الدفاتر: 31 / 05 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(31 / 05 / 1943)

مباشرة بعد التناول المقدّس.

 

يقول يسوع:

 

«هل تعلمين لماذا ينفّركِ حتى أمر تافه وتمتنعين عن ارتكابه؟ لأنّني أنا فيكِ. حيث أكون أنا لا يمكن أن يتواجد شيء يكون له ولا حتّى أبعد رابط مع النجاسة. هكذا هي حساسية نَفْس موهوبة لي بحيث يبدو لها أنّ حتّى أدنى ذرّة شرّ ثقيلة، غير محتَمَلة، مثيرة للاشمئزاز أكثر بعد مِن بحر وحل لمن هو ليس معي.

 

ولكن هذا ليس باستحقاق النَّفْس. إنّ ذاك فقط لأنّني أنا موجود هناك. إنّ استحقاق النَّفْس، إذا ما كان هناك استحقاق، هو واحد فقط: لإرادتها الصالحة بالمحافظة عليّ فيها والحفاظ على ذاتها فيَّ. تذكّري هذا ولا تتفاخري بما هو ليس منكِ بل منّي. يلزم التواضع الدائم إذا ما كنتُ أنا مَن سيعمل.

 

في أعين العالم، بياضكِ ناصع كما ثلج جبال الألب. إنّما في عينيّ فأنتِ ما تزالين رماديّة بسبب الغبار الّذي يغطّيكِ. كيف تشكّل الغبار؟ مِن جزيئات غاية في الصغر بحيث لا تُرى بالعين المجرّدة. ولكنّها مجتمعة معاً، تشكّل طبقة رماديّة تعتّم وتلطّخ الأشياء. لا يتوجّب أن تكون فوقنا حجارة كي نموت اختناقاً أو كي نبدو قبيحين. فكذلك كومة مِن الغبار تكفي كي تقتلنا بالاختناق وكي تجعلنا قبيحين على الدوام.

 

الحجارة هي الخطايا المميتة. الغبار هو الخطايا العرضيّة. كذلك النقائص هي غبار، أكثر صغراً، إلاّ أنّها تظلّ غبار. ويجب إزالته، ذلك أنّه إذا ما تراكم، مهما يكن كل جزيء مِن جزيئاته غير محسوس، تافه، فهو ينتهي إلى تلطيخ الروح وخنقه. العالم لا يراه. أنا بلى. هناك أمور ناصعة البياض، في الظاهر، ولكنّها ليست كذلك. هناك أمور طاهرة، في الظاهر، ولكنّها ليست كذلك. ليس بإرادتها الخاصّة، إنّما لأنّ إرادات أخرى لطّختها وأفسدتها. طالما هناك حياة هناك خطر. إنّ الحياة نفسها هي خطر.

 

انظري إلى الثلج. كم هو أبيض! لقد تشكّل في الأعالي، في سمائي. انظري إلى الزنبقة. كم هي لؤلؤيّة! فأنا مَن خلق الحرير فيها. ولكن إن نظرتِ إلى الثلج أو الزنبقة تحت مجهر، فسترين كم مِن الجسيمات الوسخة قد اختلطت مع ندفة الثلج الأكثر بياضاً، أثناء نزولها عبر المسافات، قبل وصولها إلى الأرض؛ سترين كم مِن ذرّات غبار مجهريّة تلطّخ الحرير الملائكيّ للزنبقة الّتي بالكاد تتفتّح. وبالنسبة إلى الزنبقة والثلج، التي هي بلا نَفْس، ما مِن خطيئة إذا حدث هذا.

 

أمّا بالنسبة للنَّفْس العاقلة فبلى. ذلك أنّه باستطاعتها السهر واتّخاذ الحيطة. كيف؟ باستخدام الحبّ. الحب هو مجهر النَّفْس. فكلّما أحبّني الشخص أكثر ونظر إلى الأمور مِن خلالي، كلّما رأى لطخات ضميره الأكثر صغراً. إنّ هذه لا تبعدني عنكم لأنّني أعلم ما هي جبلتكم. لكنّني لا أبتعد إذا ما ابتلت بها النَّفْس كأمور لا يمكن تحاشيها، ولا تستثيرها، بل على العكس تماماً تحاول في الحال التطهّر منها. تذكّري هذا على الدوام.

 

إنّني أبقى. لا بل عليكِ محاولة أن تحظي بي أكثر، عن طريق أسراريّ كذلك. ليس هناك سوى دمي يغسل رماديّ نَفْسكِ ويجعلها جديرة بالـمَلِك، بي. لقد رأيتِ ماذا حدث حينما لم آتي لأحملكِ... إنّ قدرتي فقط، باجتراحها معجزة مستمرّة، استطاعت جعلكِ تواصلين التقدّم، والمحافظة على حياة روحكِ تحت الغبار الّذي كان يتراكم والذي لم يتم تطهيره بدمي.

 

إنّما يجب عدم المطالبة ولا الجرأة كثيراً! لقد حفظتُكِ لأهدافي الخاصّة الّتي لا ينبغي الحكم عليها ولا تفحّصها. الآن يعود كلّ شيء ليسير وفق القاعدة لأنّ المعجزة هي الاستثناء. وأنتِ عليكِ أن تتغذّي بي كي تكوني أكثر استحقاقاً لي، مانحةً مِن جانبكِ: حبّاً لا نهائيّاً، كلّ الحبّ الّذي يمكنكِ اعتصاره مِن ذاتكِ كلّها حتّى الإنهاك؛ إرادة بغير حدود للخير، انتباه لا متناه، تواضع غير محدود، معترفةً بعدميتكِ وبكمالي، وابتغاء لا محدود للطهارة. بخصوص هذه الأخيرة، هذا يكفيني للوقت الحالي، وأميّزها عن الإرادة العامّة للقصد، كإرادة فائقة.

 

نعيش في زمن الإنذارات1 وإن لم تكونوا متيقّظين يضربكم العدوّ. ولكن ما تكون القنابل والهجمات العدوّة، الّتي لا تقتل إلاّ الجسد،  مقارنة بمكائد العدوّ الّذي يبغي قتل نفسكم؟ هذه النَّفْس الّتي افتديتُها بتكلفة ألم ودم لا يثمّنان! تسلّقي جبلي، تعلّقي بصليبي واسهري على ذاتكِ، على ذاتكِ وعلى كثيرين. وصلّي.

 

أحبّكِ، والبهجة الّتي تشعرين بها هي الدليل على حبّي وعلى أنّكِ تفرحينني بما يكفي. عندما أكون في سلام مع أحد القلوب، أمنح الفرح والسلام. تلك هي الإشارة.

 

بالنسبة للمستقبل... ما الّذي تريدين معرفته أيّتها النَّفْس المسكينة؟! أنتِ لستِ بعيدة عن الحقيقة، وفي هذا الصباح لامستِها... ولكن هل تملكين الشجاعة للتعرّف التامّ عليها؟ اشكري الآن رحمتي الّتي، للآن، قد أخفتها عنكِ في الجزء الأكبر منها. صلّي. العنصرة قريبة.

 

فيما يخصّ الأب، قولي له هذا: "مَن يعيش في المحبّة والطهارة هو على جلجلة ويرضيني. فأنا مَن يمنح كلّ واحد، بالشكل الّذي أريد، الصليب الخاص به."

 

اذهبي. أعطيكِ سلامي».

 

والآن أتحدّث أنا.

 

"هذا الصباح، وأنا أفتح الإنجيل عشوائياً، وقعتُ بداية على تعاليم يسوع، الفصل الخامس من إنجيل متّى؛ ثمّ على الفصل الأول مِن إنجيل لوقا، أخيراً على الفصل الحادي والعشرين مِن لوقا، مِن الآية 8 حتّى 24 بالتحديد. ولدى بلوغي الآية 20، حصلت لي صدمة، ثمّ أخرى أشدّ لدى بلوغ الآية 24. لقد نوّهتُ إلى ذلك هذا الصباح.

 

كما مِن خلال أوشحة أو كما في البعيد، أدركتُ أنّه كان هناك تلميح لنا جميعاً. ولكنّني لم أره بوضوح. لكنّني لبثتُ تحت انطباع مؤلم كان يواظب كما نقطة مرار وسط الحلاوة الّتي تغمرني.

 

أسألكَ أن تحتفظ بكل ما أقوله وأكتبه لكَ. صدّقني بأنّ اضطراري لقول والإعلان عن أمور معيّنة يكلّفني الكثير. يبدو لي أنّه مِن المستحيل أن ذلك يحصل لي! والتفكير بأنّها إرادة على درجة مِن الإلحاح بحيث لا تترك مجالاً للراحة إلا بالإفصاح عنها بكلّ صراحة.

 

هذا الصباح اضطررتُ للتوقّف في وسط صلاة الشكر بعد المناولة لأنّني لم أعد أدرك شيئاً مِن فرط ما كانت الكلمات الأخرى ترنّ فيَّ بشكل قويّ، فارضة أن أكتبها. مِن ثمّ، أخيراً، استطعتُ أن أصلّي، أنّما قبلاً اضطررتُ للتوقّف. وفيما بعد، لبثتُ مع صدى هذه الكلمات في قلبي، واستمرّيتُ في تأمّلها. لم أتمكّن مِن إضافة شيء منّي ما عدا هذا الإيضاح".

----------

1 – صفّارات لإنذار السكّان مِن الغزوات الجوّية أثناء الحرب.