ج7 - ف179
أَنَا هُوَ
ماريا فالتورتا
L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO
THE GOSPEL AS REVEALED TO ME
بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}
L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
الجزء السابع / القسم الأول
179- (يسوع في أفرايم. "مَثَل الرمّانة")
31 / 08 / 1946
يسوع يظنّ بالفعل أنّه سيكون بمقدوره، عند أولى خيوط الفجر، اجتياز أفرايم، الساكنة وشوارعها خاوية، مِن دون أن يراه أحد. إنّه يدور حول البلدة باحتراس، مِن دون أن يدخلها، على الرغم مِن الساعة المبكّرة جدّاً.
ولكن حينما يصلون إلى الطريق الرئيسيّة، قادمين عبر الدرب الضيّقة الكائنة في الجزء الخلفيّ مِن البلدة، فإنّهم يجدون، يمكن القول، البلدة كلّها، بانتظارهم، مع أناس مِن بلدات أخرى كانوا قد تجاوزوها قبلاً، يدلّون أهل أفرايم على يسوع ما أن يصل. لحسن الحظّ ما مِن فرّيسيّين، كَتَبَة أو ما شابههم هناك.
أهل أفرايم يُرسِلون وجهاء البلدة إلى المقدّمة، وأحدهم، بعد تحيّة مهيبة، يقول باسم الجميع: «لقد عَلِمنا أنّكَ كنتَ هنا وأنّكَ لم تأنف مِن أن تكون رحوماً تجاه البعض. لقد كنّا نعلم أنّكَ كنتَ رحوماً للغاية مع أهل شكيم [نابلس]، ورغبنا برؤيتكَ. إذ إنّ مَن قادكَ إلينا هو العارف أفكار البشر. فابقَ وتكلّم إلينا، لأنّنا نحن كذلك أولاد إبراهيم.»
«ليس مسموحاً لي بأن أقيم...»
«آه! إنّنا نعرف أنّهم يبحثون عنكَ. إنّما ليس في هذه الجهة. هذه البلدة على تخوم الصحراء وجبال الدمّ. إنّهم لا يمرّون مِن هنا عن طيب خاطر. ثمّ هذه المرّة، وبعد المرّات الأولى، ما عدنا رأيناً أحداً منهم.»
«لا يمكنني البقاء...»
«الهيكل بانتظاركَ. نَعلَم ذلك. إنّما صدّقنا. إنّكم تعتبروننا منفيّين، لأنّنا لا ننحني أمام أحبار إسرائيل. لكن هل الحَبر هو الله؟ إنّنا بعيدون. إنّما لسنا بعيدين جدّاً كي لا نَعلَم بأنّ كَهَنَتكم غير مستحقّين كما كَهَنَتنا. ونعتقد بأنّ الله ما عاد يستطيع أن يكون معهم. لا. لم يعد العليّ يحتجب في دخان البخور. يمكن الكفّ عن إحراقه، ويمكن دخول قدس الأقداس دونما أيّ خوف مِن التحوّل إلى رماد بفعل بهاء الله القائم في مجده. ونحن نعبد الله شاعرين أنّه خارج الحجارة الجوفاء للمعابد الخاوية. ونحن لا نقول بأنّ هيكلنا هو أكثر خواءً مِن هيكلكم، إذا ما رغبتَ باتّهامنا بأنّ لدينا هيكل أصنام. إنّكَ ترى أنّنا غير منحازين. لذلك اسمعنا.»
ويتابع بنبرة مفخّمة: «سيكون مِن الأفضل أن تتوقّف كي تتعبّد للآب وسط الذين، على الأقلّ، يعترفون بأنّ لديهم روح دين مجرّد مِن الحقّ، كالآخرين الذين لا يريدون الاعتراف بذلك ويسيئون إلينا. رغم كوننا بمفردنا، منبوذين كأنّنا بُرص، بلا أنبياء ولا معلّمين، فقد كنّا قادرين أقلّه على أن نكون متّحدين، شاعرين بأنّنا كنّا إخوة. وشريعتنا هي ألّا نخون، لأنّه مكتوب: "لا تتبع الجَّمع في فِعل الشرّ، وحين تحكم، لا تحد عن الحقّ كي تلتزم برأي الأغلبيّة." ومكتوب: "لا تقتل البريء والبارّ لأنّني أبغض الكافر. لا تقبل الهدايا الّتي تعمي الحكماء، وتُعَكِّر كلام المنصفين. لا تقضّوا مضجع الغريب لأنّكم تعلمون ماذا يعني أن يكون المرء غريباً على أرض الغير." وفي البركات التي قيلت في جيرازيم، الجبل العزيز على الربّ حيث اختاره جبلاً للبركات، أُطلِقت الوعود بكلّ صنوف الخير لأولئك الذين يلتزمون بالشريعة الحقّة الّتي هي أسفار موسى الخمسة. وإذا ما نحن رفضنا كلام البشر كأنّهم وثنيّون، إنّما حفظنا كلام الله. أفيمكن أن نُعتَبر وثنيّين؟ لعنة الله هي على مَن يضرب قريبه في الخفاء، ويقبل مكافأة كي يحكم على بريء بالموت. لا نريد أن يلعننا الله بسبب أفعالنا. لأنّنا لن نكون ملعونين كوننا سامريّين، فالله هو العادل ويكافئ البرّ أينما كان. هذا ما نرجوه مِن الربّ.»
يستجمع أفكاره للحظة، ومِن ثمّ يستأنف: «لأجل كلّ ذلك نقول لكَ: مِن الأفضل لكَ البقاء معنا. الهيكل يكرهكَ ويبحث عنكَ لإيلامكَ. وليس الهيكل فقط: فوجودكَ سيظلّ دوماً ثقيلاً وسط أولئك الّذين يرفضونكَ باعتباركَ عاراً. لن تأتيك محبّة مِن اليهود.»
«لا يمكنني البقاء. إنّما سوف أتذكّر كلامكم. وفي مطلق الأحوال، أقول لكم أن تثابروا على التقيّد بشرائع الاستقامة الّتي ذكرتموها، والّتي تتأتّى مِن وصيّة محبّة القريب. وهي الوصيّة، الّتي مع وصيّة محبّة الله، تشكّل الوصيّة الرئيسيّة للدين القديم ولديني. فالدرب إلى السماء ليس بعيداً عن الّذي يحيا باستقامة. خطوة واحدة تكفي لتضع على درب ملكوت الله أولئك الّذين هم على الدرب المجاور، والمنفصلين عنه فقط بفعل المكابرة، إلى الآن، أكثر منه بفعل القناعة.»
«ملكوتكَ!»
«مملكتي. إنّما ليست المملكة الّتي يتخيّلها البشر، مملكة سُلطة دنيويّة عادلة، وأحياناً هي عنيفة كي تسود. إنّما المملكة الّتي تبدأ في قلوب البشر، الّذين يعطيهم الـمَلِك الروحيّ شريعة روحيّة، والّذين سيجازيهم روحيّاً. سيمنح الملكوت، الّذي لن يكون فيه يهود أو جليليّون أو سامريّون على وجه الحصر، إنّما كلّ الّذين كان لهم على الأرض إيمان واحد: إيماني، وفي السماء سيكون لهم اسم واحد: قدّيسون. إنّ الأعراق، والانقسامات فيما بين الأعراق تبقى على الأرض، محصورة فيها. في مملكتي لن تكون هناك أعراق مختلفة، إنّما فقط عِرق أبناء الله. فأبناء آب واحد أوحد لا يمكنهم الانتماء إلّا إلى أصل واحد. الآن دعوني أمضي. فما يزال الدرب الّذي عليَّ أن أجوبه قبل حلول الليل طويلاً.»
«أتمضي إلى أورشليم؟»
«إلى عين شمس.»
«سندلّكَ إذن على درب، نحن وحدنا نعرفه، للذهاب إلى المخاضة مِن دون حاجة إلى التوقّف ودونما مخاطر. يمكنكَ سلوكه حيث ليس معكَ أحمال ثقيلة ولا عربات. ستصل إلى وجهتكَ عند الساعة التاسعة. وسيكون أمراً جيّداً لكَ أن تعرف ذلك الدرب. إنّما استرح هنا معنا لساعة واقبَل خبزنا وملحنا، وامنحنا كلمتكَ بالمقابل.»
«ليكن كما ترغبون. إنّما نبقى حيث نحن. إنّه ليوم بهيج، وهذا المكان جميل للغاية.»
إنّهم بالفعل في منخفض صغير تنتشر فيه البساتين، في وسطه يوجد سيل صغير، غذّته أولى الهطولات المطريّة، ويجري هاذراً ومتلألئاً في الشمس صوب نهر الأردن بين الحجارة الّتي تحيل مياهه زبداً لؤلؤيّاً. والأشجار الّتي نجت مِن قَيظ الصيف، تبدو مستمتعة عند كلا الضفّتين بالماء المستحيل زبداً، وهي تلمع مرتعشة في النسيم اللطيف، الّذي يحمل شذى التفاح اليانع والأعناب الـمُختَمِرة.
يسوع يذهب قرب السيل، يجلس على صخرة ورأسه تحت ظلّ خفيف لشجرة صفصاف وإلى جانبه يتدفّق الماء الضاحك إلى الوادي. الناس يجلسون على العشب الّذي نما على الضّفّتين.
في هذه الأثناء يتمّ جلب الخبز مِن البلدة، حليب طازج، جبن، ثمار وعسل، ويُقدَّم كلّ شيء إلى يسوع، لأجله ولأجل أتباعه. وينظرون إليه، فيما يأكل، بعد تقديم ومباركة الطعام، بغاية البساطة كإنسان قابل للموت، بغاية السموّ في وسامته، ومهيباً روحيّاً كإله. إنّه يلبس ثوباً صوفيّاً أبيضاً مائلاً للعاجيّ، كما لون الصوف المغزول منزليّاً، ومعطفاً أزرق غامقاً ملقىً على كتفيه. والشمس، الّتي تتسرّب عبر أوراق شجرة الصفصاف، تجعل شرارات ذهبيّة تلمع في شعره، والّتي تتحرّك في الوقت نفسه مع تحرّك أوراق شجرة الصفصاف الخفيفة. وشعاع شمس يداعب خدّه الأيسر، جاعلاً مِن التقصيبة الناعمة عند نهاية الخصلة المنسدلة على طول خدّه كخيوط مِن الذهب، والمسحة ذاتها، إنّما بشكل أبهت بعض الشيء، على لحيته الحريريّة وغير الكثيفة الّتي تغطّي ذقنه وأسفل وجهه. وبشرته، الّتي بلون العاج المعتّق، تُظهِر في نور الشمس التشكيل الناعم لأوردة خدّيه وصدغيه، والّتي يمتدّ أحدها على طول جبهته الملساء العالية، مِن أنفه وصولاً إلى شعره…
أظنّ أنّني مِن هذا الوريد بالذات، قد رأيتُ الكثير مِن الدم يسيل، بفعل شوكة قد اخترقته وقت الآلام... وفي كلّ مرة أرى فيها يسوع بهذه الوسامة وهذا الترتيب في هندامه الرجوليّ، أتذكّر إلى ماذا أحالته الآلام والإهانات الّتي ألحقها به البشر.
يأكل يسوع ويبتسم لبعض الأطفال الّذين تراصّوا حوله، مسندين رؤوسهم إلى ركبتيه، أو ناظرين إليه وهو يأكل، كما لو أنّهم كانوا ينظرون إلى لستُ أدري ماذا. وعندما يصل يسوع إلى الثمار والعسل، فإنّه يعطيهم منها، واضعاً حبّات عنب ولقمات خبز طريّ مغموسة بالعسل في أفواه أصغرهم، كما لو كانوا أفراخ طيور.
أحد الأولاد يمضي راكضاً عبر الجمع صوب بستان، ويعود ضامّاً ذراعيه بإحكام إلى صدره، مُشَكّلا بذلك سلّة صغيرة حيّة، فيها ثلاث رمّانات بغاية الروعة شكلاً وحجماً -إنّها بالتأكيد تعجبه ويأمل بأن يناله منها نصيب- ويقدّمها بإلحاح ليسوع.
يسوع يأخذ الثمار، يفتح اثنتين جاعلاً حصّة لكلّ واحد مِن أصدقائه الصغار، ويوزّعها عليهم. ثمّ، يمسك الثالثة بيده، ينهض ويبدأ الكلام واضعاً الرمّانة الجميلة في راحة يده اليسرى، بحيث يمكن للجميع رؤيتها.
«بماذا أُشبّه العالم بشكل عام، وفلسطين بشكل خاصّ، الّتي كانت فيما مضى، وفي فِكر الله، متّحدة كأمّة واحدة، ومِن ثمّ انفصلت بخطأ، وبكراهيّة متعنّتة فيما بين إخوة؟ بماذا أُشبّه إسرائيل والحال الّتي آل إليها الآن بمحض إرادته؟ سوف أُشبّهه بهذه الرمانة.
والحقّ أقول لكم بأنّ الخلافات القائمة بين يهود وسامريّين، سوف يعاد تشكّلها، بأشكال ومقادير مختلفة، إنّما بالكراهية ذاتها، بين كلّ أمم العالم، وأحياناً بين أقاليم الأمّة ذاتها.
وقيل أنّها تباينات مِن غير الممكن تخطّيها، كما لو أنّها أمور كان الله قد خلقها. لا. إنّ الخالق لم يخلق آدميّين وحوّاءات بقدر ما هناك مِن أعراق، مناوئة لبعضها البعض، أو بقدر ما هناك مِن عائلات وعشائر، تُناصِب العداء بعضها لبعض. لقد خَلَقَ آدم واحداً وحوّاء واحدة فقط، ومنهما انحدر كلّ البشر، وانتشروا كي يعمروا الأرض، كما لو أنّها كانت منزلاً واحداً يصير أغنى فأغنى بالغرف، حيث الأطفال يكبرون ويتزوّجون منجبين أحفاداً لآبائهم.
فإذن، لماذا كلّ هذه الكراهية بين البشر، ولماذا كلّ هذه الحواجز وسوء الفهم؟ لقد قلتم: "نعرف كيف نكون متّحدين، شاعرين بأنّنا إخوة." لكنّ ذلك لا يكفي. فعليكم أن تحبّوا كذلك مَن هم ليسوا بسامريّين.
انظروا إلى هذه الثمرة، إنّكم تعرفون مذاقها فضلاً عن جمالها. إنّها تعدكم منذ الآن، وهي مقفلة، بالعصير الحلو الذي في داخلها. وإذا ما فتحتموها، فإنّها كذلك مُبهِجة للنظر بصفوف حبّاتها المتراصّة، الّتي تشبه ياقوتات مخبّأة في صندوق حديديّ. إنّما الويل للمتهوّر الّذي يعضّها دون أن ينزع الفواصل شديدة المرارة الّتي تفصل بين مجاميع الحبّات. فهو سوف يسمّم شفتيه وأحشاءه، ويرميها قائلاً: "إنّها سمّ."
كذلك هو الأمر بالنسبة للانفصال والكراهية القائمة بين شعب وآخر، بين عشيرة وأخرى، حيث يستحيل "سمّاً" ما كان قد خُلِقَ ليكون حلاوة. إنّ هكذا انفصالاً هو غير ذي جدوى، وكما داخل هذه الثمرة، فهي لا تفعل شيئاً سوى خلق حدود تُقلّص المساحات، تَكبت وتسبّب الألم. إنّها مرّة وتطرح مرارة تسمّم روح الّذي يتناولها، أو ذاك الّذي يعضّ قريبه الّذي لا يحبّه، للإساءة إليه وإيلامه. هل هي غير قابلة للإزالة؟ لا. إنّ الإرادة الصالحة تنزعها كما بوسع يد طفل أن تزيل هذه الفواصل الـمُرّة الموجودة في الثمرة اللذيذة، والّتي عملها الخالق كي يبهج أبناءه.
وأوّل مَن يمتلك الإرادة الحسنة هو الربّ الأوحد ذاته، الذي هو إله اليهود كما الجليليّين، والسامريّين والإيدوميين. وهو يُظهِر ذلك بإرساله المخلّص الوحيد الذي سيخلّصهم جميعاً، مِن دون أن يطلب منهم شيئاً سوى الإيمان بطبيعته وعقيدته. المخلّص الذي يكلّمكم سوف يمرّ هادماً الحواجز عديمة الجدوى، ماحياً الماضي الذي فرّقكم، كي يستبدله بحاضر يجعلكم كلّكم إخوة باسمه. كلّ ما عليكم أنتم جميع مَن هم هنا ومَن هم وراء الحدود فِعله هو اتّباعه، والكراهية سوف تختفي، والإذلال الّذي يغذّي الضغينة أيضاً سوف يتلاشى، وكذلك الكبرياء الّذي يولّد الجور.
هي ذي وصيّتي: أن يحبّ جميع البشر بعضهم بعضاً كإخوة، وهذا ما هم عليه. أن يحبّوا بعضهم البعض كما يحبّهم الآب في السموات وكما يحبّهم ابن الإنسان، حيث أنّه وبالطبيعة البشريّة الّتي اتّخذها، يشعر بأنّه أَخٌ للبشر، وبأبوّته يعرف بأنّه سيّد الانتصار على الشرّ بكلّ تبعاته. لقد قلتم: "شريعتنا هي ألّا نخون." إذن، وكبداية، لا تخونوا نفوسكم بحرمانها مِن السماء. أحبّوا بعضكم بعضاً، أحبّوا بعضكم البعض فيَّ، والسلام سوف يحلّ في أرواح البشر، كما وُعِدَ. وسوف تأتي مملكة الله، الّتي هي مملكة سلام ومحبّة لِمَن يريدون خدمة الربّ إلههم بإرادة صادقة.
أغادركم. ولِيُنر نور الله قلوبكم... هيّا بنا...»
يلتفّ بمعطفه، يحمل كيسه وَرْباً وينطلق في الطليعة، بطرس إلى جانب، وإلى الجانب الآخر الوجيه الّذي تكلّم في البداية. الرُّسُل وراءه، ووراءهم شباب مِن أفرايم، حيث أنّه مِن غير الممكن المتابعة جماعةً على الدرب الضيّقة المحاذية للسيل.