ج8 - ف43

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء الثامن

 

43- (يوم الجمعة السابق لدخول أورشليم، I- يسوع ويهوذا الاسخريوطيّ.)

 

19 / 03 / 1947

 

«بإمكانكم الذهاب، كما يحلو لكم، إلى حيث ترغبون. اليوم أبقى هنا مع يهوذا ويعقوب. ينبغي أن تأتي التلميذات.» يقول يسوع لرُسُله، المجتمعين حوله تحت رواق المنزل. ويضيف: «إنّما تصرّفوا بحيث تكونون جميعكم هنا قبل المغيب. واحترسوا. حاولوا المرور دون لفت النظر كي تتجنّبوا أعمالاً انتقاميّةً بحقّكم.»

 

«آه! أنا باقٍ، بحقّ. ما الّذي سأفعله في أورشليم؟» يقول بطرس.

 

«أنا، على العكس، سأذهب. إنّ أبي ينتظرني حتماً. يريد أن يقدّم الخمر. إنّه وعد قديم، إنّما يفي به على الدوام، لأنّ أبي شريف هو. سترون أيّ خمر هو في وليمة الفصح! كروم أبي في راما! مشهورة هي في المنطقة.» يقول توما.

 

«كذلك خمور لعازر ممتازة هي. ما زلتُ أذكر وليمة عيد الأنوار...» يقول متّى باشتهاء لا إراديّ.

 

«فإذن غداً، أكثر مِن أيّ وقت، سوف تُنعِش الذاكرة، لأنّني أعتقد أنّ لعازر سيأمر بوليمة كبرى للغد. لقد رأيتُ بعض التحضيرات…» يقول يعقوب بن زَبْدي.

 

«حقّاً؟ هل سيأتي آخرون أيضاً؟» يَسأَل أندراوس.

 

«لا. لقد سألتُ مكسيمين عن ذلك. وقد أجابني بأن لا.»

 

«آه! وإلّا لكنتُ ارتديتُ الثوب الجديد الّذي أرسَلَته لي زوجتي.» يقول فيلبّس.

 

«أنا سأفعل ذلك. قد كنتُ أريد أن أرتديه للفصح، لكنّني سأرتديه غداً. حتماً سنكون بأكثر سكينة هنا، غداً، منه بعد بضع أيّام…» يقول برتلماوس، وينهي، مُفكّراً.

 

«أنا سأرتدي ملابس جديدة لدخول المدينة. وأنتَ يا معلّم؟» يَسأَل يوحنّا.

 

«أنا أيضاً. سأرتدي الثوب المصبوغ بالأرجوان.»

 

«سوف تبدو مَلِكاً!» يقول الـمُفَضَّل بإعجاب، وهو يراه منذ الآن، بفكره، في ثوبه البهيّ…

 

«إنّما لو لم أكن هنا لأفكّر بذلك! فأنا مَن حصل على هذا الأرجوان، منذ أعوام.» يتفاخر الاسخريوطيّ.

 

«أحقّاً؟ آه! إنّنا لم نفكّر بذلك… فالمعلّم هو دوماً بغاية التواضع…»

 

«جدّاً. الآن هي اللحظة المناسبة كي يكون مَلِكاً. كفى انتظاراً! فإن لم يكن مَلِكاً على عرش، فليحظَ على الأقلّ، بسبب جلاله، بثوب يليق بمقامه. أنا أفكّر بكلّ شيء.»

 

«معكَ حقّ يا يهوذا. فأنتَ مِن العالم. نحن… صيّادون مساكين…» يقول بتواضع أهل البحيرة… وكما يحدث دوماً في نور العالم، في النور الزائف والغسقيّ للعالم، فإنّ خليط المعدن الوضيع ليهوذا يتبدّى معدناً أكثر رقيّاً مِن الذهب الخام، إنّما النقيّ، النزيه، الأمين الّذي هو معدن قلوب الجليليّين…

 

يسوع، الّذي كان يتحدّث مع الغيور ومع ابنيّ حلفى، يلتفت وينظر إلى الاسخريوطيّ وينظر إلى أولئك النزيهين، المتواضعين جدّاً والذليلين لكونهم هكذا… قاصرين مقارنةً بيهوذا… ويهزّ رأسه دون أن يتكلّم. إنّما إذ رأى أنّ الاسخريوطيّ يشدّ سيور نعليه ويسوّي رداءه كأنّه يتهيّأ للانطلاق، يَسأَله: «إلى أين تذهب؟»

 

«إلى المدينة.»

 

«لقد قلتُ بأنّني أستبقيكَ مع يعقوب…»

 

«آه! لقد اعتقدتُ بأنّكَ كنتَ تقصد يوضاس أخاكَ… إذن… أنا… كأنّني سجين… هه! هه!» يضحك بطريقة خبيثة.

 

«أعتقد أنّ بيت عنيا ليس فيها سلاسل أو قضبان. فيها فقط رغبة معلّمكَ. وأنا سأكون سعيداً بأن أكون سجينها.» يلاحظ الغيور.

 

«آه! بالتأكيد! كنتُ أمزح… الأمر هو أنّني… أودُّ الاستعلام عن أُمّي. فحتماً قد وصل حجّاج مِن اسخريوط و…»

 

«لا. بعد يومين سنكون جميعنا في أورشليم. الآن أنتَ تبقى هنا.» يقول يسوع بنبرة آمرة.

 

يهوذا لا يصرّ. يخلع رداءه قائلاً: «فإذن؟ مَن يذهب إلى المدينة؟ يُستَحسن معرفة أَمزِجة الناس… ما الّذي يفعله التلاميذ… كنتُ أريد أيضاً الذهاب كي أستمع لأصدقاء… لقد وعدتُ بطرس بذلك…»

 

«لا يهمّ. ابقَ هنا. لا شيء ممّا تقوله ضروريّ. لا شيء بغاية الضرورة…»

 

«إنّما إن كان توما ذاهباً إلى هناك…»

 

«يا معلّم، أنا أيضاً أريد الذهاب. لأنّني قد وعدتُ بذلك أنا أيضاً. لي أصدقاء في منزل حنّان و…» يقول يوحنّا.

 

«وتذهب إلى هناك يا بنيّ؟ وإذا ما قبضوا عليكَ؟» تَسأَل سالومة الّتي اقتربت.

 

«إذا ما قبضوا عليَّ؟ ما السوء الّذي فعلتُه؟ لا شيء. ليس عليَّ إذاً أن أخشى الربّ. وتبعاً لذلك، فحتّى لو قبضوا عليَّ، فلن أخاف.»

 

«آه! الشبل المتبجّح! ألن ترتجف؟ ولكن ألا تعلم كم يكرهوننا؟ هل تعلم أنّه الموت إذا ما قبضوا علينا؟» يقول الاسخريوطيّ ليخيفه.

 

«وأنتَ، إذن، لماذا تريد الذهاب إلى هناك؟ هل أنتَ لديكَ حصانة ربّما؟ ماذا فعلتَ كي تحصل عليها؟ قلّ لي ذلك، وأنا سأفعله.»

 

يقوم يهوذا بحركة خوف وغضب، إنّما وجه يوحنّا رائق جدّاً بحيث أنّ الخائن يطمئن. يُدرك أنّ لا وجود لفخّ ولا لريبة في تلك الكلمات، ويقول: «لم أفعل شيئاً. إنّما لديَّ بعض الأصدقاء الجيّدين عند الوالي، ولذلك…»

 

«حسناً! مَن يريد المجيء فليأتِ، بما أنّها لم تعد تمطر. إنّنا نضيّع وقتاً هنا وربّما ستمطر مجدّداً عند الساعة السادسة. مَن يريد أن يأتي فليسرع.» يحثّ توما.

 

«أأذهب يا معلّم؟» يَسأَل يوحنّا.

 

«اذهب.»

 

«هو ذا! دوماً الأمر ذاته! هو نعم، الآخرون نعم. أنا لا. دوماً لا!»

 

«سوف أسعى أنا للحصول على أخبار عن أُمّكَ.» يقول يوحنّا لتهدئته.

 

«وأنا أيضاً. سآتي معكَ ومع توما.» يقول الغيور ويضيف: «فَسِنّي سوف يكبح الشّابَّين يا معلّم. وأعرف جيّداً أهل اسخريوط. إن رأيتُ أحدهم فسوف أقصده. سأحمل إليكَ أخباراً عن أُمّكَ يا يهوذا. كن طيّباً! كن هادئاً! إنّه الفصح يا يهوذا. جميعنا نشعر بسلام هذا العيد، بفرح هذا الاحتفال. لماذا تريد أن تكون وحدكَ مضطرباً لهذه الدرجة، متجهّماً هكذا، مستاءً، بلا سلام؟ الفصح هو عبور الله… الفصح بالنسبة لنا نحن العبرانيّين هو عيد التحرّر مِن نِير قاسٍ. الله العليّ قد انتشلنا منه. والآن، بسبب عدم قدرتنا على تكرار الحدث القديم، فيبقى رمزه، متفرّداً… الفصح: تحرّر القلوب، تطهُّر، معموديّة، إن شئتَ، بدم الحَمَل، كي لا تؤذي بعد القوى العَدوّة مَن يحمل علامته. إنّه لرائع بدء العام الجديد بعيد التطهُّر هذا، التحرّر، التعبّد لله مخلّصنا… آه! عذراً يا معلّم! لقد تكلّمتُ حين كان يتوجّب أن أصمت، فأنتَ هنا لتصويب قلوبنا…»

 

«هذا ما كنتُ أفكّر به أنا أيضاً يا سمعان. الأمر ذاته بالضبط: أنّ لي الآن مُعلِّمَين بدلاً مِن واحد، وبدا لي هذا كثيراً.» يقول الاسخريوطيّ حادّ الطبع.

 

بطرس… آه! إنّ بطرس هذه المرّة لا يستطيع كبح جماح نفسه، ويستشيط: «وإن لم تتوقّف فستحصل على ثالث فوراً، وسيكون أنا. وأُقسم لكَ بأنّه ستكون لديَّ وسائل أكثر إقناعاً مِن الكلام.»

 

«وهل ترفع اليد على رفيق لكَ؟ بعد جهد كثير لإبقاء الجليلي العتيق في القاع، أتعود إذن لتطفو طبيعتكَ الحقيقية على السطح؟»

 

«إنّها لا تعود إلى السطح. فهي كانت دوماً، واضحة، على السطح. فأنا لا أنافق. لكنّ الأمر أنّه بالنسبة للحمير الوحشيّة مثلكَ، فليس هناك سوى سبيل واحد لترويضها: الضرب. يجب أن تشعر بالعار لاستغلالكَ طيبته وصبرنا! تعال يا سمعان! تعال يا يوحنّا! تعال يا توما. وداعاً يا معلّم. سأبتعد أنا أيضاً، لأنّني إن بقيتُ… لا، حيّ هو الله، فلن أعود أتمالك نفسي بعد.» ويلتقط بطرس رداءه، الّذي كان على مقعد، ويرتديه بعجالة، باضطراب شديد بحيث لا يرى أنّه يضعه الرأس إلى أسفل، وينبغي ليوحنّا أن ينبّهه إلى الخطأ ويساعده على ارتدائه كما يجب، ويمضي، باندفاع، ضارباً الأرض بقدمه كي يُفرّغ غضبه قليلاً. يبدو كصغير ثور هائج.

 

الآخرون… آه! الآخرون وكأنّهم كُتُب مفتوحة بحيث يمكن قراءة ما كُتِب فيها. برتلماوس يرفع وجهه الطويل العجوز صوب السماء الّتي لا تزال عاصفة ويبدو كما لو أنّه يتفحّص الرياح كي لا يضطر لتفحصّ الوجوه: متألّم للغاية وجه المسيح، شديد الخداع وجه الاسخريوطيّ. متّى وفيلبّس ينظران إلى تدّاوس، الّذي لديه لمعان غضب في عينيه اللتين تشبهان عينيّ يسوع، وذات الفكرة تخطر على بالهما: يضعانه بينهما ويدفعانه خارجاً، صوب الممرّ الداخليّ الّذي يقود إلى منزل سمعان، قائلين له: «كانت أُمّكَ تحتاجنا، لأجل ذاك العمل. تعال أنتَ أيضاً يا يعقوب بن زَبْدي.» ويقومان بسحب ابن سالومة أيضاً. أندراوس ينظر إلى يعقوب بن حلفى ويعقوب ينظر إليه: وجهان يعكسان ذات المعاناة المكبوتة، وإذ لا يعرفان ماذا يقولان، فإنّهما يمسكان بيديّ بعضهما كما طفلين ويبتعدان بحزن. مِن التلميذات ليس هناك سوى سالومة، الّتي لا تجرؤ على التحرّك ولا على الكلام، إنّما الّتي لا تُحسِن كذلك أن تقرّر الابتعاد، كما لو كانت تريد أن تكبح كلاماً آخر للرسول عديم اللياقة. لحسن الحظ لا يوجد أحد مِن عائلة لعازر. وغائبة أيضاً مريم فائقة القداسة.

 

يجد يهوذا نفسه وحيداً مع يسوع وسالومة. وهو لا يريد أن يكون معهما، فيدير ظهره لهما، مبتعداً صوب سرادق الياسمين.

 

يسوع ينظر إليه وهو يمضي. يراقبه. يرى أنّ يهوذا، بعدما تظاهر بالجلوس في السرادق، يَنْسلّ بخفّة إلى الخارج مِن الخلف، ويتوارى وسط سياجات الورود، الغار والآس، الّتي تفصل الحديقة الحقيقيّة عن أرض النباتات العطريّة، حيث توجد قِفار النحل. ومِن هناك يمكن الخروج عبر أحد الأبواب الثانويّة، المفتوحة في جدران الحديقة الشاسعة، منتزه حقيقيّ ينتهي مِن جهتين بسياجات عالية جدّاً، مزدوجة كما جادّة، مفتوحة هنا وهناك عبر مداخل تتيح الوصول إلى المروج، الحقول، بساتين الثمار وبساتين الزيتون، وكذلك إلى منزل سمعان، بحيث تصل الحديقة بالأملاك، جاعلةً إيّاها متّحدة ومنفصلة في آن معاً. وينتهي مِن الجهتين الأخريين بِسورَين مَنيعَين، مفتوحين على طريقين: واحدة ثانويّة وواحدة رئيسيّة تصبّ فيها الثانويّة، الّتي إذ تقطع بيت عنيا، تتابع إلى بيت لحم.

 

إنّ عينيّ يسوع، الّذي ينتصب قدر استطاعته وينتقل عند اللزوم كي يرى ما يفعله الاسخريوطي، تتوقّدان. مريم سالومة تراهما وتُدرِك، فعلى الرغم مِن أنّ قصر قامتها يمنعها مِن الرؤية، فإنّها تدرك ما يجري عند حدود المنتزه، وتتمتم: «ارحمنا يا ربّ!»

 

يسوع يسمع تلك التنهيدة ويلتفت لبرهة كي ينظر إلى هذه التلميذة الطيبة، البسيطة، الّتي ربّما كانت قد تملّكتها فكرة كبرياء أموميّة بطلبها مكانة شرف لابنيها، إنّما الّتي أقلّه قد أمكنها فِعل ذلك لأنّهما رسولان صالحان، والّتي تلقّت بتواضع تصويب المعلّم ولم تشعر بالمهانة على إثر ذلك، ولم تبتعد عنه، إنّما الّتي على العكس قد أضحت أكثر تواضعاً، أكثر اندفاعاً، قرب المعلّم الّذي تتبعه كظلّه حين يكون ممكناً فِعل ذلك، وهي تتفحّص أدنى تعابيره كي تستطيع، إن أمكن، تلبية رغباته وإسعاده. وأيضاً الآن، سالومة الطيّبة والمتواضعة تسعى لتعزية المعلّم، لتهدئة الشكّ الّذي يعذّبه، قائلةً: «أترى؟ إنّه لا يبتعد. لقد ألقى هنا رداءه ولم يستعده. سوف يذهب عبر المروج للترويح عن نفسه… فيهوذا لن يذهب أبداً إلى المدينة إن لم يكن حسن الهندام...»

 

«هو يذهب إليها حتّى عارياً إذا كان يريد الذهاب إلى هناك. وبالفعل… أُنظري! تعالي إلى هنا!»

 

«آه!! إنّه يحاول فتح الباب! لكنّه مقفل! إنّه ينادي أحد خدّام المنحلة!»

 

يسوع يصيح بصوتٍ عالٍ: «يهوذا! انتظرني! يجب أن أكلّمكَ.» ويشرع بالمضيّ.

 

«بحقّ السماء يا ربّ!! سوف أنادي لعازر… أُمّكَ… لا تذهب وحدكَ!»

 

يسوع، وهو يسير بسرعة، يلتفت بعض الشيء إلى الوراء ويقول: «آمركِ بألّا تفعلي ذلك. بالأحرى ابقي صامتة. مع الجميع. وإذا ما سألوا عنّي، فقد خرجتُ مع يهوذا في جولة قصيرة. وإن أتت التلميذات، فلينتظرن. لن أتأخّر.»

 

سالومة لا تعارض، كما لا يعارض الاسخريوطيّ. الواحدة قرب المنزل، الآخر عند السور، يلبثان حيث أوقفتهما مشيئة يسوع، وينظران إليه: الواحدة تمضي، الآخر يأتي.

 

«افتح الباب يا يونا. سأخرج قليلاً مع رسولي. وإن كنتَ ستبقى في هذا الموضع، فلا ضرورة لإعادة إقفاله وراءنا. سوف أعود سريعاً.» يقول بطيبة للخادم الفلاح، الّذي لبث مشدوهاً والمفتاح الكبير في يده.

 

الباب الصغير، الّذي هو مِن الحديد الثقيل، يُصدِر صريراً أثناء الفتح، مثلما يُصدِر صريراً المفتاح لتحريك القفل.

 

«هو باب نادراً ما يُفتَح.» يقول الخادم مبتسماً. «إيه! لقد أصابكَ الصدأ! المكوث بلا عمل يؤدّي إلى السوء… الصدأ، الغبار… الشقاوة... إنّ الأمر هو كما بالنسبة لنا… إن لم نعمل دوماً حول نفسنا!»

 

«أحسنتَ يا يونا! لقد خطرت لكَ فكرة حكيمة. رابّيون كُثُر يحسدونكَ عليها.»

 

«آه! إنّها نحلاتي هي الّتي توحي لي بها… وكلامكَ. في الحقيقة هو كلامكَ. إنّما بعدئذ حتّى النحلات تجعلني أفهمه. فلا شيء يخلو مِن صوت إن أَحسَنّا الفهم. وأنا أقول لنفسي: إن كانت هي، النحلات، تطيع أمر خالقها، وهي حشرات لا يمكنني معرفة أين يكون دماغها وقلبها، وأنا، الّذي لديّ قلب، عقل وروح، وأسمع المعلّم، ألا ينبغي لي أن أُحسِن عمل ما تعمله هي، وأن أعمل دوماً، أن أفعل دائماً ما يقول المعلّم أن يُفعَل، وبالتالي أن أجعل روحي جميلاً، مصقولاً، بلا صدأ، بلا وحل ولا شوائب، تُحرّكها الأرواح الجهنّمية، وكذلك الحجارة ومكائد أخرى؟»

 

«إنّكَ تُحسِن القول بحقّ. اقتدِ بنحلاتكَ، وروحكَ سوف يغدو قفيراً غنيّاً ممتلئاً بفضائل ثمينة، وسوف يأتي الله لِيَسعد فيه. وداعاً يا يونا. ليكن السلام معكَ.»

 

يضع يده على رأس الخادم الأشيب، الّذي يلبث منحنياً أمامه، ويخرج إلى الطريق ماضياً صوب مروج البرسيم الأحمر، الجميلة كأنّها سجّاد سميك، أخضر وقرمزيّ. وفوقها النحلات، كما شرارات تطنّ، تطير مِن زهرة إلى زهرة.

 

عندما يصبحان بعيدين عن السور بحيث لا يكون أحد في حديقة لعازر بإمكانه سماع كلمة، يقول يسوع: «أسمعتَ ذاك الخادم؟ إنّه فلّاح. إنّه لكثير إن كان يستطيع قراءة بضع كلمات… ورغم ذلك… كان مِن الممكن أن تكون كلماته على شفتيَّ دون أن يبدو قولي، كمعلّم، أحمقاً. هو يشعر بأنّه ينبغي السهر كي لا يُفسِد الروحَ أعداءُ الروح… أنا… لأجل ذلك أُبقيكَ قربي، وأنتَ تكرهني لهذا السبب! أنا أريد أن أحميكَ منهم ومِن نفسكَ، وأنتَ تكرهني. أُقدّم لكَ الوسيلة لتخليص نفسكَ، وما زال بإمكانكَ فِعل ذلك بعد، وأنتَ تكرهني. أقول لكَ ذلك مرّة أخرى بعد: "ابتعد يا يهوذا، اذهب إلى البعيد. لا تدخل إلى أورشليم. أنتَ مريض. ليس مِن قبيل الكذب أن تقول بأنّكَ مريض بحيث لا تستطيع المشاركة بالفصح. سوف تقيم الفصح الـمُكَمِّل. إنّ الشريعة تسمح بإقامة الفصح الـمُكَمِّل عندما مرض أو سبب خطير آخر يمنع إقامة الفصح الاحتفالي". سوف أرجو لعازر -هو صديق نبيه ولن يُوجّه إليكَ أيّة أسئلة- أن يقودكَ اليوم بالذات إلى ما وراء الأردن.»

 

«لا. لقد قلتُ لكَ مرّات كثيرة أن تطردني. أنتَ لم تشأ. الآن أنا الّذي لا أريد ذلك.»

 

«لا تريد؟ لا تريد تخليص نفسكَ؟ ألا تشفق على ذاتكَ؟ على أُمّكَ؟»

 

«عليكَ أن تقول: "ألا تشفق عليَّ"؟ فتكون أكثر صدقاً.»

 

«يهوذا، يا صديقي البائس، إنّني لا أرجوكَ لأجلي، بل لأجلكَ، لأجلكَ أرجوكَ. أُنظر! نحن وحدنا. أنا وأنتَ وحدنا. أنتَ تعلم مَن أكون، أنا أعلم مَن تكون. إنّها اللحظة الأخيرة للنعمة الّتي لا تزال ممنوحة لنا بعد لتفادي هلاككَ… آه! لا تتهكّم شيطانيّاً هكذا يا صديقي. لا تسخر منّي كأنّني مجنون لأنّني أقول: "هلاككَ" وليس هلاكي. فهلاكي ليس هلاكاً. هلاككَ بلى… إنّنا وحدنا، أنا وأنتَ، وفوقنا هو الله… الله الّذي لا يكرهكَ بعد، الله الّذي يشهد هذا الصراع الفائق بين الخير والشرّ اللذين يتنازعان على نفسكَ. فوقنا السماء العليا الّتي تشاهدنا. تلك السماء الّتي ستمتلئ قريباً بالقدّيسين. إنّهم يختلجون منذ الآن هناك حيث ينتظرون، لأنّهم يشعرون بمجيء الفرح… يا يهوذا… إنّ أباكَ بينهم…»

 

«قد كان خاطئاً. إنّه ليس هناك.»

 

«كان خاطئاً، إنّما ليس هالكاً. لذلك فإنّ الفرح يقترب كذلك بالنسبة له. لماذا تريد أن تُسبّب له ألماً في فرحه؟»

 

«إنّه بمعزل عن الألم. إنّه ميت.»

 

«لا. ليس بمعزل عن ألم رؤيتكَ آثماً، أنتَ… آه! لا تنتزع منّي هذه الكلمة!...»

 

«ولكن نعم! نعم! قلها! إنّني أقولها لنفسي منذ أشهر! أنا الهالك. أعلم. لا شيء يمكن تغييره بعد.»

 

«كُلّ شيء! يهوذا، إنّني أبكي. أأنتَ تريد إذن أن تجعل أقصى دموع الإنسان تنوح؟… يهوذا، أنا أرجوكَ. فَكّر يا صديقي: السماء تستجيب توّسلي، وأنتَ، وأنتَ… هل ستتركني أتوسّل عبثاً؟ فَكّر بمن هو أمامكَ يتوسّل: مسّيا إسرائيل، ابن الآب… يهوذا، أَنصِت إليَّ!... توقّف، طالما تستطيع ذلك!...»

 

«لا!»

 

يسوع يغطّي وجهه بيديه وينهار عند أطراف المرج. يبكي دون صوت. إنّما يبكي كثيراً. كتفاه تهتزّان بفعل نشيجه العميق…

 

يهوذا ينظر إليه، هناك، عند قدميه، منكسراً، باكياً، بسبب الرغبة بتخليصه… وتنتابه لحظة إشفاق. يقول: متخلّياً عن النبرة القاسية، الّتي لشيطان حقيقيّ، وهي الّتي كانت له قبلاً: «لا يمكنني أن أرحل، لقد وعدتُ…»

 

يسوع يرفع وجهه الـمُعذَّب، مقاطعاً إيّاه: «مَن؟ مَن؟ بَشَراً بائسين! أتهتمّ بشأنهم، أن تَظهر بمظهر مخزٍ أمامهم؟ ألم تهب لي نفسكَ منذ ثلاث سنوات؟ أتفكّر بتعليقات حفنة مِن الأشرار وليس بدينونة الله؟ آه! إنّما ما الّذي ينبغي أن أفعله أيا أيّها الآب، كي أستنهض فيه إرادة ألّا يخطئ؟» يُعاود خفض رأسه الـمُحبَط، الـمُعذَّب… أصبح يبدو بالفعل يسوع المتألّم في نزاع جَثْسَيْماني.

 

يهوذا يشفق عليه ويقول: «أبقى! لا تعاني هكذا! أبقى… ساعدني على البقاء! احمِني!»

 

«دوماً! دوماً، شريطة أن تريد ذلك. تعال. ما مِن خطيئة لا أرأف بها وأغفرها. قُل: "أريد". وسأكون أفتديكَ…»

 

وإذ ينهض على قدميه يضمّه بين ذراعيه. لكن إذا كانت دموع يسوع-الله تسقط على شعر يهوذا، فإنّ فم يهوذا يبقى مقفلاً. إنّه لا ينطق الكلمة المطلوبة. وحتّى لا يقول: "المغفرة" عندما يهمس له يسوع في شعره: «إنّكَ ترى كم أحبّكَ! قد كان ينبغي أن أوبّخكَ! وإنّني أعانقك. لي الحقّ بأن أقول لكَ: "أُطلب المغفرة مِن إلهكَ"، ولا أسألكَ سوى أن تمتلك الرغبة بالمغفرة. إنّكَ مريض للغاية! لا يمكن طلب الكثير مِن شخص مريض للغاية. مِن كلّ الخطأة الّذين قصدوني طلبتُ التوبة المطلقة لأتمكّن مِن أن أغفر لهم. منكَ، يا صديقي، أطلب فقط الرغبة بأن تتوب، ومِن ثمّ… سأعمل أنا.»

 

يهوذا يصمت… يسوع يتركه يمضي. يقول: «أقلّه ابقَ هنا حتّى ما بعد السبت.»

 

«سأبقى… لنعد إلى المنزل. سوف يلاحظون غيابنا. ربّما النسوة ينتظرنكَ. إنّهنّ أفضل منّي وينبغي ألّا تهملهنّ بسببي.»

 

«ألا تذكر مَثَل النعجة الضالّة؟ أنتَ هو تلك النعجة… إنّ التلميذات… هنّ النعجات الصالحات المحتميات في الحظيرة. هنّ لسن في خطر، حتّى وإن بحثتُ عن نفسكَ طوال اليوم لأعيدها إلى الحظيرة…»

 

«ولكن نعم! نعم! ها أنا ذا أعود إلى الحظيرة! وسوف أحبس نفسي في مكتبة لعازر، كي أقرأ. لا أريد أن يزعجني أحد. لا أريد أن أرى ولا أن أعلم شيئاً. فهكذا… لن تشكّ فيَّ على الدوام. وإذا ما تمّ إبلاغ السنهدرين بشيء ممّا يحدث، فعليكَ أن تبحث عن الـحَيّات بين مُفَضَّليكَ. وداعاً! سأدخل عبر الباب الرئيسيّ. لا تخف. لن أهرب. يمكنكَ أن تأتي للتحقّق متى تشاء.» ومُديراً ظهره، يمضي بخطوات واسعة.

 

يسوع، قامة فارعة بيضاء في ثوبه الكتّاني عند أطراف المرج الأخضر-الأحمر، يرفع ذراعيه نحو السماء الصافية، ويرفع وجهه المحزون كلّياً، ويرفع نفسه نحو أبيه نائحاً: «آه! أبتاه! أويمكن أن تلومني على إهمالي أمراً ما يمكن أن يخلّصه؟ إنّكَ تعلم بأنّني، لأجل نفسه، لا لأجل حياتي، أصارع كي أمنع جريمته… أبتاه! أبي! إنّني أتوسّل إليكَ! عَجِّل ساعة الظلمات، ساعة التضحية، فهو أمر بغاية الفظاعة بالنسبة لي أن أعيش قرب الصديق الّذي لا يريد أن يُفتدى… إنّه الألم الأعظم!» ويجلس يسوع في البرسيم الكثيف، الطويل، الجميل، يحني رأسه على ركبتيه المرفوعتين والمحصورتين بذراعيه، ويبكي…

 

آه! لا أستطيع رؤية هذا البكاء! إنّه بحقّ شديد الشَّبَه مِن ناحية الحزن، العزلة، اليقين بأنّ السماء لن تفعل شيئاً لتعزيته، وأنّه يجب أن يعاني هذا الألم، بذلك الّذي في جَثْسَيْماني. وهذا يؤلمني بشدّة.

 

يسوع يبكي طويلاً في الموضع المنعزل، الصامت. وشاهدة على بكائه هي النحلات الذهبيّة، والبرسيم الـمُعَطِّر الّذي يتحرّك على مهل تحت هبّات ريح عاصفة، والسُّحُب الّتي كانت في بداية الصباح كأنّها شبكة رقيقة تحت السماء الزرقاء، والّتي تكثّفت الآن، أظلمت، تكدّست، تَعِد بمطر جديد.

 

يسوع يكفّ عن البكاء. يرفع رأسه ليسمع… ضجيج عجلات وجَلاجِل يصل مِن الطريق الرئيسيّة، ومِن ثمّ يتوقّف صوت العجلات إنّما ليس صوت الجَلاجِل. يقول يسوع: «هيّا! التلميذات… إنّهنّ وفيّات… يا أبي، لتكن مشيئتكَ! أُقدّم لكَ تضحية رغبتي هذه كمُخلّص وصديق. إنّه مكتوب! هو قد أراده. هذا صحيح. ومع ذلك دعني، أيا أبي، أتابع عملي لأجله إلى أن ينتهي كلّ شيء. ومنذ الآن أقول لكَ: يا أبي، حين سأصلّي للخطأة، وقتما أكون ضحيّة عاجزة عن أيّ فِعل مباشر، يا أبتِ، خذ أنتَ عذابي، واضغط به على نَفْس يهوذا. أَعلَم أنّني أسألكَ ما لا يمكن للعدل أن يمنحه. إنّما منكَ قد أتت الرحمة والمحبّة، وأنتَ تحبّهم هم الآتون منكَ والّذين هم واحد معكَ أنتَ، الله الواحد والثالوثي، القدّوس والمبارك. إنّني سأمنح ذاتي لأحبّائي مأكلاً ومشرباً. يا أبي، أينبغي إذاً أن يكون دمي وجسدي إدانةً لأحدهم؟ يا أبي، ساعدني! بِذرة توبة في ذاك القلب… يا أبي، لماذا تبتعد؟ أتبتعد الآن عن كلمتكَ الّذي يصلّي؟ يا أبي، إنّها الساعة. أعلم ذلك. لتكن مشيئتكَ المباركة! إنّما أَبقِ لابنكَ، لمسيحكَ، الّذي بأمر مُعجِز منكَ تتضائل رؤيته الواثقة للمستقبل في هذه الساعة -ولا أقول لكَ بأنّ هذه قسوة، إنّما هي رأفة مِن قبلكَ تجاهي- أَبقِ فيَّ الأمل بأن أُخلّصه بعد. آه! أبتاه. إنّني أعلم ذلك. لقد علمتُ ذلك مذ أنا كائن. لقد علمتُ ذلك منذ أتيتُ على الأرض هنا ليس فقط الكلمة، بل الإنسان. لقد علمتُ ذلك مذ التقيتُ بالإنسان في الهيكل… لطالما علمتُ ذلك… إنّما الآن… آه! إنّ الأمر يتبدّى لي -هي رأفة عظيمة مِن قبلكَ أيّها الآب فائق القداسة!- يتبدّى لي أنّه حلم مُرَوّع سَبَّبه سلوكه، إنّما ليس مُـحَتَّماً… وأنّ بإمكاني أن أرجو بعد، بعد، على الدوام، لأنّ عذابي لا متناه هو، ولا متناهية ستكون التضحية، وأنّه يمكنني فِعل شيء ما حتّى حياله… آه! إنّني أهذي! هو الإنسان مَن يريد أن يأمل بهذا! فالله الّذي هو في الإنسان، الله الّذي تأنّس لا يمكن أن يتوهّم! إنّ السُّحُب الخفيفة، الّتي كانت تحجب عنّي الهاوية لبرهة تتبدّد، الهاوية التي هي بالفعل مفتوحة كي تأخذ ذاك الّذي فَضَّل الظلمات على النور… رأفة هي حَجْبكَ إيّاها عنّي! رأفة هي إظهاركَ إيّاها لي، الآن وقد عزّيتَني. نعم يا أبي. حتّى هذا! كلّ شيء! وسأكون رحمة حتّى النهاية، فذلك هو جوهري.»

 

يصلّي بعد، صلاة صامتة، ذراعاه مفتوحان على شكل صليب، ووجهه المعذّب يسكن أكثر فأكثر متّخذاً مظهر سلام مهيب. يكاد يصبح منيراً بنور فرح داخلي، رغم عدم وجود ابتسامة على شفتيه المغلقتين. إنّه فرح روحه، المتّحد مع الآب، الّذي يرشح خارج حُجُب الجسد ويمحو الآثار الّتي حفرها ورسمها الألم على الوجه الّذي غدا نحيلاً ومُرَوحناً، الّذي يظهر على المعلّم أكثر فأكثر كلّما دخل في الألم واقترب مِن التضحية. لم يعد وجه المسيح وجهاً مِن الأرض في الأزمنة الأخيرة مِن حياته الفانية، وما مِن فنّان سيكون أبداً قادراً أن يقدّم لنا، حتّى لو أظهر الفادي نفسه للفنّان، وجه الإنسان-الله هذا، المنحوت بالجمال فائق الطبيعة بإزميل المحبّة والألم الكامِلَين والـمُكتَمِلَين.

 

يسوع هو مجدّداً عند باب السور، يدخل، يقفله بالمزلاج ويتقدّم صوب المنزل. يراه خادم المرة السابقة ويهرع ليأخذ منه المفتاح الضخم الّذي يحمله يسوع في يديه.

 

يتقدّم. يَلقى لعازر: «يا معلّم، لقد أتت النسوة. أدخلتهنّ إلى القاعة البيضاء، لأنّ يهوذا في المكتبة يقرأ، وهو يعاني.»

 

«أعلم ذلك. شكراً لأجل النسوة. هل هنّ كثيرات؟»

 

«يُوَنّا، نيقي، إليز وفاليريا مع بلوتينا وصديقة أخرى أو مُعتَقَة، لا أعلم، اسمها مارسيلّا، وامرأة مُسِنّة تقول أنّها تعرفكَ: حنّة التي مِن ميرون، ومِن ثمّ أناليا ومعها صَبيّة أخرى اسمها سارة. أُمّكَ والأختان هنّ مع التلميذات.»

 

«وهذه الأصوات الطفوليّة؟»

 

«إنّ حنّة قد أتت بأبناء ابنها، ويُوَنّا بطفليها، وفاليريا بابنتها. لقد اصطحبتُهم إلى الباحة الداخليّة…»