنا يجري بلا احترام لروما.» ويخرج وهو يدفع بقوّة كاتباً شاباً نحيفاً يريد منعه.

 

نيقوديموس، الأكثر هدوءاً، يخرج دون أن ينبس بكلمة، وعند خروجه يمرّ أمام يسوع وينظر إليه…

 

صَخَب مِن جديد. خوف مِن روما. ويسوع ما يزال دائماً هو الضحيّة التكفيريّة.

 

«ترى أن كلّ هذا بسببكَ! فأنتَ الـمُفسِد لأفضل اليهود. أنتَ حقّرتهم.»

 

يصمت يسوع.

 

«فليتكلّم الشاهدان!» يصيح قيافا.

 

«نعم، هذا كان يمارس الـ... الـ... كنّا نعرفه... كيف يسمى هذا الشيء؟»

 

«قد يكون الكلام الرباعي Le tétragramme؟»

 

«هو ذا! لقد قلتَه! كان يستدعي الأموات. يُعلّم عصيان السبت وتدنيس المذبح. نقسم بهذا. كان يقول إنّه كان يريد أن ينقض الهيكل ليعيد بناءه في ثلاثة أيّام بمساعدة الشياطين.»

 

«لا. كان يقول: لن يقوم بيد إنسان.»

 

ينـزل قيافا مِن كرسيّه ويدنو مِن يسوع. بقدّه الصغير، البدين، الشنيع، يبدو وكأنّه ضفدع ضخم بجانب وردة. ذلك أنّ يسوع رغم جراحه، رضوضه، اتّساخه وشعث شعره، ما يزال بهيّاً للغاية وجليلاً.

 

«أما تجيب؟ أيّ اتّهامات يوجّهونها إليكَ! مريعة! تكلّم كي تنـزع عنكَ هذا العار.»

 

ولكن يسوع يصمت. ينظر إليه ويصمت.

 

«أجبني إذاً. أنا حَبركَ. أستحلفكَ باسم الله. أن تقول لي: أأنتَ المسيح ابن الله؟»

 

«أنتَ قلتَ. أنا هو. وسوف تبصرون ابن الإنسان، الجالس عن يمين قوّة الآب، آتياً على سحاب السماء. فيما عدا ذلك لماذا تسألني؟ لقد تكلّمتُ علانية مدّة ثلاث سنوات. لم أقل شيئاً في الخفاء. اسأل الّذين سمعوني. وسيقولون لكَ ما قلتُه وما فعلتُه.»

 

واحد مِن الجنود الّذين يمسكون به يضربه على فمه ويجعله ينـزف مِن جديد، ويصيح: «أهكذا تجيب رئيس الكَهَنَة، أيا أيّها الشيطان.»

 

ويسوع بلطف، يجيبه كما أجاب الآخر سابقاً: «إن كنتُ تكلّمتُ حسناً، فلماذا تضربني؟ وإن كنتُ قد تكلّمتُ بسوء، لماذا لا تقول لي في أيّ شيء أخطأتُ؟ أكرّر: أنا هو المسيح، ابن الله. لا يمكنني الكذب. الكاهن الأعظم، الكاهن الأبدي. أنا وحدي أحمل الصُدرة الّتي كُتِب عليها: المذهب والحقّ. وأنا أمين لهما، حتّى الموت، حقير في أعين البشر، قدّوس في عينيّ الله، وحتّى القيامة السعيدة. أنا هو الممسوح. الحَبر والـمَلِك أنا. وسأمضي لآخذ صولجاني، وبه، كما بمنخل، أنقّي البيدر، هذا الهيكل سيُهدَم ويُقام، جديداً، مقدّساً، ذلك أنّ هذا فاسد والله قد تركه لمصيره.»

 

«مجدّف!» يصيحون جميعهم معاً.

 

«وفي ثلاثة أيّام تقيمه، أيّها المجنون والممسوس؟»

 

«ليس هذا، بل هيكلي سيقام، هيكل الله الحقّ، الحيّ، القدّوس، المثلّث التقديس.»

 

«ملعون!» يصيحون مِن جديد معاً.

 

يرفع قيافا صوته الأجشّ، ويمزّق ثيابه الكتّانية بحركات مِن الهلع مدروسة، ويقول: «ما حاجتنا إلى سماع شهود بعد؟ التجديف قيل. ماذا نفعل إذاً؟»

 

والجميع بصوت واحد: «مستوجب الموت.»

 

وبحركات احتقار وسخط يخرجون مِن القاعة تاركين يسوع تحت رحمة الجنود ورهط شهود الزور. يلطمونه، ويلكمونه، ويغطّونه بالبصاق، يعصبون عينيه بخرقة ثمّ وهم يشدّون شعره بعنف، يدفعونه هنا وهناك وهو مقيّد اليدين، بشكل يجعله يصطدم بالموائد، والكراسي والجدران، وفي هذه الأثناء يسألونه: «مَن ضربكَ؟ احزر.» ولمرّات كثيرة، يضعون أقدامهم بين ساقيه، يوقعونه أرضاً ويضحكون بدناءة وهم يشاهدونه ينهض بصعوبة ويداه مقيّدتان.

 

الساعات تمرّ هكذا، والجلاّدون المتعبون يتوقون إلى القليل مِن الراحة. يقودون يسوع إلى إحدى غرف المهملات بعد جعله يجتاز باحات كثيرة وسط سخرية العامّة المتواجدين بكثرة داخل أسوار المنازل الحبريّة. يصل يسوع إلى الباحة الّتي فيها بطرس قرب ناره وينظر إليه. ولكنّ بطرس يهرب مِن نظرته. يوحنّا لم يعد هناك، لا أراه. أظنّه رحل مع نيقوديموس…

 

يتقدّم الفجر بلونه الأخضر الشاحب. أمر قد صدر: إعادة السجين إلى قاعة المجلس مِن أجل دعوى أكثر قانونيّة. إنّها اللحظة الّتي ينكر فيها بطرس للمرّة الثالثة معرفته بالمسيح، الّذي يمرّ وآثار الآلام عليه. وفي ضوء الفجر الأخضر تبدو الكدمات أكثر فظاعة على الوجه الشاحب، العينان غائرتان وزجاجيّتان، يسوع المتكدّر بألم العالم... وما كاد ينبلج الفجر حتّى يصيح الديك في الهواء بصوت أبحّ، تهكّميّ، شقيّ. وفي لحظة الصمت العظيم تلك الّتي حلّت بظهور المسيح، لا يُسمَع سوى صوت بطرس الأجش يقول: «أقسم يا امرأة. أنا لا أعرفه»، تأكيد قاطع، واثق، أجاب عليه على الفور كضحكة ساخرة صوت الديك الصغير الشقيّ.

 

ينتفض بطرس. يدور حول نفسه ليهرب ويجد نفسه في مواجهة يسوع الّذي ينظر إليه بشفقة لا متناهية، وبألم عميق جدّاً وشديد جدّاً يكسر قلبي، كما لو كان عليّ بعد ذلك أن أرى يسوعي يختفي للأبد. يصدر عن بطرس نحيب ويخرج مترنّحاً كما لو كان سكراناً. يهرب خلف خادمين يخرجان إلى الشارع ويختفي في الطريق الّتي ما تزال شبه مظلمة.

 

أُعيد يسوع إلى القاعة، ويكرّرون عليه مجتمعين السؤال الخدّاع: «باسم الله الحقّ قل لنا: هل أنتَ المسيح؟»

 

وبحصولهم على الإجابة السابقة، يحكمون عليه بالموت ويعطون الأمر بقيادته إلى بيلاطس.

 

يسوع، يرافقه كلّ أعدائه، عدا حنّان وقيافا، يخرج مارّاً بباحات الهيكل حيث تكلّم مرّات عديدة ونشر أعمال الخير والشفاء، يجتاز السور ذا الشرفات، يلج شوارع المدينة، يـُجرُّ فيها أكثر منه يقاد، ينـزل باتّجاه المدينة الّتي كساها مطلع الفجر بلون ورديّ.

 

أعتقد أنّهم بهدف وحيد هو إطالة أمد تعذيبه، قد جعلوه يقوم بدورة طويلة لا طائل منها في أورشليم، مارّين بشكل متعمّد في الأسواق، أمام الاسطبلات والنُزُل المليئة بالناس لأجل الفصح. ونفايات خضار الأسواق، كذلك غائط حيوانات الاسطبلات تصبح قذائف على البريء، الّذي يبدو وجهه وقد كثرت فيه البقع الزرقاء، والتمزّقات الصغيرة الدامية، ومغطّىً بأنواع مختلفة مِن القذارات الّتي انصبّت عليه. الشعر المثقل واللزج قليلاً مِن العرق الدمويّ وقد صار أكثر كثافة، يتدلّى الآن أشعثاً، مختلطاً بالقشّ والأقذار، ينسدل على عينيه لأنّه انتفش حاجباً وجهه.

 

رجال السوق، البائعون والمشترون، يتركون كلّ شيء معلّقاً كي يتبعوا البائس، ليس بدافع المحبّة. صبيان الاصطبلات وخدّام النُزُل يخرجون مجموعات، صامّين آذانهم عن نداءات وأوامر سيّداتهم. اللواتي، لقول الحقيقة، ككلّ النساء الأخريات، إن لم تكنّ جميعهنّ معارضات للإهانات، فهنّ على الأقلّ لا يكترثن بالصخب، وينسحبن مدمدمات لأنّهنّ تُركن بمفردهن يخدمن الزبائن الكُثُر.

 

يزداد عديد القطيع النابح مِن دقيقة لأخرى. يبدو الأمر وكأنّ وباء غير متوقّع، يجعل طبيعة النفوس وهيئات الوجوه تتبدّل: تصبح الأولى نفوس مجرمين والأخرى أقنعة متوحّشة زرقاء مِن الغيظ أو حمراء مِن الغضب، تصير الأيادي مخالب، والأفواه تتّخذ شكل الذئاب وعواءها، العيون نظرتها شزراء [جامحة، حمراء، مضطربة] كعيون المجانين. وحده يسوع هو نفسه، رغم أنّه مغطى الآن بالقذارة المنتشرة على جسده ومشوّه بالزرقة والوذمات.

 

عند أحد العُقَد [القناطر] حيث تضيق الطريق فيما يشبه الحلقة، بينما يزدحم الكلّ ويتباطأ، صرخة تشقّ الهواء: «يسوع!» إنّه إيليا الراعي الّذي يحاول أن يفسح طريقاً بإدارته هراوة ثقيلة. عجوز، قادر، مهدّد وقويّ، ويكاد ينجح في اللحاق بالمعلّم. ولكنّ الجمع الحائر بسبب الغارة المفاجئة، يرصّ صفوفه، ويفصل، ويدحر، ويتحكّم بالرجل الّذي كان وحيداً مقابل كلّ هذا الحشد. «معلّم!» يصيح بينما تمتصّه دوّامة الجموع وتدحره.

 

«اذهب!... الأُمّ... أبارككَ...»

 

يعبر الموكب النقطة الضيّقة. وكالماء الّذي انفرج بعد مضيق، ينصبّ صاخباً في شارع واسع مرتفع فوق منخفض بين تَلّين، على أطرافهما قصور رائعة لقوم أغنياء.

 

أعود فأرى الهيكل عند أعلى هضبته، وأدرك أنّ التطواف الّذي لا لزوم له، والّذي جعلوا المتّهم يقوم به ليكون موضع استهزاء كلّ المدينة ويسمح للجميع بإهانته، بزيادة عدد مهينيه في كلّ خطوة، ينتهي بالعودة إلى نقطة الانطلاق.

 

يخرج فارس مِن أحد القصور مسرعاً. الكسوة المزخرفة القرمزيّة الّتي تعلو بياض حصان عربي، ومهابة مظهره، السيف مشرع عارٍ ومناور بنصل وحدّ على الظهور والرؤوس الّتي تنزف، تجعله يبدو كرئيس ملائكة. وعندما يشبّ بالحصان قليلاً وهو يدور، جاعلاً حوافره سلاح دفاع لنفسه ولمعلّمه، وهي الوسيلة الأجدى في فتح ممرّ خلال الجمع، هذه الحركة تُسقِط الستر القرمزيّ والذهبيّ الّذي كان يغطّي رأس الفارس، والـمُحكم برباط ذهبيّ، فأتعرّف على مَنَاين.

 

«تراجعوا!» يصيح. «كيف تسمحون لأنفسكم أن تُقلِقوا راحة حاكم الربع؟» ولم يكن هذا القول سوى تظاهر كي يبرّر تدخّله ومحاولته الوصول إلى يسوع. «هذا الرجل... دعوني أراه.... ابتعدوا... وإلاّ أنادي الحرّاس...»

 

الناس، بسبب وابل الضربات ورفسات الحصان وتهديدات الفارس، يتباعدون، فيصل مَنَاين حيث مجموعة يسوع وحرّاس الهيكل الممسكين به.

 

«افسحوا المجال! رئيس الربع أرفع منكم، أيّها الخدام المقزّزون. إلى الخلف! أريد أن أتحدّث إليه.» ويصل إليه وهو بسيفه كأكثر السجّانين إصراراً.

 

«معلّم!...»

 

«شكراً، ولكن اذهب! وليُعزّك الله!» وبقدر وسع يديه المربوطتين يشير بالبركة.

 

يصفر الجمع مِن بعيد، وما أن يرى مَنَاين وقد انسحب، حتّى ينتقم لنفسه بسبب إبعاده، بوابل مِن الحجارة والأقذار على المتّهم.

 

مِن الشارع الّذي يصعد، والّذي جعلته الشمس دافئاً، يتمّ التوجّه نحو برج أنطونيا الّذي بدت كتلته مِن بعيد.

 

صيحة حادّة مِن امرأة شقّت الهواء: «آه! مخلّصي! حياتي لأجل حياتكَ، أيّها الأزليّ!»

 

يلتفت يسوع، ويرى أعلى شرفة مُزهِرة تكلّل منـزلاً غاية في الجمال، يُوَنّا امرأة خُوزي وسط خدّامها وخادماتها، مع الصغيرين مريم وماتياس حولها، وهي ترفع ذراعيها نحو السماء.

 

ولكنّ السماء لا تسمع الصلاة اليوم! يرفع يسوع يديه ويرسم إشارة البركة والوداع.

 

«الموت! الموت للمجدّف، المفسد، الشيطان! الموت لأصدقائه!» وصفّارات وضربات وحجارة تطير نحو الشرفة المرتفعة. لا أعرف إذا ما جُرح أحد، أسمع صيحة حادّة جدّاً وأرى المجموعة تتفرّق وتختفي.

 

ويمضون، يمضون صاعدين... تظهر بيوت أورشليم تحت الشمس، خالية، مفرغة بسبب الكراهية الّتي تدفع مدينة كاملة مع سكّانها الفعليّين والموسميّين الوافدين لمناسبة الفصح، ضدّ يسوع الأعزل.

 

تخرج شرذمة كاملة مِن الجنود الرومانيّين بسرعة مِن قلعة أنطونيا برماح موجّهة ضدّ الرعاع الّذين يتفرّقون وهم يصرخون. يبقى يسوع وسط الطريق مع الحرّاس ورؤساء الكَهَنَة، الكَتَبَة وشيوخ الشعب.

 

«هذا الرجل؟ هذا العصيان؟ ستجيبون روما عن ذلك.» يقول قائد مئة بتعالٍ.

 

«إنّه مستحقّ الموت بموجب شريعتنا.»

 

«ومنذ متى أُعيد لكم حقّ الحكم بالموت وتنفيذه؟» السؤال دائماً مِن أقدم قائد مائة، وجه صارم، رومانيّ بحقّ، وخدّ حفرته ندبة عميقة. يتكلّم بالاحتقار والاشمئزاز الّذي يتكلّم به مع محكومين بالأشغال الشاقّة قذرين.

 

«نحن نعرف أنّنا لا نملك هذا الحقّ. نحن الرعايا الأوفياء لروما...»

 

«ها! ها! ها! اسمعهم يا لونجين! أوفياء! رعايا! جيف! أعطيكم كمكافأة سهام نبّاليّ.»

 

«موت كهذا نبيل للغاية! ظهور البغال يلزمها السوط فقط...» يجيب لونجين ببرودة هازئة.

 

يزبد سمّ رؤساء الكَهَنَة والكَتَبَة والشيوخ. ولكنّهم يريدون الوصول إلى هدفهم، فيصمتون، يبلعون الإهانة دون أن يُظهِروا أنّهم فهموها، وبانحنائهم أمام القائدَين، يطلبون اقتياد يسوع إلى بيلاطس البنطيّ كي «يحاكمه ويحكم عليه بالعدل والنـزاهة المشهورة بهما روما.»

 

«ها! ها! هل تسمعهم؟ لقد أصبحنا أكثر حكمة مِن منيرفا... هنا! سلّموه! وسيروا في المقدّمة! مَن يدري. فأنتم أبناء آوى وقذرون. أن تكونوا في الخلف خطر هو. إلى الأمام!»

 

«لا نستطيع.»

 

«ولماذا؟ حينما يَتَّهم شخص ما، يجب أن يمثل أمام القاضي مع المتَّهَم. هذا هو نظام روما.»

 

«منـزل الوثنيّ نجس في عيوننا، ونحن قد تطهّرنا مِن أجل الفصح.»

 

«آه! المساكين! يتنجّسون إن دخلوا!... وقتل اليهودي الوحيد الّذي هو إنسان وليس ابن آوى، ولا مِن الزواحف على شاكلتكم، لا يدنّسكم؟ حسناً، ابقوا حيث أنتم. لا تتقدموا خطوة وإلا علّقناكم على رماحنا. فليقف عشرة فرسان حول المتّهم. أمّا البقيّة فأمام هؤلاء السفلة ذوي الفم سيّئ النظافة.»

 

يدخل يسوع إلى دار الولاية وسط عشرة رمّاحين مشكّلين مربّعاً مِن الطَبَر (سلاح مكوّن من حربة وفأس معاً) حوله. قائدا المئة يمضيان قُدُماً، ثم يختفيان خلف أحد الأبواب، أمّا يسوع فيتوقّف في فناء فسيح، وراءه باحة تتبدّى مِن وراء ستار يحرّكه الهواء. يعودان مع الحاكم الّذي يرتدي حلّة رومانيّة ناصعة البياض ورداء قرمزيّاً فوقها. ربما كانوا يظهرون هكذا حينما كانوا يمثّلون روما رسميّاً.

 

يدخل بتراخٍ، مع ابتسامة شكّ على وجه حليق. يفرك بين يديه أوراق شجر الكبّاد ويشمها بتلذّذ. يتوجّه نحو ساعة شمسيّة ويعود بعد أن ينظر إليها. يُلقي حبّات بخور في مجمرة موضوعة عند قدميّ أحد الآلهة. يُحضِر ماء الكبّاد ويتغرغر به. ينظر إلى تسريحة شعره المجعّد في مرآة مِن معدن نقيّ. يبدو وكأنّه نسي المتّهم الّذي ينتظر موافقته ليُقتَل. كان ليثير غضب الحجارة نفسها.

 

وحيث إنّ الفناء مكشوف بالكامل مِن الأمام ومرتفع ثلاث درجات عاليات على مستوى الردهة المفتوحة على الشارع، الّذي يرتفع بدوره ثلاث درجات أخرى عنها، يرى اليهود كلّ شيء بوضوح ويستشيطون غضباً، ولكن لا يتجاسرون على التمرّد خوفاً مِن الرماح والحراب.

 

أخيراً، بعد أن مشى طولاً وعرضاً في الغرفة الواسعة، يمضي بيلاطس مباشرة نحو يسوع، ينظر إليه ويَسأَل قائدَيّ المئة: «أهذا هو؟»

 

«هذا هو.»

 

«فليمثل مشتكوه.» ويذهب ليجلس على كرسيّ موضوع على منصّة. على رأسه شعارات روما المتشابكة مع نسورها المذهّبة ورمز سلطتها.

 

«لا يمكنهم المثول. يتنجّسون.»

 

«هه!!! هذا أفضل. كي نوفّر أنهار الخلاصات لإزاله رائحة الكباش عن المكان. اجعلاهم على الأقل يقتربون. هنا، أسفل، وانتبها إلى ألاّ يدخلوا، تحديداً لأنّهم لا يريدون ذلك، قد يكون هذا الرجل حجّة لفتنة.»

 

يمضي جنديّ يحمل أمر الوالي الرومانيّ. يقف الآخرون صفّاً أمام الردهة الداخليّة على مسافات متساوية، في جمال يماثل تسعة مِن تماثيل لأبطال.

 

يتقدّم رؤساء الكَهَنَة والكَتَبَة والشيوخ، يحيّون بانحناءات ذليلة، ويتوقّفون في ساحة صغيرة أمام المنصّة، ما وراء درجات الردهة الثلاثة.

 

«تكلّموا باختصار. فقد أخطأتم بالفعل بإزعاجي في الليل وفتح الأبواب بالقوّة. ولكنّي سأحقّق. وسيُجيب المفوَّضون والمفوِّضون عن عصيان المرسوم.» يتوجّه بيلاطس نحوهم مع بقائه داخل الردهة.

 

«جئنا نُخضِع لروما، حيث إنّكَ تمثّل امبراطورها الإلهيّ، حكمنا على هذا.»

 

«أيّة شكاية توردون عليه؟ يبدو لي أنّه مسالم...»

 

«لو لم يكن هذا فاعل شرّ لما كنّا جئنا به إليكَ.» وفي رغبتهم المحتدمة للشكاية يتقدّمون.

 

«أَبعِدوا العامّة! ست خطوات عن درجات الساحة. أمّا مجموعتا المئة فليتأهّبوا بالسلاح!»

 

يطيع الجنود على الفور، فيقف مائة منهم على المدرّج الخارجي الأكثر ارتفاعاً، وظهورهم للردهة، ومائة في الساحة الصغيرة الّتي تُفتح عليها بوّابة مدخل مسكن بيلاطس. قلتُ بوّابة المدخل: عليّ القول مدخل أو قوس نصر، لأنّه فتحة بغاية الاتساع يحدّها حاجز، مفتوح الآن على مصراعيه، ويَسمح بالدخول إلى الفناء عبر ممشى طويل في ردهة واسعة عرضها لا يقلّ عن ستّة أمتار، بحيث يمكن رؤية ما يحدث في الفناء المرتفع جيّداً. وما بعد الردهة الواسعة تُرى وجوه اليهود البهيميّة الّتي تنظر إلى الداخل بتهديد وشيطنة، ينظرون عبر الحاجز المسلّح، الكوع على الكوع، كما لاستعراض يوجه مائتين مِن سنان الرماح إلى القتلة الجبناء.

 

«أيّة شكاية توردون عليه؟ أكرّر.»

 

«لقد ارتكب جريمة ضدّ شريعة الآباء.»

 

«وهل أتيتم تزعجونني بسبب هذا؟ خذوه أنتم واحكموا عليه بحسب شرائعكم.»

 

«لا يجوز لنا أن نقتل أحداً. لسنا علماء. القانون اليهوديّ ليس سوى طفل قاصر أمام قانون روما الكامل. وكجاهلين وكرعايا لروما، سيدتنا، نحن نحتاج...»

 

«منذ متى أنتم كالسمن والعسل؟... ولكنّكم قلتم الحقيقة، أيا أسياد الكذب! أنتم بحاجة لروما! نعم. كي تتخلّصوا منه هو الّذي يزعجكم. فهمتُ.» ويضحك بيلاطس وهو ينظر إلى السماء الصافية الّتي تنحصر كشريط مستطيل فيروزيّ داكن بين الجدران البيضاء المرمريّة للفناء.

 

«قولوا: أيّة جريمة ارتكبها ضدّ شرائعكم؟»

 

«لقد وجدنا أنّه كان يشيع الفوضى في أمّتنا وكان يمنع دفع الجزية لقيصر، مدّعياً أنّه المسيح، مَلِك اليهود.»

 

يعود بيلاطس ليدنو مِن يسوع، الكائن وسط الفناء، حيث تركه الجنود مقيّداً دون حرّاس، بقدر ما تبدو وداعته جليّة. ويَسأَله: «هل أنتَ هو مَلِك اليهود؟»

 

«أَمِن ذاتكَ تقول هذا، أم آخرون يلمحون بذلك؟»

 

«وفيما يهمّني ملكوتكَ؟ أأنا يهوديّ مثلاً؟ أمّتكَ ورؤساؤها أسلموكَ لي كي أحاكمكَ. ماذا فعلتَ؟ أنا أعلم أنّكَ صادق. تكلّم. هل حقّاً أنتَ تطالب بالـمُلك؟»

 

«مملكتي ليست مِن هذا العالم. لو كانت مملكتي مِن العالم لكان رجالي وجنودي يجاهدون كي لا يقبض عليّ اليهود. ولكنّ مملكتي ليست مِن الأرض وأنتَ تعلم أنّني لا أتطلّع الى السلطة.»

 

«هذا صحيح، أعلمه وتمّ إبلاغي به. ولكنّكَ لا تنكر أنّكَ مَلِك؟»

 

«أنتَ تقول. أنا مَلِك. لهذا أتيتُ إلى العالم: كي أشهد للحقّ. وصديق الحقّ يسمع صوتي.»

 

«وما هو الحق؟ أأنتَ فيلسوف؟ هذا لا جدوى له أمام الموت. مع ذلك فسقراط قد مات.»

 

«ولكنّ ذلك نَفَعه في الحياة، إجادة الحياة. وكذلك إجادة الموت. وللدخول إلى الحياة الثانية دون خيانة الفضائل الوطنيّة.»

 

«بجوبيتر!» ينظر إليه بيلاطس بإعجاب للحظة، ثمّ يستعيد تهكّمه الشكّاك. يقوم بحركة سأم، ويدير له ظهره، ويرجع إلى اليهود. «لستُ أجد فيه علّة واحدة.»

 

يهيج الجمع، مذعوراً مِن أن يفقد فريسته ومشهد العذاب. يصيح: «إنّه متمرّد!»، «إنّه مجدّف!»، «مشجّع للخلاعة!»، «يدفع إلى العصيان!»، «يرفض احترام القيصر!»، «يدّعي بأنّه نبيّ دون أن يكونه!»، «يمارس السحر»، «إنّه شيطان»، «يحرّض الشعب بمذاهبه بتعليمها في كلّ اليهودية، الّتي أتى بها مِن الجليل وهو يُعلّم»، «الموت له!»، «الموت له!»

 

«هل هو جليليّ؟ أأنتَ جليليّ؟» يعود بيلاطس إلى يسوع: «ألا تسمع اتهاماتهم لكَ؟ برّئ نفسكَ.»

 

ولكن يسوع يصمت.

 

يفكّر بيلاطس... ويقرّر. «فلتقدْه وحدة مئة إلى هيرودس. وليحاكمه، فهو مِن رعاياه. أنا أعلم أنّه حقّ رئيس الربع وسأوقّع مقدّماً على حكمه. فليأخذ علماً. اذهبوا.»

 

يسوع محاط مثل شقيّ بمائة جنديّ، يجتاز المدينة مِن جديد ويلتقي مِن جديد بيهوذا الاسخريوطيّ الّذي سبق أن التقى به بالقرب مِن أحد الأسواق. نسيتُ أن أقول هذا مِن قبل، بسبب اشمئزازي مِن جلبة الرعاع. نظرة الشفقة ذاتها على الخائن....

 

الآن أصبح ضربه بالأقدام والعصيّ أكثر صعوبة، ولكنّ الحجارة والقاذورات لم تتوقّف، وإن كانت الحجارة تصدر أصواتاً فقط على الخوذات ودروع الرومان، فهي تترك آثارها حينما تصيب يسوع، الّذي يتقدّم فقط بثوبه، كونه ترك رداءه في جَثْسَيْماني.

 

عند الدخول إلى قصر هيرودس المترف، يرى خُوزي... الّذي لا يستطيع النظر إليه، والّذي يهرب كي لا يراه في هذه الحالة، مغطّياً رأسه بردائه.

 

ها هو الآن في القاعة، أمام هيرودس. وخلفه الكَتَبَة والفريسيّون، الّذين يشعرون هنا بالراحة، ويدخلون بصفة مشتكين زائفين. يرافقه فقط قائد المئة مع أربعة جنود أمام حاكم الربع.

 

هذا ينـزل عن كرسيّه ويدور حول يسوع فيما هو يسمع اتّهامات أعدائه. يبتسم ويسخر. ثمّ يصطنع شفقة واحتراماً لا يربكان الشهيد، كما لم تكدّره التهكّمات.

 

«أنتَ عظيم، أنا أعلم. لقد استعلمتُ عنكَ وفرحتُ لكون خُوزي صديقكَ ومَنَاين تلميذكَ. أنا... هموم الدولة... ولكنّي كم أرغب أن أقول لكَ: عظيم... أن أسألكَ الغفران... نظرة يوحنّا.. صوته يتّهماني، وهما دائماً أمامي. أنتَ القدّيس الّذي تمحو خطايا العالم. اغفر لي، أيا أيّها المسيح.»

 

يصمت يسوع.

 

«لقد سمعتُ اتّهامهم لكَ بأنّكَ تقف ضدّ روما. ولكن ألستَ القضيب الموعود لضرب أشور؟»

 

يصمت يسوع.

 

«قيل لي إنّكَ تتنبّأ عن نهاية الهيكل وأورشليم. ولكن أليس الهيكل أبديّاً مثل روح، حيث أراده الله الّذي هو أبديّ؟»

 

يصمت يسوع.

 

«هل أنتَ مجنون؟ هل فقدتَ قدرتكَ؟ أيُسكتكَ الشيطان؟ هل تخلّى عنكَ؟»

 

يضحك هيرودس الآن. إنّما بعدها يُصدِر أمراً. ويجري الخدّام محضرين كلباً سلوقيّاً ساقه مكسورة وينبح بشكل محزن، وسائس معتوه يقطر الماء مِن شعره، ويسيل منه اللعاب، مسخ، ولعبة الخدّام.

 

يفرّ الكَتَبَة والكَهَنَة وهم يصيحون لانتهاك الحرمات وهم يرون الكلب على نقّالة.

 

هيرودس، زائف وساخر، يشرح: «إنّه المفضل لدى هيروديا. هديّة مِن روما. كُسِر له ساق أمس وهي تبكي. فلتأمر أن يبرأ. اجترح معجزة.»

 

ينظر إليه يسوع بصرامة ويصمت.

 

«هل أهنتُكَ. إذاً هذا. إنّه إنسان، رغم كونه أكثر قليلاً مِن بهيمة. أعطه الذكاء، أنتَ، ذكاء الآب... أليس هذا ما تقوله؟» ويضحك، مهيناً.

 

نظرة أخرى مِن يسوع أكثر صرامة وصمت.

 

«هذا الرجل متعفّف جدّاً وهو مذهول الآن مِن الاحتقار. أَحضِروا خمراً ونساء إلى هنا، وحلّوا وثاقه.»

 

يُحَلّ الوثاق. بينما يجلب عدد كبير مِن الخدّام الجرار والكؤوس، تدخل الراقصات... لا يسترهنّ شيء. هدب مِن كتّان متعدّد الألوان عند الخصر هو اللباس الوحيد على أجسادهنّ النحيلة مِن الوسط إلى الأرداف، لا شيء آخر. برونزيّات لأنهنّ أفريقيّات، رشيقات مثل الغزلان الفتيّة، يبدأن رقصاً صامتاً وخليعاً.

 

يدفع يسوع الكؤوس ويغلق عينيه دون أن يتكلّم. وبلاط هيرودس يضحكون أمام غيظه.

 

«خذ أيّها تشاء. عش! تعلّم الحياة!...» يلمح هيرودس.

 

يبدو يسوع كالتمثال. ذراعاه متصالبتان، عيناه مغمضتان، لم يتحرّك حتّى حينما تحتكّ به الراقصات الفاسقات بأجسادهنّ العارية.

 

«يكفي. عاملتك كإله ولم تتصرّف كإله. عاملتك كإنسان ولم تتصرّف كإنسان. أنتَ مجنون. أَحضِروا لباساً أبيضاً. ألبسوه إيّاه كي يعلم بيلاطس البنطيّ أنّ حاكم الربع قد حكم عليه بالجنون. يا قائد المئة، ستقول للوالي إنّ هيرودس يقدّم إليه بتواضع احترامه ويبجّل روما... اذهبوا.»

 

ويخرج يسوع، مقيَّداً مِن جديد، بجلباب مِن الكتّان يصل إلى ركبتيه فوق ثوبه الأحمر الصوفيّ.

 

ويعودون إلى بيلاطس.

 

الآن، عندما تخترق وحدة المائة بعناء الجمع الّذي لم يكلّ مِن الانتظار أمام قصر الوالي -إنّه لمن المستغرب رؤية الجمع الكثير العدد في هذا المكان وفي الجوار، بينما بقيّة المدينة تبدو خالية- يَرى يسوع جماعة الرعاة كلّها: أي إسحاق، يوناثان، لاوي، يوسف، إيليا، متياس، يوحنّا، سمعان، بنيامين ودانيال، مع مجموعة صغيرة مِن الجليليّين، أتعرّف مِن بينهم على حلفى ويوسف بن حلفى، مع اثنين آخرين لا أعرفهما، ولكن أقول إنّهما يهوديّان بسبب تسريحتهما. وإلى أبعد، يَرى أيضاً يوحنّا الّذي انسلّ إلى داخل الرواق شبه مختبئ خلف عمود مع أحد الرومان، أظنّه خادماً، فيبتسم لهذا ولهؤلاء... أصدقائه... ولكن ما يكون أصحابه قليلو العدد مع يُوَنّا ومَنَاين وخُوزي وسط محيط الكراهية الّذي يغلي؟…

 

قائد المئة يحيّي بيلاطس البنطيّ مقدّماً له تقريره.

 

«هنا أيضاً؟! أوف! نسل ملعون! اجعلوا الرعاع يتقدّمون وقودوا المتّهم إلى هنا. هه! أيّ سأم!»

 

يتوجّه إلى الجمع وهو ما يزال متوقّفاً في منتصف الرواق.

 

«أيّها العبرانيّون اسمعوا. لقد قدّمتم لي هذا الرجل على أنّه محرّض على الاضطرابات. وأنا قد اختبرتُه أمامكم فلم أجد فيه علّة ممّا تشتكون بها عليه. وهيرودس أيضاً لم يجد شيئاً أكثر منّي. فردّه إلينا. هو لا يستحقّ الموت. روما قد تكلّمت. إنّما، وكيلا تستاؤوا مِن حرمانكم مِن هذه التسلية، سأعطيكم بالمقابل باراباس. وسأجلد هذا أربعين جلدة. وهذا يكفي.»

 

«لا! لا! ليس باراباس! ليس باراباس! الموت ليسوع! موتاً رهيباً! أطلق باراباس واحكم على الناصريّ.»

 

«اسمعوا! لقد قلتُ الجَلْد. ألا يكفي؟ سأجعله يُجلَد إذن! إنّه فظيع، أتعلمون؟ قد يموت بفعل ذلك. ما السوء الّذي فعله؟ أنا لا أجد أيّة علّة فيه. وسأحرّره.»

 

«اصلبه! اصلبه! الموت! أنتَ تحمي المجرمين! أيّها الوثنيّ! أنتَ شيطان أيضاً!»

 

يتقدّم الجمع مِن أسفل صادمين أوّل صفّ مِن الجنود فيختلّ انتظامهم إذ لم يستطع هؤلاء استخدام رماحهم. ولكنّ الصف الثاني، إذ ينـزل درجة، يدير الرماح ويحرّر رفاقه.

 

«فليجلد.» يأمر بيلاطس قائد مئة.

 

«كم جلدة؟»

 

«بقدر ما يبدو لكَ... المهمّ أن ننتهي إلى حلّ. أنا سئمتُ، اذهب.»

 

أربعة جنود يقودون يسوع إلى الباحة الّتي بعد الفناء. في وسط هذه الباحة، المبلّطة بالكامل بالرخام الملوّن، عمود مرتفع مماثل لأعمدة الرواق. وله على ارتفاع ثلاثة أمتار مِن الأرض تقريباً ذراع حديديّة طولها على الأقل متر تنتهي بحلقة. يربطون فيها يسوع ويداه مضمومتان فوق رأسه، بعد أن جعلوه يخلع ملابسه. لم يحتفظ سوى بسروال قصير مِن الكتّان ونعليه. يرفعون اليدين المقيّدتين عند القبضتين حتّى الحلقة، لدرجة أنّه، رغم طول قامته، لم يسند على الأرض سوى أطراف أصابع قدميه... لابد أنّ هذا الوضع هو بحدّ ذاته عذاب.

 

لقد قرأتُ، لستُ أدرى أين، أنّ العمود كان منخفضاً وأنّ يسوع كان محنيّاً عليه. ممكن. أمّا أنا فأقول ما أرى.

 

يقف خلفه جلاّد له قسمات عبريّة جليّة، وأمامه آخر مماثل. إنّهما متسلّحان بسوطين لهما سبعة سيور جلديّة، متّصلة بالمقبض وفي نهايتها مطارق صغيرة مِن رصاص. وبإيقاع كما في تمرين، يشرعان بالضرب. واحد مِن الأمام، والآخر مِن الخلف، بحيث إنّ جذع يسوع صار في دوامة مِن ضربات ولسعات السوطين. الجنود الأربعة الّذين استلموه، جلسوا بلا مبالاة يلعبون النرد مع ثلاثة جنود آخرين انضمّوا إليهم.

 

وأصوات اللاعبين تتماشى مع إيقاع السوطين، اللذين يصفران مثل الثعابين ثمّ يرنّان مثل حجارة تلقى على جلد طبل مشدود. يضربان الجسد المسكين المرهف للغاية والأبيض كالعاج العتيق، والّذي يصبح مخطّطاً بدايةً بلون ورديّ يزداد قتامة، ثمّ بنفسجيّاً، ثمّ يتغطّى بآثار دمويّة منتفخة نيليّة اللون، تتهشّم تاركة الدم يسيل في كلّ اتّجاه. يضربان على الأخصّ الصدر والبطن، ولكن لم تسلم الساقان ولا الذراعان ولا حتى الرأس مِن الضرب، كي لا يبقى جزء مِن الجلد لا يتعذّب.

 

ولا أيّ شكوى... ولو لم يكن مربوطاً بالحبال لسقط. ولكنّه لا يسقط ولا يئنّ. فقط بعد وابل مِن الضربات الّتي تلقّاها، يتدلّى رأسه على صدره كما لو كان قد أغمي عليه.

 

«أوهيه! توقّف! يجب أن يُعدَم حيّاً.» يصيح ويتذمّر أحد الجنود.

 

يتوقّف الجلاّدان ويمسحان عرقهما.

 

يقولان: «لقد أُنهكنا. أعطونا أجرنا، لنتمكّن مِن الشرب حتّى نستعيد قوانا...»

 

«هي المشنقة الّتي أعطيكماها! ولكن خذا...» ويلقي قائد العشرة قطعة نقديّة كبيرة لكلٍّ من الجلاّدَين.

 

«لقد عملتما كما يجب. إنّه يشبه الفسيفساء. تيتو، أتقول إنّه كان حقّاً هو حبّ ألكسندر؟ إذاً، سنقوم بإعلامه كي يقيم له العزاء. فلنحلّ وثاقه قليلاً.»

 

يحلّون وثاقه فيسقط يسوع على الأرض كما لو كان ميتاً. يتركونه هناك، راكلين إيّاه مِن وقت إلى آخر بأقدامهم المنتعلة كي يروا إن كان يئنّ. ولكنّه يصمت.

 

«هل مات؟ أممكن هذا؟ إنّه شاب وحرفيّ، كما قيل لي... وكأنّه امرأة رقيقة.»

 

«سأهتمّ أنا بالأمر.» يقول أحد الجنود. ويُجلِسه، مسنداً ظهره إلى العمود. حيث كان، هناك جلطات دموية... ثمّ يمضي إلى عين تسيل تحت الرواق، يملأ حوض ماء، ويفرغه على رأس وجسد يسوع. «هكذا! الماء يفيد الورد.»

 

يتنهّد يسوع بعمق ويهمّ بالوقوف، ولكنّه يُبقي عينيه مغمضتين.

 

«آه! حسناً! هيّا أيّها الظريف! امرأتكَ تنتظركَ!...»

 

ولكنّ عبثاً يسند يسوع يديه على الأرض محاولاً الوقوف.

 

«هلمّ! بسرعة! هل أنتَ ضعيف؟ هاك الإنعاش.» يسخر جنديّ آخر. وبقبضة طَبَره (سلاح مكوّن مِن حربة وفأس معاً) يوجّه له ضربات متواترة على وجهه ويصيب يسوع بين الوجنة اليمنى والأنف حيث يبدأ الدم يسيل.

 

يفتح يسوع عينيه، ويدير بصره. نظر مغشّى... يحدّق بالجنديّ الّذي ضربه، ويمسح الدم بيده، ثمّ يقف بعد جهد كبير.

 

«ارتدِ ملابسكَ. ليس مِن اللائق البقاء هكذا. يا قليل الحياء!» ويضحكون وهم يتحلّقون حوله.

 

يطيع دون كلام. إنّما فيما ينحني -وهو وحده يعلم مقدار الألم وهو ينحني إلى الأرض، مغطّى بالكدمات كما هو حاله، ومع الجراح الّتي حينما يتمدّد الجلد تنفتح أكثر، وأخرى تتشكّل بسبب الفقاعات الّتي تتفزّر- يطيح أحد الجنود بركلة مِن قدمه بالثياب ويبعثرها، وكلّ مرة يصل يسوع وهو يترنّح إلى حيث سقطت، يطيح بها جنديّ في اتّجاه آخر. ويسوع الّذي يشعر بألم حادّ، يتبعها دون أن يقول كلمة فيما يهزأ به الجنود بكلمات بذيئة.

 

أخيراً يتمكّن مِن ارتداء ملابسه. ويرتدي أيضاً الثوب الأبيض الّذي بقي نظيفاً في ركن. وكأنّه يريد أن يخبّئ ثوبه الأحمر البائس الّذي كان بالأمس غاية في الجمال وهو الآن متّسخ وملطّخ بالدم الّذي سال في جَثْسَيْماني. وقبل أن يلبس جلبابه القصير على اللحم، يمسح به وجهه المبلّل وينظّفه مِن الغبار والبصاق. وهو، المسكين، الوجه المقدّس، يبدو نظيفاً، عليه فقط آثار ازرقاق وجروح صغيرة. يعيد ترتيب شعره الأشعث، ولحيته، لحاجة فطريّة في أن يكون مرتّباً في شخصه.

 

ثمّ يقرفص تحت الشمس، لأنّ يسوعي يرتجف... تبدأ الحمّى بالتسلّل إليه برعشاتها، ويشعر كذلك بالضعف الناتج عن فقدان الدم، الصيام، ومِن المسير الطويل.

 

تُقيَّد يداه مِن جديد، ويرجع الحبل ليحزّ حيث سوار أحمر مِن الجلد المسلوخ.

 

«والآن؟ ماذا نفعل؟ أنا أشعر بالملل!»

 

«انتظر، اليهود يريدون مَلِكاً، سنعطيهم إيّاه. هذا...» يقول أحد الجنود.

 

يجري خارجاً، بالتأكيد إلى باحة خلفيّة، ويرجع ومعه حزمة مِن أغصان الزعرور البرّي. ما تزال ليّنة لأنّ الربيع يحافظ على ليونة الأغصان، ولكنّها قاسية بأشواكها الطويلة والحادّة. وبخناجرهم ينـزعون الأوراق والزهيرات، يثنون الفروع على شكل دائرة ويغرزونها في الرأس المسكين. ولكن الإكليل الهمجيّ ينـزل إلى عنقه.

 

«غير مناسب. اجعله أضيق. انزعه منه.»

 

يرفعون الإكليل خادشين الخدّين، موشكين أن يعموه، منتزعين شعره وهم يقومون بهذا. يضيّقونه... الآن هو ضيق جدّاً ورغم غرزه بقوة مخترقا بأشواكه الرأس، إلاّ أنّه مهدّد بالسقوط. فيرفعونه من جديد، منتزعين معه شعرات أخرى. يعدّلونه مِن جديد. الآن، هو مناسب. مِن الأمام ثلاثة شرائط شائكة. ومِن الخلف حيث تتشابك نهايات الأغصان، عقدة حقيقيّة مِن الأشواك الّتي تدخل في الرقبة.

 

«هل ترى كم أنتَ جيّد؟ برونز طبيعي وياقوت حقيقيّ. انظر لنفسكَ أيا أيّها الـمَلِك في درعي.» يدمدم ذاك الّذي أوحى بفكرة التعذيب.

 

«الإكليل لا يكفي كي يكون مَلِكاً. يجب الأرجوان والصولجان. في الاصطبل قصبة وفي القمامة خرقة حمراء. اجلبهما يا كورنيليوس.»

 

وحينما يحصلون عليهما، يضعون الخرقة القذرة الحمراء على كتفي يسوع. وقبل أن يضعوا في يديه القصبة، يضربونه على رأسه وهم ينحنون أمامه محيّين: «السلام لكَ يا مَلِك اليهود.» ويتلوّون مِن الضحك.

 

يتركهم يسوع يفعلون ما يشاؤون، يتركهم يُجلسونه على "العرش" -حوض مقلوب، يستخدم بالتأكيد لشرب الجياد- يتركهم يضربونه، يهزؤون منه، دون أن ينطق بكلمة. ينظر إليهم فقط... نظرة وداعة، وألم مبرّح حتّى إنّني لم أتحمّلها دون الشعور بجرح في قلبي.

 

لم يتوقّف الجنود عن الهزء إلاّ حينما يسمعون صوت أحد القادة الأجشّ وهو يأمرهم بنقل المذنب إلى بيلاطس.

 

المذنب! بما أذنب؟

 

يصحبون يسوع إلى الفناء المغطّى الآن بخباء ثمين بسبب الشمس. وهو ما يزال بالإكليل والقصبة وثوب الأرجوان.

 

«تقدّم كي أعرضكَ على الشعب.»

 

ورغم انكسار يسوع، ينتصب بهيبة. آه! يا له حقّاً مِن مَلِك!

 

«اسمعوا أيّها العبرانيّون. الرجل هنا. وقد عاقبتُه. والآن اتركوه يمضي.»

 

«لا! لا! نريد أن نراه، أخرجه! ولنرَ المجدّف.»

 

«قودوه إلى الخارج. وحاذروا ألّا يأخذوه.»

 

وفيما يخرج يسوع إلى الرواق ويظهر داخل مربع الجنود، يشير إليه بيلاطس البنطي ويقول: «هو ذا الرجل. ملككم. ألا يكفي هذا بعد؟»

 

إنّ شمس اليوم القائظ، وهي الآن عموديّة تقريباً حيث إنّ الساعة هي بين الثالثة والسادسة، تنير وتُبرِز النظرات والوجوه. أهؤلاء بشر؟ لا، بل ضباع مسعورة. يصيحون، يظهرون قبضاتهم، يطلبون الموت…

 

يسوع واقف. أؤكّد لكم أنّه لم يكن بمثل هذا النبل كما هو الآن، حتّى وهو يجترح المعجزات الأكثر قدرة. نبل الألم. إنّما هو إلهيّ للغاية حتّى يكفي وسمه باسم الله. ولكن لقول هذا الاسم يجب على الأقلّ أن يكون المرء مِن البشر. وأورشليم ليس فيها بشر اليوم. ليس فيها سوى شياطين.

 

يدير يسوع بصره صوب الجموع، يبحث، فيجد وسط هذا البحر مِن الوجوه الحاقدة، الوجوه الصديقة... كم؟ أقلّ مِن عشرين صديقاً وسط آلاف الأعداء... ويحني رأسه، متأثّراً بهذا التخلّي. تسقط دمعة... وأخرى... وأخرى... رؤية هذه الدموع لم تثر الشفقة، بل كراهية أكثر حنقاً.

 

يُعاد إلى الفناء.

 

«وإذاً؟ اتركوه يمضي. هذا عدل.»

 

«لا. الموت! اصلبه.»

 

«سأعطيكم باراباس.»

 

«لا. المسيح!»

 

«إذاً تكفّلوا أنتم بذلك. اصلبوه على مسؤوليّتكم، لأنّي لا أجد فيه علّة لأصلبه.»

 

«ادّعى أنّه ابن الله. وبحسب ناموسنا يستوجب الموت مَن يرتكب مثل هذا التجديف.»

 

يفكّر بيلاطس. يدخل ثانية، يجلس على عرشه الصغير. يضع يده على جبهته، وكوعه على ركبته، ويتفحّص يسوع.

 

«اقترب.» يقول.

 

يذهب يسوع حتّى المنصّة.

 

«هل هذا صحيح؟» أجب.

 

يصمت يسوع.

 

«مِن أين أتيتَ؟ مَن هو الله؟»

 

«هو الكلّ.»

 

«وثمّ؟ ماذا يعني الكلّ؟ ماذا يكون الكلّ لشخص يموت؟ أنتَ مجنون... الله غير موجود. أنا موجود.»

 

يصمت يسوع. لقد أطلق الكلمة العظيمة ثمّ يعود ليغلّفه الصمت.

 

«يا بنطيّ: مُعتَقَة كلوديا بروكولا تستأذن في المثول. لديها مكتوب لكَ.»

 

«يا للآلهة! النساء أيضاً الآن! فلتأتِ.»

 

تدخل إحدى الرومانيّات وتركع كي تقدّم له لوحاً مِن الشمع. المفروض أنّه توسّل مِن بروكولا لزوجها بألاّ يدين يسوع. تنسحب المرأة وهي تتقهقر بينما بيلاطس يقرأ.

 

«أُنصَح بتجنّب قتلكَ. هل أنتَ حقّاً أعظم مِن عرّاف؟ أنتَ تخيفني.»

 

يصمت يسوع.

 

«ولكن أما تعلم أنّ لي سلطاناً أن أطلقكَ أو أن أصلبكَ؟»

 

«ما كان لكَ عليّ مِن سلطان، لو لم تكن قد أُعطيتَه مِن فوق. لذلك فالّذي أسلمني إليكَ له خطيئة أعظم.»

 

«مَن هو؟ إلهكَ؟ أنا خائف...»

 

يصمت يسوع.

 

بيلاطس على جمر: يريد ولا يريد. يخشى عقاب الله، ويخاف روما وانتقام اليهود. يستولي عليه للحظة الخوف مِن الله. يذهب إلى مقدّمة الفناء ويقول بصوت كالرعد: «ليس مذنباً.»

 

«إن قلتَ هذا، فأنتَ عدوّ لقيصر. فالّذي ينصّب نفسه مَلِكاً هو عدوّه. أنتَ تريد أن تطلق الناصريّ. نحن سنخبر القيصر.»

 

يستولي على بيلاطس خوف الإنسان.

 

«خلاصة القول، أنتم تريدون موته؟ فليكن! ولكن لا يكن دم هذا البار على يديّ.» ويطلب إحضار حوض، ويغسل يديه في محضر الشعب، الّذي يبدو وقد استولى عليه الهياج ويصيح: «علينا، علينا دمه، علينا وعلى أولادنا. نحن لا نخافه. إلى الصليب! إلى الصليب!»

 

يرجع بيلاطس البنطيّ إلى عرشه، ينادي قائد المئة لونجين وأحد العبيد. يُحضر العبد مائدة يسند إليها لافتة ليجعل عليها كتابة: «يسوع الناصريّ، ملك اليهود.» ويُريها للشعب.

 

«لا. ليس هكذا. ليس مَلِك اليهود، بل هو قال إنّه مَلِك اليهود.» هكذا يصيح كثيرون.

 

«ما كتبتُه قد كتبتُه.» يقول بيلاطس بقسوة، ويقف، ويمدّ الكفين إلى الأمام وإلى أسفل ويأمر: «فليصلب. أيّها الجنديّ، اذهب وأعدّ الصليب.» وينـزل دون أن يلتفت إلى الجمع الهائج، ولا إلى المدان الشاحب. يخرج مِن الفناء…

 

يبقى يسوع وسط الفناء تحت حراسة الجنود، منتظراً الصليب.

***

عشيّة 07 / 03 / 1944

 

لِمَن يمكنني التعبير عن ألمي؟ ولا لأيّ شخص مِن هذه الأرض، ذلك أنّه ليس مِن آلام هذه الأرض ولن يدركه أحد. هو ألم لذيذ ولذّة أليمة. أودّ التألّم عشر مرّات، بل مائة مرّة أكثر. ليس لأيّ شيء مِن العالم أريد عدم التألّم بهذا. ولكنّ هذا لا يمنع أنّني أتألّم كمن يُخنَق، كمن يُضغط عليه في ملزمة، يُحرق في فرن، يُطعن حتّى القلب.

 

لو كان مسموحاً لي التحرّك، الانعزال عن العالم كلّه والتمكّن، في الحركة والنشيد، مِن منح العزاء لشعوري، بما أنّه شجن شعور، لكنتُ نلتُ العزاء. ولكنّني كيسوع على الصليب. لم تُعطَ لي الحركة ولا الانعزال وعليّ أن أزمّ شفتيّ كي لا أدع الفضوليّين يرون نزاعي اللذيذ. زمّ الشفتين، ليس طريقة كلام! عليّ بذل مجهود كبير للسيطرة على الاندفاع الّذي يحملني على إطلاق صرخة الفرح والألم فائق الطبيعة الّذي يهيج في داخلي ويصعد بحدّة لهيب أو قاذف ماء.

 

عينا يسوع اللتان يغشاهما الألم: عين الإنسان، تجذباني مثل المغناطيس. إنّه في مواجهتي ينظر إليّ وهو واقف على درجات دار الولاية، برأسه المكلّل، ويديه المقيّدتين على لباس المجانين الأبيض الّذي أرادوا به أن يسخروا منه، وعلى العكس فقد ألبسوه لباس البراءة اللائق بالبريء. هو لا يتكلّم. إنّما كلّ شيء فيه يتكلّم ويدعوني ويطلب منّي.

 

ماذا يطلب؟ أن أحبّه. هذا أعلمه وأعطيه له لدرجة أنّني أشعر بالموت كما لو أنّ خنجراً في صدري. ولكنّه يطلب شيئاً آخر لا أدركه، وأريد أن أفهمه.  هذا هو عذابي. أريد أن أعطيه كلّ ما يمكن أن يرغبه حتّى إن كان عليّ أن أموت مِن الألم. ولكنّي لا أنجح.

 

وجهه المتألّم يجذبني ويفتنني. إنّه بهيّ عندما يكون المعلّم أو المسيح القائم. ولكنّ هذه الرؤية تمنحني فقط الفرح، بينما هذه الأخرى تمنحني حبّاً عميقاً، أكثر عمقاً بكثير مِن حبّ أُمّ لابنها المتألّم.

 

نعم، أفهم ذلك. الحبّ الشفوق هو الصلب بالنسبة للمخلوق الذي يتبع المعلّم حتّى العذاب الأخير. إنّه حبّ استبداديّ يمنع عنّا كلّ تفكير ليس الّذي لألمه. نحن لسنا لأنفسنا. نحن نعيش لكي نعزّي عذابه وعذابه هو عذابنا الذي يقتلنا، ليس فقط مجازيّاً. ومع ذلك كلّ دمعة ينتزعها منّا الألم هي ثمينة أكثر مِن لؤلؤة وكلّ حزن نستوعبه يشبه حزنه وهو أكثر اشتهاء وعشقاً مِن كنز.

 

أبتِ لقد دُفعتُ لكي أكتب ما أختبره. ولكن لا جدوى منه. أكثر مِن كلّ نشوة روحيّة يمكن لله أن يمنحني إيّاها، ستظلّ نشوة حزنه دائماً هي الّتي تحمل نفسي إلى السماء السابعة. الموت حبّاً وأنا أنظر إلى يسوعي الّذي يتألّم، أجده أجمل موت.

***

تأمّل حول سلوك بيلاطس تجاه يسوع

 

10 / 03 / 1945

 

يقول يسوع:

 

«أريد أن أجعلكِ تتأمّلين الفقرة الّتي تتعلّق بلقائي المتكرّر مع بيلاطس.

 

يوحنّا، كونه دائماً حاضراً أو على الأقل قريباً جدّاً، هو الشاهد والراوي الأدقّ. يروي أنّ لدى خروجي مِن بيت قيافا أُخِذتُ إلى دار الولاية. ويحدّد "في الصباح الباكر" بالفعل، قد رأيتِ ذلك، كان النهار بالكاد قد بدأ. ويحدّد أيضاً: "هم [اليهود] لم يدخلوا كيلا يتنجّسوا ومِن أجل أكل الفصح". مراؤون، كما هم على الدوام، كانوا يجدون خطراً مِن التنجّس حينما تطأ أقدامهم تراب بيت وثنيّ، ولكنّهم لم يكونوا يجدون في قتل بريء خطيئة. وبنفس راضية عن جريمتهم المرتكبة، استطاعوا تذوّق الفصح بشكل أفضل.

 

لهم أيضاً الآن أعداد كبيرة مِن المقتدين بهم. كلّ الّذين يسيئون التصرّف داخليّاً، وخارجيّاً يجاهرون بالاحترام للدين وبمحبّة الله، يشبهونهم. شكليّات، شكليّات ولا مِن دين حقّ! إنّهم يثيرون فيّ الاشمئزاز والسخط. 

 

إذ لم يدخل اليهود عند بيلاطس، خرج هو ليسمع ماذا لدى الجمع الّذي كان يصرخ، وفهم بخبرته في القيادة والحكم بنظرة واحدة أنّ المذنب ليس أنا، بل هو هذا الشعب السكران بالكراهية. لقاء نظرتينا كان قراءة متبادلة لقلبينا. لقد أدركتُ مَن كان هذا الرجل وهو أدرك مَن كنتُ. أنا أشفقتُ عليه لأنّه كان إنساناً ضعيفاً. وهو أشفق عليّ لأنّني كنتُ بريئاً. حاول أن ينقذني منذ اللحظة الأولى. ولأنّ روما كانت هي المنوطة الوحيدة والمحتفظة بحقّ ممارسة العدالة تجاه الأشرار، جرّب أن ينقذني بقوله: "احكموا عليه بحسب ناموسكم."

 

اليهود، المراؤون للمرّة الثانية، لم يكونوا يريدون إصدار الحكم. حقّاً كان لروما حقّ القضاء، ولكن حينما رُجم استفانوس مثلاً، كانت روما ما تزال تحكم أورشليم، ومع ذلك حكموا عليه ونفّذوا الموت دون الاكتراث لروما. بالنسبة لي، بالنسبة إلى الّذي لم يكنّوا له المحبّة بل الكراهية والخوف -لم يكونوا يريدون الإيمان أنّي مَسيّا، ولكنّهم لم يكونوا يريدون قتلي جسديّاً في حال كنتُ كذلك- فتصرّفوا بطريقة مختلفة واتّهموني بأنّني مثير للشغب ضدّ سلطة روما، أنتم تقولون عنه: "متمرّداً"، للحصول على إدانة لي مِن روما. كانوا قد اتّهموني في مجلسهم الدنيء، مرّات عديدة خلال السنوات الثلاث لرسالتي، بالمجدّف والنبيّ الكذّاب، ولكوني كذلك كان ينبغي أن أُرجَم أو أُقتَل. أمّا الآن كي لا يتمّوا الجريمة جسديّاً بحيث يشعرون غريزيّاً أنّهم يعاقبون عليها، جعلوا روما تتمّها باتّهامي بأنّي شرّير ومتمرّد. فليس أسهل مِن اتّهام بريء حينما يكون الشعب ضالاًّ والرؤساء أبالسة كي ينفّسوا عن هواهم في الشراسة والاغتصاب، وإزاحة مَن يمثّل لهم عائقاً وإدانة.

 

لقد عدنا إلى زمن ذاك العهد. فالعالم، مِن وقت لآخر، ودائماً بعد تبنّي أفكار منحرفة، ينفجر في مظاهر الانحرافات هذه. وكما لو كان الجمع في حالة حمل، بعد أن غذّى وحشه في أحشائه بمذاهب الضواري، ينجبه كي يَفترس، أوّلاً الّذين هم الأفضل ثمّ يفترس ذاته.

 

يعود بيلاطس ليدخل دار الولاية ويدعوني، ويسألني. كان قد سمع عنّي. وكان مِن بين قادة المئة التابعين له مَن يردّدون اسمي بمحبّة معترفة بالجميل، بدموع في العيون وابتسامة في القلب، يتكلّمون عنّي كما عن فاعل خير. وفي تقاريرهم للحاكم، إذ يُسألون عن هذا النبيّ الّذي كان يجذب الجماهير إليه ويكرز بمذهب جديد يجري الكلام فيه عن ملكوت غريب، ملكوت لا يوافق منطقاً وثنيّاً، فكان جوابهم دائماً أنّني رجل وديع، صالح لا يبحث عن أمجاد هذه الأرض، وكان يغرس في الأذهان ويمارس احترام وطاعة المسؤولين. إنّهم أكثر إخلاصاً مِن الإسرائيليّين الّذين يرون الحقيقة ويتجاوزونها. في الأحد الماضي، إذ لفتت انتباهه صيحات الجمهور، تقدّم على الطريق، ورأى مرور رجل غير مسلح على جحش وهو يبارك، يحيط به أطفال ونساء. وأدرك أنّه لا يمكن أن يكون هناك خطر على روما مِن ذلك الرجل. فأراد أن يعرف إن كنتُ مَلِكاً. في شكّه الوثنيّ المتهكّم، كان يريد أن يضحك قليلاً على ذلك الـمَلِك الّذي يعتلي حماراً، وحاشيته أطفال حفاة، ونساء مبتسمات، ورجال مِن الشعب، يضحك مِن هذه الـمَلَكيّة الّتي منذ ثلاث سنوات تكرز بعدم الانجذاب إلى الثراء والسلطة، ولا تتكلّم عن أيّة غزوات غير غزوات الروح والنَّفْس. وما هي النَّفْس بالنسبة إلى وثنيّ؟ فحتّى آلهتهم ليس لها نَفْس. فهل يمكن أن تكون للإنسان؟ والآن أيضاً هذا الـمَلِك بلا تاج، ولا قصر ولا بلاط ولا جنود، وهو يردّد أنّ ملكوته ليس مِن هذا العالم. حقّاً ليس هناك وزير واحد أو أيّ مجموعة تقف لتدافع عن مَلِكها وتنتزعه مِن أعدائه. أخذ بيلاطس الجالس على كرسيه، يتفحّصني لأنّني لغز بالنسبة إليه. لو كان أراح نَفْسه مِن الهموم البشريّة، مِن كبرياء منصبه، مِن أخطاء الوثنيّة، لأدرك على الفور مَن أكون. ولكن كيف يمكن للنور أن يلج حيث الكثير مِن الأشياء تسدّ الفتحات لتمنعه مِن الدخول؟

 

هكذا هو الأمر دائماً، يا أبنائي. حتّى الآن. كيف يمكن لله ونوره أن يدخلا حيث لم يعد مكان لهما، وحيث الأبواب والنوافذ موصدة ومحصّنة بالكبرياء، بالبشريّة، بالرذيلة، بالربا، بكثير وكثير مِن الحرّاس في خدمة الشيطان ضدّ الله.

 

لم يتمكّن بيلاطس مِن فهم ما هو ملكوتي. وما هو أكثر إيلاماً، أنّه لم يسألني لأشرح له. وفي دعوتي له لمعرفة الحقّ، هو الوثني الجامح، يجيب: "ما هو الحقّ؟" وأهمل السؤال بهزّ كتفيه.

 

آه! أبنائي! يا أبنائي! آه! بيلاطس الزمن الحالي بالنسبة لي! أنتم أيضاً، مثل بيلاطس البنطيّ، تهملون الأسئلة الأكثر حيويّة هازّين أكتافكم. تبدو لكم غير ذات نفع، عفا عليها الزمن. ما هو الحقّ؟ أهو المال؟ لا. هو النساء؟ لا. السلطة؟ لا. الصحة الجسديّة؟ لا. المجد البشريّ؟ لا. لذا فليُهمَل، فهو لا يستحقّ أن تجروا وراء وهم. مال، نساء، سلطة، صحّة، رفاهية، مجد، تلكم أشياء محسوسة، نافعة، تُحَبّ ويُبلَغ إليها بكلّ السبل. هكذا تفكّرون. وأسوأ مِن عيسو، تبادلون الخيرات الأبديّة بغذاء فظ يؤذي صحّتكم الجسديّة ويلحق الضرر بخلاصكم الأبديّ. لماذا لا تلحّون في السؤال: "ما هو الحقّ"؟ هو، الحقّ، لا يطلب سوى أن يُعرّفكم عن نفسه كي يُطلعكم على مضمونه. هو أمامكم كما أمام بيلاطس، وينظر إليكم بعينيّ حبّ متضرّع، مناشداً إيّاكم: "اسألني، وسأعلّمكَ". أترين كيف أنظر إلى بيلاطس؟ هكذا أنظر إليكم جميعاً. وإذا كنتُ أنظر إلى مَن يحبّني ويطلب كلامي نظرة محبّة، فإنّي أنظر نظرات محبّة متألّمة لمن لا يحبّني، لا يبحث عنّي، لا يسمعني. ولكن بمحبّة، دائماً بمحبّة، لأنّ المحبّة هي طبيعتي.

 

بيلاطس يتركني حيث أنا دون أن يسألني المزيد، ويذهب إلى الأشرار الّذين يتكلّمون بشكل أقوى ويفرضون أنفسهم بعنفهم. ويستمع إليهم، هذا التعس الّذي لم يسمعني ورفض دعوتي لمعرفة الحقّ بهزّ كتفيه. يسمع الأكذوبة. الوثنيّة، مهما كان شكلها، تميل دائماً إلى احترام وقبول الكذب، مهما كان. والكذبة الّتي يقبلها ضعيف، تقود الضعيف إلى الجريمة. حينئذ بيلاطس، وهو على حافّة الجريمة، ما زال يريد أن ينقذني مرّة ومرّتين. وهو هنا يرسلني إلى هيرودس. إنّه يعلم جيّداً أن الـمَلِك المخادع، المتذبذب بين روما وشعبه، سيتصرّف بطريقة لا يجرح بها روما ولا يصطدم بالشعب اليهوديّ. ولكن مثل كلّ الضعفاء، يؤخّر لساعات القرار الّذي لا يشعر أنه قادر على أخذه، آملاً أن يهدأ الهياج.

 

قلتُ لكم هذا: "فليكن كلامكم: نعم، نعم؛ لا، لا". أمّا هو فلم يسمع به، ولو أنّ أحداً ردّده على مسمعه، لرفع كتفيه كالمعتاد. للانتصار في هذا العالم، لنيل الأمجاد والمكاسب، يجب معرفة جعل النعم: لا، أو مِن اللا: نعم، حسب ما ينصح به الحسّ السليم (أو الحسّ البشريّ). كم، كم مِن بيلاطس في القرن العشرين! أين هم أبطال المسيحيّة الّذين كانوا يقولون نعم، دوماً نعم للحقّ ومِن أجل الحقّ، ولا، دوماً لا للكذب؟ أين هم الأبطال الّذي يعرفون مواجهة الخطر والأحداث بقوّة الفولاذ وبنشاط مشرق وبلا تأجيل، إذ يجب إتمام الخير في الحال والهروب مِن الشر في الحال بدون "لكن" أو "لو"؟

 

وبعد رجوعي مِن عند هيرودس، هي ذي تسوية جديدة مِن بيلاطس: الجَلْد. وما الّذي كان يأمله؟ أما كان يعرف أنّ الجمع هو الوحش الّذي يصبح أكثر وحشيّة حينما يبدأ برؤية الدم؟ ولكن كان عليّ أن أتحطّم كي أكفّر عن خطاياكم الجسديّة. وتحطّمتُ. ما مِن جزء مِن جسدي لم يُضرب. أنا الرجل الّذي تكلّم عنه إشَعياء. ويُضاف إلى العقاب المأمور به ما لم يؤمر به، إنّما الـمُبتَكَر مِن قسوة البشر، الأشواك.

 

هل ترونه أيّها البشر، مخلّصكم، ملككم، المكلَّل بالآلام مِن أجل تحرير رؤوسكم مِن أخطاء كثيرة تختمر فيها؟ هل فكّرتم في الألم الّذي أصاب رأسي البريء كي يكفّر عنكم، عن أخطاء أفكاركم الّتي تزداد ضراوة على الدوام والّتي تتحوّل إلى أفعال؟ أنتم الّذين تهينون أنفسكم حتّى عندما لا يكون هناك مِن داع لذلك، انظروا إلى الـمَلِك الـمُهان، وهو الله، برداء السخرية القرمزيّ الممزَّق، مع صولجان القصب وتاج الشوك. كان يحتضر ومع ذلك كانوا يصفعونه بعد بأياديهم وبسخرياتهم. وأنتم لا تشعرون نحوه بالشفقة. وكاليهود، استمرّيتم في إظهار قبضاتكم لي والصراخ: "اخرج! اخرج! ليس لنا إله غير قيصر." أيا أيّها الوثنيّون الّذين لا تعبدون الله، بل أنفسكم ومَن كان أكثر سلطاناً مِن بينكم؟ أنتم لا تقبلون بابن الله. فهو لا يساعدكم في جرائمكم. الشيطان هو الأكثر عوناً. لذلك تفضّلون الشيطان. وتخافون مِن ابن الانسان، مثل بيلاطس. وعندما تشعرون بسيطرته عليكم بسلطانه، ويهيج فيكم صوت الضمير الّذي يؤنّبكم باسمه، تسألون كما بيلاطس: "مَن أنت؟"

 

مَن أكون، أنتم تعرفون. حتّى الّذين ينكرونني يعرفون ما أنا ومَن أكون. لا تكذبوا. عشرون قرناً تحيط بي وتسلّط النور على مَن أكون وتُعَرِّفكم على معجزاتي. إنّ بيلاطس هو الأكثر استحقاقاً للمغفرة. لا أنتم، يا مَن حظيتم بميراث عشرين قرناً مِن المسيحيّة لدعم إيمانكم أو لترسيخه فيكم، وأنتم لا تريدون معرفة شيء. ومع ذلك كنتُ مع بيلاطس أكثر صرامة ممّا أنا معكم. لم أجبه. أمّا معكم فأتكلّم، ورغم ذلك، لا أنجح في إقناعكم أنّني أنا هو، الّذي عليكم واجب عبادتي وطاعتي. حتّى الآن أنتم تتّهمونني أنّني أنا بذاتي سبب انهياري فيكم، لأنّني لا أسمعكم. تقولون إنّكم تفقدون الإيمان بسبب ذلك. آه! كاذبون! أين هو إيمانكم؟ أين هي محبّتكم؟ متى تُصلّون وتعيشون بإيمان ومحبّة؟ هل أنتم عظماء؟ تذكّروا أنّكم هكذا لأنّني أنا سمحتُ به. هل أنتم مجهولون وسط الجمع؟ تذكّروا أنّ لا إله غيري. وليس أحد أعظم منّي ويتقدّمني. أعطوني إذاً تعبّد المحبّة هذا الّذي يعود إليّ وأنا سأسمعكم، لأنّكم لا تعودون أبناء زنى، بل أبناء الله.

 

وها هي آخر محاولات بيلاطس لإنقاذ حياتي، بافتراضه إمكانيّة إنقاذها بالجَلْد عديم الرحمة وبغير حدود. يقدّمني للجمع: "هوذا الرجل!" لقد أثّرت فيه هو شفقة بشريّة. وهو يرجو شفقة الجمهور. ولكن أمام القسوة المقاوِمة والتهديد المتزايد، لا يجيد بالنتيجة القيام بعمل عادل بشكل سامٍ، وصالح، والقول: "إنّني أطلقه لأنّه بريء. أنتم مذنبون، وإن لم تتفرّقوا، ستعرفون مدى صرامة روما". هذا ما كان ينبغي له قوله لو كان بارّاً، دون أن يقيم حساباً للشرّ الّذي سيعود عليه نتيجة لذلك.

 

بيلاطس ليس صالحاً بحقّ، لونجين الأقلّ سلطة مِن الحاكم وأقلّ حماية، هو الصالح، ففي وسط الطريق، وهو محاط بقلّة مِن الجنود وأعداد كبيرة مِن الأعداء، يتجاسر ويدافع عنّي، يساعدني، يمنحني استراحة، يشدّد مِن عزيمتي مع النساء التقيّات، ويقدّم لي معونة مِن القيروانيّ، وأخيراً أن تكون أُمّي عند أقدام الصليب. ذاك كان بطل البرّ وأصبح هكذا بطلاً للمسيح.

 

اعلموا أيا أيّها البشر، المهتمّون فقط بمصلحتكم المادّية، أنّ الله يتدخّل حتّى في احتياجاتكم المادّية حينما يراكم أوفياء للبرّ الّذي هو انبثاق مِن الله. أكافئ دائماً مَن يتصرّف باستقامة. وأدافع عمّن يدافع عنّي. أحبّه وأعينه. أنا هو دائماً مَن قال: "مَن سيعطي كأس ماء باسمي لن يضيع أجره". وللّذي يعطيني المحبّة، الماء الّذي يروي شفتيّ كشهيد إلهيّ، أعطي نفسي، وبالتالي الحماية والبركة.»