الدفاتر: 17 / 07 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(17 / 07 / 1943)
يقول يسوع:
«هل رأيتِ ما الّذي يفعله الّذين يبغون الصوف الناعم مِن أجل النوم؟ إنّهم يأتون بالمنجّد الّذي يضرب ويضرب الصوف حتّى يصبح كالزَّبَد. وكلّما يُضرب الصوف بعزم أكثر كلّما يصبح ناعماً ونظيفاً أكثر، لأنّ الغبار والشوائب تتساقط على الأرض والندف تبقى نظيفة جدّاً وبغاية النعومة.
الشيء ذاته يُفعَل، بل بأكثر شدّة، إذا ما أُريد غزل الصوف أو حياكته. في هذه الحال، يُستعان بالمشط الحديديّ في العمل، الذي يفكّك الصوف بقسوة ويجعله أملساً مثل شعر جيّد التمشيط.
وكذلك يَفعل مَن يغزل الكتّان والقنّب (الخيش)، وحتّى حرير الشرانق، كي يصبح صالحاً للاستعمال، يجب أن يخضع أوّلاً لعذاب الماء المغليّ، الفرشاة الخشنة والآلة الّتي تفتله.
يا نفسي المحبوبة، إذا كان ذلك ضروريّاً لمعالجة الألياف الطبيعيّة ليُصنع منها الثياب والمفارش، أليس بالحريّ أن يُفعل الأمر ذاته مع نَفْسكم لإعدادها للحياة الأبديّة؟ إنّكم ألياف أثمن كثيراً مِن الكتّان، والصوف والقنّب. فمنكم ينبغي استخراج نسيج الحياة الأبديّة.
ولكن، لا بسبب شائبة إلهيّة –لأنّ الله لا يخلق إلّا ما هو كامل- إنّما بسبب نقائصكم، فإنّ نفوسكم همجيّة، منتفشة، خَشِنة، مليئة نفايات وغباراً، بالمختصر، غير صالحة للاستخدام في المدينة الإلهيّة حيث كلّ شيء كامل.
فالتبصّر، العناية الإلهيّة، الصلاح الأبويّ في إلهكم يعمل عليكم إذاً. بماذا؟ بمشيئته. فمشيئة الله هي الأداة الّتي تعمل منكم، أيّتها الألياف الهمجيّة، أقمشة وأصوافاً ثمينة. إنّها تعمل عليكم بألف طريقة: مانحة إيّاكم صلباناً، مبيّنةً لكم بهاء التضحية، وجاذبةً إيّاكم بدعواتها للقيام بها، هاديةً إيّاكم بإيحاءاتها، ومؤدّبةً إيّاكم بتأديبها الأبويّ، مشذّبة إيّاكم بالوصايا.
إنّ هذه، الّتي لا تتبدلّ ضرورتها لا شكلاً ولا حيويّة رغم مرور العصور، وتلك الأخرى، هي الّتي تجعل منكم خيطاً متناسقاً ومقاوماً، صالحاً لصنع نسيج الحياة الأبديّة، وكلّما كنتم مطيعين لمشيئة الربّ أكثر كلّما غدا القماش ثميناً أكثر.
وعندما، ليس فقط تتّبعون هذه المشيئة المباركة الّتي تعمل على الدوام لأجل خيركم، بل تطلبون مِن الله بكلّ قوّتكم أن تعرفونها بكلّيتها لتعملوها بالكامل، مهما كلّف الأمر، حتّى ولو اتّخذت الشكل المناقض لبشريّتكم، إذاك يتزيّن النسيج بتوشيات كما البروكار.
ومِن ثمّ، إذا ما أضفتم إلى كلّ ذلك كمال طلب أن تريدوا الألم لكي تصبحوا شبيهين بي في عمل الفداء، تضيفون إلى البروكار أحجاراً ثمينة لا قياس لقيمتها، ومِن هذه الألياف البدائية المعيبة جدّاً تعملون تحفة للحياة الأبديّة.
ولكن، أيا ماريا، كم قليلة هي النُّفوس الّتي تدع الله يعمل عليها.
إنّ الله، على الدوام، يمسك بكم بيد أب فائق الكمال في الحبّ، وهو يعمل بذكاء إلهيّ. فهو يعلم إلى أيّ حدّ يمكنه الضغط باليد، وأيّ مقدار مِن القوّة عليه ممارستها عليكم كي يجعلكم أهلاً لتلقّي العمليّات الإلهيّة.
ولكن عندما يرفض إنسان الأب الصالح الّذي في السماوات، عندما يتمرّد على مشيئته، عندما يلغي بالخطيئة عطايا القدرة الّتي يهبه إيّاه الله، فكيف يمكن للآب الّذي في السماوات أن يعمل على هذه النَّفْس؟ إنّها تبقى همجيّة، بل إنّها تصبح شيئاً فشيئاً متشابكة ومحمّلة بالنجاسة. وأبكي عليها لرؤيتي أنّ لا شيء، ولا حتّى دمي، المراق مِن أجل الجميع، يستعيدها للصلاح.
علاوة على ذلك، عندما إحدى النُّفوس، لا ترفض فقط عمل الله، بل تحمل في ذاتها غِلظة تجاه الآب وإخوتها وأخواتها، إذاك يتلاشى عملنا بالكامل، والشيطان، سيّد الخطيئة، يستقرّ في تشابك الأهواء المنحرفة هذا.
حينها ينبغي تدخّل عمل الضحايا الصبور والسخيّ. فهي تعمل مِن أجل ذاتها ومِن أجل الآخرين. وتحصل على عودة الله، بمعجزة نعمة، للعمل على هذه النَّفْس بعد طرد الشيطان بتألّق ظهوره.
كم مِن النُّفوس تُخلّصها الضحايا مِن أجلي! أنتم الحاصدون فائقو الطبيعة الّذين يحصدون ثمار الحياة الأبديّة، باذلين ذواتكم في العمل الشاقّ المليء بالأشواك. ولكن تذكّري أنّ أوّل مَن يجب التضحية مِن أجلهم هم أقرباء الدم.
لم أحطّم روابط العائلة. لقد قَدّستُها. لقد قلتُ بحبّ القريب حبّاً فائق الطبيعة. وهل هناك حبّ أعظم مِن محبّة النُّفوس المريضة للذين هم مِن دمنا؟ هل يبدو لكِ طبيعيّاً مَن يهتمّ بمصالح الجميع ما عدا أهل بيته؟ لا: تقولين إنّه مجنون. كذلك مِن غير العدل أن يهتم المرء لاحتياجات قريبه البعيد الروحيّة ولا يضع في المقام الأوّل أقرباء دمه الأقرب.
تعرفين كيف تتصرّفين. لا تكترثي إن قوبلتِ بالجحود. ما لم تُعطه لكِ (والدة ماريا فالتورتا)، أنا أعطيكِ إيّاه. كثّفي تضحيتكِ مِن أجلها.»