الدفاتر: 21 / 06 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(21 / 06 / 1943)
يقول يسوع:
«في دول الشرق مِن المألوف إيجاد خزّانات مياه جوفية ضخمة موجودة بالضبط في أمكنة قاحلة جدّاً بحيث يُدهَش المرء لوجود هكذا قدر مِن الماء فيها. إنّها قد تغذّت بشرايين سرّيّة، مدفونة تحت الرمال أو الصخور الكلسيّة، الّتي كانت تُسَرِّب منذ عصور هذا الكنز المبارك إلى حاويات ضخمة عمرها قرون. حولها ينتصب النخيل ونباتات أخرى، خضراء غضّة إذ تستفيد مِن الرطوبة المنبعثة مِن الأرض. هذه الخُضرة تحمي الماء بحيث يبقى منعشاً ولا يجف بفعل أشعة الشمس الحارقة التي تجفف كل شيء في المحيط.
إنّها بَرَكَة الصحاري القاحلة. إنّ صلاح الخالق قد وضع هذه الشرايين في أعماق الأرض رحمة بالبشر، وهو يستمرّ بتغذيتها منذ اليوم الأول للأرض.
القوافل تتدفّق إلى هذه الخزّانات، وتهرع إليها حيوانات الصحراء، ولا يندر أن تقوم ضيعة صغيرة بالقرب مِن طراوة الواحة، ضيعة يمكن القول عنها إنّها تعيش على تدفق تلك المياه.
الآن أقارن ذلك مع النَّفْس. الخزّان الّذي يجمع المياه مِن أجل خيره وخير الآخر هو النَّفْس الّتي تجيد استقبال النعمة، الّتي تتدفّق فيها باستفاضة بفعل صلاح الله. إنّ حياتها وحياة الآخرين الذين هم على تواصل بها تنتفع منها وتصبح خصيبة بالثمار الأبديّة، بينما الأكثر حرماناً، البائسون الّذين لا يجيدون الاستفادة مِن النعمة، السفهاء الّذين يبدّدونها، المذنبون الّذين يفقدونها، يستطيعون، بالتّماس مع هذه النَّفْس، أن يتغذّوا منها، أن ينهلوا، أن يفكّروا كم هي عذبة مياه الربّ؛ فيميلون إلى ترداد صرخة السامريّة: ’سيّدي أعطني مِن هذا الماء‘.
ثقي بحقّ أنّني، إذا ما طلب منّي أحد ليشرب، أعطيه في الحال، حتّى ولو كان أعظم الخاطئين، ماء النعمة الحيّ.
ولكنّ تفكيراً يفرض نفسه. ما الذي كان ليحدث لو أنّ المياه الّتي تجري في أعماق الأرض تجد خزّاناً معطوب الحوافّ؟ سوف تسيل المياه وتتبدّد في الأرض، مُشَكِّلة وحلاً لا ينتفع منه سوى الحيوانات الدبقة والحشرات الضارّة. في الواقع، يهتم الشرقيون كثيراً بالخزّانات ويقومون بإصلاح أي تآكل حتى لا تضيع قطرة واحدة مِن العنصر الثمين.
كي تملأ النعمة نفسكِ، انتبهي جيّداً لئلاّ يسبّب أيّ شيء تآكل روحكِ. إنّ الافتقار للثقة بالنعمة يكون بمثابة اعتداءات كثيرة على سلامة الخزّان المقدّس الّذي أسكب فيه بلا انقطاع الماء الّذي يتدفّق مِن نبع حياة أبدية ويمنح حياة أبدية. إذاً انتباه عظيم وثقة فائقة.
علاوة على ذلك، تواضع بالغ. فالنباتات الخضراء، الّتي تنمو بوفرة بفضل رطوبة الأرض، والتي تعمل على حفظ المياه عذبة، مانعة الشمس مِن تبخيرها، هي التواضع الذي يكون وافراً في النَّفْس الّتي تجيد جني النعمة، والتي بوفرتها تمنع شمس الكبرياء مِن استنفاذ الماء الثمين جدّاً.
ومِن ثمّ محبّة عظيمة. فالخزّان لا يعيش لذاته. هو يعيش مِن أجل الآخرين، لقد خُلِق مِن أجل الآخرين. وإلاّ لكان وجوده عبثاً. فالنَّفْس الّتي أملأها مِن عطايا نِعَمي ينبغي لها أن تسرّ مِن كون الجميع يأتون ليغرفوا منها.
لا ترتكبي خطيئة البخل الروحيّ القبيحة بإرادتكِ الاحتفاظ بالثروات الّتي أمنحكِ إيّاها لنفسكِ فقط. أنا أمنحكِ إيّاها مجاناً، إنّما عليكِ مشاركتها مع الآخرين بسخاء. فيما يخصّ الصلوات والآلام، إنّكِ تفعلينها، أمّا فيما يخصّ كلامي فأنتِ بخيلة بشكل مخجل. تخلّصي مِن هذه النقيصة.
أنا قد تحدّثتُ إلى الجموع؛ لم أهمس في آذان الأصدقاء فقط. لقد تحدّثتُ إلى الأصدقاء والأعداء، إلى اليهود والوثنيّين، إلى كلّ مَن كان ضمن مدى صوتي. لا أريد أن يبقى ما أقوله الآن لأصدقائي كنزاً مدفوناً مِن قبل البخيل. سيكون ذلك تقصيراً بالمحبّة، وذلك قد يدفعني لمعاقبة البخيل والشكّاك. البخيل: ذلك أنّه يحتفظ بكلّ شيء لنفسه، الشكّاك، لأنّه يظنّ أنّي لا أملك نقوداً أخرى لأعطيها.
إنّ ثرواتي هي بحيث أنّ السماء لا تكفي لاحتوائها. إنّها تتجدّد في كلّ لحظة، مع كلّ نبض، بحسب التعبيرات البشريّة، مِن هذا القلب الكبير الّذي هو محور ثالوثنا. حياة لا تفنى، خلق مستمرّ، تجدّد أبديّ.
أعطي إذاً بأريحيّة ما أعطيكِ إيّاه. بمحبّة، بسخاء، وبتواضع.
هذه الكلمات الإلهيّة الّتي تتدفّق فيكِ هي سيف ذو حدّين. على حدّ يوجد التواضع، على الآخر الكبرياء. حدّ يمنح الحياة، الآخر يؤدّي إلى الموت. ذلك أنّ كلّ عطيّة مِن الله تُوجب على الّذي يتلقّاها كمال أعظم؛ وبخلاف ذلك فهو يراكم دينونة الله على رأسه. فَمَن أُعطي كثيراً يُطلب منه الكثير.
تواضع عظيم إذاً. أعطي كما أنا أعطيكِ بالمجّان. مِن قبيل العدل: فكّري بأنّ لا شيء ملككِ، بل كلّ شيء هو لي. مِن قبيل الاحترام: تذكّري أنّه كلام الله ومِن غير اللائق اعتباره كلامكِ. مِن قبيل الحقيقة: القول إنّه منكِ يكون كذباً.
والآن امضي للصلاة. أعطيكِ سلامي.»
----------
الآن أنا أتكلّم: الساعة هي الثامنة والدقيقة الخامسة والأربعين صباحاً.
كنتُ أصلّي؛ بالكاد ابتدأتُ عندما حصل هذا. كي أوفّر على نفسي القليل مِن العناء، لأنّ ظهري كان يؤلمني كثيراً، فقد كتبتُ على الدفتر مباشرة. على كلّ حال فقد وعدتَّني بنسخة. كما ترى، حيث أنّه لم يتم إزعاجي بثرثرات عبثيّة مزعجة، فقد تمكّنتُ مِن تدوين الإملاء وأنا أتلقّاه، وفيما خلا كلمة أُسيئت كتابتها في الصفحة الأولى، وقد صحّحتُها، فليس هناك شطب.
مَثَل المياه هذا أعجبني كثيراً. فهو ينعش نفسي وجسدي، جسدي الذي كانت تحرقه الحمّى، ونفسي الّتي تخشى على الدوام مِن الخطأ: بالفعل إنّ بي القليل مِن البخل الروحيّ وأتخلّى على مضض عن العطايا الّتي يمنحني إيّاها يسوع الصالح. لديّ انطباع أنّني أنتزع قطعة مِن القلب وأرميها تحت أقدام الآخرين. ولكنّني سأصلح نفسي.
كما ترون، مِن سريري، اليد بيد يسوع، قمتُ برحلة جميلة إلى بلاد الجنوب. لم أكن لأتصوّر هذا أبداً عندما استيقظتُ صباحاً بعد نوم قصير ومتقطّع... يسوع يعلم أنّني أحبّ السفر وقد نقلني وسط النخيل والغزلان.