الدفاتر: 28 / 05 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(28 / 05 / 1943)
الجمعة صباحاً
يقول يسوع:
«هذا درس خاصّ بكِ.
أنا معلّمكِ وأنتِ تعرفين ذلك. هذه المعرفة مِن قبلكِ تمنحني الفرح. ولكنّني أريد أن تعرفي مدى عمق ما أعمله فيكِ. لقد علّمتُكِ الكثير مِن الأمور وسأعلّمكِ أمور أخرى كثيرة لأنّكِ ما زلت بعيدة جدّاً مِن أن تكوني كما أودّكِ أن تكوني.
واحد مِن آخر الأمور الّتي علّمتُكِ إيّاها كان القدرة على الصمت. لقد جعلتُكِ تُدركينها بظهوري لكِ فيما أنا صامت أمام المتّهِمين لي الحاليين وأولئك الذين لذاك الزمن، أمام بيلاطس وأشباهه، الّذين لا يتّهموني، وبشريّاً، لا يريدون لي سوءاً، إنّما الذين لا يدافعوا عنّي خوفاً. أرى أنّكِ فهمتِ هذا الدرس وأنّكِ كنتِ راغبة بالاقتداء بي، مع معرفتكِ الكاملة أنّكِ بمفردكِ ما كنتِ لتتوصّلين إلى ذلك أبداً.
رغبتكِ وتواضعكِ حثّاني على العمل. أنا أعمل دائماً عندما أرى لدى أحدهم قابلية لأن أعمل فيه. أنا لستُ فقط المعلّم، أنا كذلك طبيب، وأعلم، كوني طبيباً، أنّ الزيارة والتشخيص غير كافيان للشفاء إذا ما رفض المريض الخضوع للطبيب. فليست الكلمة هي الّتي تخلّص: بل العمل. حينذاك عملت فيكِ ضامّاً إيّاكِ إلى قلبي.
أحبّي قلبي يا ماريّا، فهو الّذي شفاكِ مِن واحدة مِن نواقصكِ الرئيسيّة: الحدّة، المقاومة، الافتقار للمرونة في الأمور اليومية. إنّها مُضجِرة، مُزعِجة، ظالمة، هذا صحيح. إنّما الّتي يتعيّن جعلها نافعة، عادلة، محبوبة، بالتفكير بالحياة الأبديّة حيث ستجدونها. وبينما كنتُ أضمّكِ إلى قلبي، وأنتِ تعلمين في أيّ صباح كان ذلك، فإنّه لم يكلّمكِ فقط، ولكنّه أيضاً طهّركِ بلهيبه. وعليه فقد تعدّلت إنسانيّتكِ، فاقدة الكثير مِن بشريتكم-يمكنني قول: شراستكم- وحاصلة على الكثير مِن إنسانيّتي.
سوف أعمل على أمور أخرى فيكِ، إذا ما رأيتُكِ راغبة على الدوام ومتواضعة، تماماً كما قد عملتُ على أمور فيكِ لجعلكِ أكثر تحبّباً لأبينا. لقد أدركتِ أنّكِ شفيتِ مِن أمور كثيرة، ومَن الّذي شفاك. في حالات أخرى، لم تنتبهي لفرط ما كانت يدي خفيفة.
ولكن فكّري بهذا، لكي لا تخطئي، عندما تنظرين إلى نفسكِ بدهشة لرؤيتكِ لذراعيكِ يُنبِتان ريشاً، متحوّلين إلى جناحين: فكّري أنّ كلّ الخير الّذي ترينه قد نما حيث قبلاً كان يوجد حشائش وعلّيق شر، أنّ كلّ هذا الخير هو منّي، أنا مَن وهبتُكِ إيّاه. مِن ذاتكِ لم تكوني لتستطيعي فعل شيء، رغم إرادتكِ الصالحة.
مِن هذا الأمر الأخير الّذي عملتُ عليه فيكِ، والّذي به أصبحتِ المقتدية بي في الصمت، الّذي هو فطنة، الذي هو محبّة، الذي هو تضحية، والّذي يسرّني أكثر مِن البخور، أنتِ تسبّحينني لأجله معلنةً أنّني أغدقتُ هذه النعمة. هذا الاعتراف بالجميل يدفعني أن أعمل أكثر.
إنّني معلّم وطبيب، ولكنّني كذلك أب. ولو لم أكن الإنسان-الله، لوددتُ القول: إنّني أُمّ لكم جميعاً لأنّني، كما هي الأُمّ، أحملكم، أغذّيكم، أعتني بكم، أعلّمكم، أبكي عليكم، وأتفاخر بكم. حبّ الأب مختلف. حبّ الأُمّ هو أعظم حبّ، بعد حبّ الله. لأجل ذلك عهدتُ بكم إلى أُمّي وأنا على الصليب. لم أعهد بكم للآب، الذي بموتي، قد أفتديتُكم أمامه. أعطيتُ أُمّي إيّاكم لأنّكم كنتم عديمي الشكل، مواليد جدد، وكان يلزمكم صدر أُمّ.
كونوا، كوني ابنة لي، ابنة تعترف بالاعتناء الممنوح لطفولتها الروحيّة. لاحظي مواليد أُمّ: هناك القليل مِن النور في الفكر البدائي لمولود جديد، ولكنّكِ ترينه يبتسم ويداعب الثدي الّذي يمنحه الحليب. لاحظي صغار الحيوانات: إنها تحبّ ضرع الأُمّ الّذي يغذّيها، تحبّ الجناح الّذي يغطّيها.
أنتِ، المرأة ابنة المرأة، أنتِ، الخليقة الّتي على مثال الله، لا تكوني أدنى مِن صغار الحيوانات، تعرّفي دوماً على صدري الّذي ينمّيكِ، يغذّيكِ ويثقّفكِ، وأحبّيه حبّاً يعوّضني ويدفعني للاعتناء بكِ أكثر على الدوام. لا تتعبي مِن الحبّ. تعرفين ما الّذي أريد قوله. لا تتعبي مِن الحب إذا كنتِ ترغبين ألاّ أتعب مِن العمل فيكِ.
الآن، اذهبي بسلام. تذكّري ، اسمعي وأحبّي. تعلمين ما أريد قوله. هكذا تسعدينني. أنا يسوع، يسوع الّذي هو المخلّص.»