ج3 - ف29
أَنَا هُوَ
ماريا فالتورتا
L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO
THE GOSPEL AS REVEALED TO ME
بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}
L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
الجزء الثالث / القسم الأول
29- (العِظَة على الجبل: "أنتم ملح الأرض")
22 / 05 / 1945
يسير يسوع وحيداً، وبخطى حثيثة على طريق رئيسيّة. يتوجّه صوب جبل مُنتَصِب على مقربة مِن الطريق الرئيسيّة ومتّجه صوب الغرب، انطلاقاً مِن البحيرة. على مسافة قريبة كانت بدايته، على أرض مائلة ميولاً لطيفاً ممتدّة لمسافات بعيدة، مُشكِّلة هَضَبَة، تُشاهَد منها البحيرة كلّها مع بلدة طبريّا، باتّجاه الجنوب، والبلدات الأخرى الأقلّ جمالاً، الجاثمة صوب الشمال. ثمّ يرتفع الجبل بسرعة أكبر حتّى إحدى القمم، وينخفض، ثمّ يرتفع مرّة أخرى ليُشكّل قمّة أخرى شبيهة بالأولى، ومجموع الاثنين يُشكِّل ما يشبه السَّرج.
يَسلك يسوع الطريق الصاعدة صوب الهضبة، عَبْر درب ترابي، هو كذلك جميل بما فيه الكفاية، ويَصِل إلى بلدة صغيرة يَحصد أهلها تلك الهضبة المرتفعة، حيث اتَّخَذَ القمح شكل السنابل. يجتاز البلدة ويتقدّم عَبْر الحقول والمروج الـمُوشّاة بالزهور أو التي تَموج بالحصاد.
اليوم صاف، ممّا يسمح بظهور جمال الطبيعة المحيطة كلّها بكامل قيمته. وراء الجبل الصغير المنعزل الذي يتوجّه إليه يسوع، تُرى في الجنوب قِمّة حرمون الـمَهيب، الذي تبدو قِمّته كَدُرّة عملاقة ترتكز على قاعدة مِن الزمرّد، لشدّة بياض القِمّة المكلّلة بالثلج الذي يتعاكس بياضه مع اخضرار المنحدرات المغطّاة بالخمائل. وراء البحيرة، بل بينها وبين حرمون، السهل الأخضر، حيث بحيرة ميرون التي، مع ذلك، لا تُرى مِن هذا المكان، ثمّ جبال أخرى متّجهة صوب بحيرة طبريّا، مِن الناحية الشماليّة الغربيّة، ووراء البحيرة جبال أخرى في البعيد تُلطّفها، وسهول أخرى في الجنوب، ووراء الطريق الرئيسيّة هناك الروابي التي أظُنّها تخفي الناصرة. وكلّما ارتفعنا، كلّما اتَّسَعَ الأفق. لستُ أدري ماذا في الجهة الغربيّة لأنّ الجبل يحجب الرؤيا.
يلتقي يسوع أوّلاً الرَّسول فليبّس الذي يبدو وكأنّه عُيِّن خفيراً على ذلك المكان: «كيف هذا يا معلّم؟ أأنتَ هنا؟ كنّا ننتظركَ على الطريق. وأنا أنتظر الرفاق الذين ذَهَبوا لجلب الحليب مِن عند الرُّعاة الذين يَرعون قطعانهم على القمم. في الأسفل، على الطريق، هناك سمعان ويهوذا بن سمعان ومعهما إسحاق و... آه! ها هم. تعالوا! تعالوا! المعلّم هنا!»
الرُّسُل الذين كانوا يَهبطون ومعهم القُرَب، يبدأون بالجري، ومِن الطبيعي أن يَصِل الشباب أوّلاً. يُهلِّلون للمعلّم، إنّه لمشهد مؤثّر. أخيراً اجتَمَعوا، وبينما يسوع يبتسم، يريد الجميع التحدّث إليه ورؤيته…
«ولكنّنا كنّا ننتظركَ على الطريق العامّة!»
«كنّا نظنّ أنّكَ لم تكن لتأتي اليوم حتّى.»
«آه! كنّا منـزعجين لأنّه كان هناك كَتَبَة وحتّى تلاميذ لغَمَالائيل...»
«ولكن نعم يا معلّم! في الحقيقة أنّكَ تَرَكتَنا في الوقت المناسب! لم أشعر بالخوف يوماً كما في ذلك الحين. فلا تجعلني ألعب دوراً كهذا فيما بعد.»
بطرس يتشكّى ويسوع يبتسم ويَسأَل: «ولكن هل حَصَلَ لكم مكروه؟»
«آه! لا! على العكس... آه! يا معلّمي! ولكن ألا تعلَم أنّ يوحنّا قد تكلَّم؟... وكان يبدو وكأنّكَ أنتَ تتكلّم بلسانه. أنا... نحن كنّا مُنذَهِلين... ذاك الصبيّ الذي لم يكن قادراً منذ عام سوى على رمي الشِّباك... آه!» ما يزال بطرس تحت تأثير الإعجاب، ويقوم بهزّ يوحنّا الضاحك الصامت. «انظروا إذا كان يبدو ممكناً لهذا الصبيّ بفمه الضاحك أن يكون قد تفوَّهَ بتلك الكلمات! كنّا نحسبه سليمان.»
«وكذلك سمعان قد أَحسَنَ الكلام يا سيّدي. لقد كان بحقّ الرئيس.» يقول يوحنّا.
«لستُ أدري! لقد حَصَرَني في الزاوية! ولكن... يقولون إنّني أحسنتُ الحديث. ممكن، أنا لا أَعلَم... إذ بسبب الدهشة التي سَبَّبَها لي حديث يوحنّا والخوف مِن التحدّث وسط جمع غفير، ومِن أن أجعلكَ تبدو دون المستوى، فقد كنتُ مُضطَرِباً...»
«أن تجعلني أبدو دون المستوى؟ أنا؟ ولكنّكَ أنتَ الذي كنتَ تتحدّث، وأنتَ الذي كنتَ ستبدو دون المستوى يا سمعان.» يقول له يسوع على سبيل المغايظة.
«آه! بالنسبة إليَّ... لم يكن يهمّني كثيراً. لم أكن أريدهم أن يَسخَروا منكَ لاتّخاذكَ أبلهاً رسولاً لكَ.»
يَشعّ يسوع فرحاً لتَواضُع وحُبّ بطرس. ولكنّه يَسأَل فقط: «والآخرون؟»
«الغيور أيضاً قد أَحسَنَ الكلام. إنّما هو... نعرفه. ولكن هذا كان مفاجأة! إلّا أنّه مذ كنّا في خلوة الصلاة والوَلَد يبدو وكأنّ نَفْسه في السماء على الدوام.»
«صحيح! صحيح!» يؤكّد الجميع كلام بطرس، ثمّ يستمرّ الكلام.
«وهل تَعلَم؟ بين التلاميذ الآن اثنان، حسب قول يهوذا بن سمعان، مهمّان جدّاً. يهوذا مُنهَمِك للغاية، هه! صحيح! إنّه يعرف أولئك الناس جيّداً... منذ زمن بعيد، وهو يعرف كيف يتحدّث إليهم. ويحبّ التحدّث... بل يُجيد التحدّث. ولكنّ الناس يُفضِّلون سماع سمعان وإخوتكَ، خاصّة هذا الصبيّ. أمس قال لي أحدهم: "هذا الشاب يُجيد التكلّم -وكان يقصد يهوذا- ولكنّني أُفضِّلكَ عليه". آه! يا مسكين! تُفضِّلني أنا الذي لا أعرف أن أقول سوى أربع كلمات!... ولكن لماذا أتيتَ إلى هنا؟ والموعد كان على الطريق، وقد كنّا هناك.»
«لأنّني كنتُ أَعلَم أنّني أجدكم هنا. الآن اسمعوا. اهبطوا وقولوا للآخرين أن يأتوا، وأيضاً للتلاميذ المعروفين. لا تدعوا الناس يأتون اليوم. أودُّ التحدّث إليكم فقط.»
«إذن، مِن الأفضل انتظار المساء. فعند المغيب يتفرّق الناس إلى القرى المجاورة، ويعودون صباحاً لانتظاركَ. وإلّا... فَمَن سيستبقيهم؟»
«حسناً. افعلوا كذلك. أَنتَظِركم في الأعلى عند القِمّة. الآن دافئ هو الليل حتّى إنّه يمكننا النوم في العَراء.»
«حيثما تريد، يا معلّم. يكفي أن تكون معنا.»
يمضي التلاميذ، ويُعاوِد يسوع الصعود حتّى القِمّة. إنّها تلك التي رأيتُها في رؤيا العام الماضي، عند نهاية الحديث على الجبل واللقاء الأوّل لمريم المجدليّة. ويبدو المنظر العام أكثر اتّساعاً عند مغيب الشمس. يَجلس يسوع على صخرة ويستغرق في التأمّل. ويبقى هكذا حتى ينبّهه وقع الأقدام على الدرب أنّ الرُّسُل في طريق العودة. لقد وَصَلوا مساء. ولكن على ذاك الارتفاع، تستمرّ الشمس في جعل العطر يفوح مِن النبات والزهور. زنابق برّية يفوح منها عَبَق قويّ، وسوق النرجس الكبيرة تهزّ نجومها وبراعمها كما لتنادي الندى.
يَنهَض يسوع ويحيّي قائلاً: «السلام معكم.»
تلاميذ كثيرون يَصعَدون مع الرُّسُل. يقودهم إسحاق بابتسامته، ابتسامة الناسك الزاهد على وجهه النحيل. يتجمّعون كلّهم حول يسوع الذي يُحيّي خاصّة يهوذا الاسخريوطيّ وسمعان الغيور.
«أردتكم جميعاً معي للمكوث بضعة ساعات معكم فقط والحديث إليكم، إليكم فقط. فلديَّ ما أقوله لكم لتهيئتكم للرسالة بشكل أفضل. سنتناول الطعام ثمّ نتحدّث، وأثناء النوم تستمرّ النَّفْس بالتنعّم بالـمَذهب.»
يتناولون الوجبة البسيطة، ثمّ يتزاحمون متحلّقين حول يسوع الجالس على صخرة. إنّهم حوالي المائة، وقد يكونون أكثر، ما بين تلاميذ ورُسُل. تاج مِن الوجوه المتنبِّهة تنيرها شعلتان مِن النيران المتّقدة بشكل غريب. يتحدّث يسوع بتمهّل وبحركات هادئة. يبدو وجهه أكثر ابيضاضاً، منفرداً عن ثوبه الأزرق الداكن، ينيره شعاع مِن هلال القمر الذي يهبط على مستواه بالضبط، فاصلة صغيرة في السماء، شريطة مِن نور تُداعِب معلّم السماء والأرض.
«أردتُكم هنا، خصوصاً لأنّكم أصدقائي، لقد دعوتُكم بعد الاختبار الأوّل الذي خَضَعَ له الاثنا عشر، ولأُوَسِّع حلقة تلاميذي الفاعِلين، ولأسمع منكم ردود الفعل الأولى حيال الذين يرأَسونَكم، والذين أمنحكُم إيّاهم كاستمرار لي. إنّني أَعلَم أنّ كلّ شيء جرى على ما يُرام. كنتُ أدعَم وأُسانِد بصلاتي نفوس الرُّسُل، الخارجين مِن خَلوة الصلاة بقوّة جديدة في الروح والقلب. قوّة لا تأتي مِن الدراسة، إنّما مِن الاستسلام الكامل لله.
الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا أنفسهم أكثر. فنسيان الذات أمر عسير.
الإنسان مجبول بالذكريات. والتي منها تَرفَع صوتها أكثر، هي ذكريات الأنا الشخصيّة. يجب التفريق بين أنا وأنا. فهناك الأنا الروحيّة التي تأتي مِن النَّفْس وتتذكّر الله وأصلها الإلهيّ. وهناك الأنا الدنيا، أنا الجسد التي تنطوي على ألوف المتطلّبات والأهواء التي لها. تَخرُج منها أصوات كثيرة، تُشكِّل جوقة تُهيمِن، إذا لم يكن الروح قويّاً جدّاً، وصوت الروح الفريد الذي يتذكّر أصله النبيل كابن لله. يجب إذاً -عدا تلك الذكرى المقدَّسة التي يجب دائماً دفعها أكثر وإحياؤها وتقويتها- يجب عليكم، لتكونوا كاملين كتلاميذ، معرفة نسيان الذات بكلّ الذكريات والمتطلّبات والمنعَكَسات المخيفة للأنا البشريّة.
في هذا الاختبار الأوّل للاثني عشر، الذين أعطوا أكثر هُم الذين نَسوا نفسهم أكثر. ناسين ليس فقط ماضيهم، إنّما كذلك شخصيّتهم المحدودة. إنّهم أولئك الذين لم يَعودوا يتذكّرون مَن كانوا ومَن هُم الآن لشدّة ذوبانهم في الله، بحيث لم يعودوا يخشون شيئاً. لماذا تحفّظات البعض؟ لأنّهم تذكَّروا حَرَجَهم المعتاد، واعتباراتهم المعتادة، وظُنونهم المعتادة. لماذا إيجاز الآخرين؟ لأنّهم تذكَّروا عدم أهليّتهم المذهبيّة، ولأنّهم خافوا أن يَظهَروا أو أن يجعلوني أبدو دون المستوى. لماذا التَّفاخر الظَّاهِر لآخرين أيضاً؟ لأنّ هؤلاء تذكَّروا كبرياءهم المعتاد، ورغبتهم في أن يكونوا في موقع النجوميّة، أن يُصَفَّق لهم، وأن يتفرَّدوا، وأن يكونوا "شيئاً مميّزاً". أخيراً، لماذا التجلّي غير المتوقّع لآخرين، في حديث هو حديث معلّم واثِق، مُقنِع وظَافِر؟ لأنّ أولئك، وأولئك فقط، عرفوا أن يتذكّروا الله. ولكنّ الأمر كذلك لدى أولئك الذين كانوا متواضعين، وكانوا يحاولون ألّا يلاحظهم أحد، والذين، في الوقت المناسب، عرفوا أن يتولّوا مباشرة قيادة الدفّة التي أُنعِم بها عليهم، والذين لم يكونوا يريدون ممارستها خوفاً مِن أن يكونوا مغرورين. الفئات الثلاث الأولى تذكَّروا الأنا الدنيا. أمَّا الفئة الرابعة، فقد تذكَّروا الأنا السامية ولم يخافوا. آه! يا للإقدام المقدَّس المتأتّي مِن الاتّحاد بالله.
فإذن اسَمعوا، أنتم وأنتم: رُسُل وتلاميذ. أنتم أيّها الرُّسُل قد سمعتم تلك الأفكار. إنّما الآن فستدركونها بشكل أعمق. وأنتم، أيّها التلاميذ، لم تسمعوها، أو كان ذلك بشكل جزئيّ. يجب أن تُنقَش في قلوبكم، إذ إنّني سوف أستعين بكم كثيراً وعلى الدوام، طالما قطيع المسيح لا يني يتعاظَم، إذ إنّ العالم سوف يهاجمكم أكثر فأكثر، وسيزداد عدد الذئاب المتألِّبة ضدّي، أنا الراعي، وضدّ قطيعي. أريد أن أضع بين أيديكم السلاح الذي تذودون به عن مَذهَب قطيعي. ما يكفي قطيعي لا يكفيكم أيّها الرُّعاة الصغار. إذا كان مسموحاً للنعاج ارتكاب الأخطاء وهي تقضم الأعشاب التي تجعل الدم مُرّاً وتثير الشهوات، فليس مسموحاً لكم أنتم ارتكاب الأخطاء نفسها مُودِين بقطيع كبير العدد إلى خرابه. فَكِّروا أنّه حيث يوجد راعٍ وثنيّ تَنفُق النعاج بالسمّ أو تهاجمها الذئاب.
أنتم ملح الأرض ونور العالم. إذا ما قَصَّرتم في رسالتكم فسَتُصبِحون ملحاً لا طعم له ولا نفع. ولا يمكن لشيء أن يعيد الطعم لكم إذا لم يمنحكم إيّاه الله. إذا كنتم، بتقبّلكم العطيّة، جعلتموها تَفقد طعمها بتمديدها بمياه الإنسانيّة التَّفِهة والملوّثة، وبتخفيفها بعذوبة الشهوات الفاسدة، بمزجكم ملح الله النقيّ بفضلات الكبرياء والشهوة والشراهة والفجور والغضب والكسل، بشكل تحصلون فيه على حبّة ملح واحدة مقابل سبع مرّات سبع حبّات مِن كلّ رذيلة. فلا يعود ملحكم آنذاك سوى مزيج مِن حصى فيها حبّة الملح تائهة، حصى تصرّ تحت الأسنان، وتترك في الفم طعم التراب وتجعل الطعام كريهاً ومُقزِّزاً. فلا يعود صالحاً، ولا حتّى للاستخدامات الدنيا، حيث معرفة مجبولة بالرذائل السبع تسيء حتّى إلى الرسالات الإنسانيّة. حينئذ لا يعود الملح صالحاً لغير الرمي والدَّوس بأرجل الناس اللامبالية. كَم مِن الشعوب، كَم مِن الأمم ستتمكّن هكذا مِن دوس رجال الله! إذ إنّ أولئك المدعويّن سيكونون قد سَمَحوا للأمم اللامبالية أن تدوسهم، إذ لم يعودوا الجَّوهر الذي نسعى إليه لنَجِد طعم الأشياء النبيلة والسماويّة، إنّما سيكونون فقط فضلات.
أنتم نور العالم. أنتم كهذه النعمة التي كانت الأخيرة في وداعها للشمس، والأولى في تَلَقّي نور القمر الفضّيّ. المتواجد في الأعالي يُشرِق ويُرى، ذلك أنّ العين، حتّى الأكثر سهواً، تُركّز أحياناً على الأعالي. أقول إنّ العين المادّيّة، التي نقول عنها إنّها مرآة النَّفْس، تعكس رغبة النَّفْس، الرغبة غير الـمُلاحَظة غالباً، إنّما الناشطة دائماً، طالما الإنسان ليس شيطاناً، الرغبة في الارتقاء إلى الأعالي، حيث يضع الفِكر، بشكل غريزي، الكلّيّ السمو، ويَرفَع النَّظر إلى العُلى أثناء البحث عن السماوات، أقلّه بعض المرّات في سياق الحياة.
أرجوكم أن تتذكّروا ما نفعله جميعنا، منذ الطفولة الأكثر حداثة، أثناء الدخول إلى أورشليم. أين تتزاحم الأنظار؟ صوب جبل مورياح الذي يُتوّجه قوس المعبد مِن المرمر والذهب. وعندما نكون داخل أسواره، ننظر إلى القبب الثمينة التي تشعّ وتتلألأ تحت الشمس. كَم مِن الجمالات داخل الأسوار المقدَّسة، مُنتَشِرة في ردهاته وفي أروقته وساحاته! ولكنّ العين تنطلق إلى العُلى. أرجوكم أيضاً أن تتذكّروا أسفارنا. أين ينطلق نَظَرنا كيما ننسى طول الطريق والرتابة والتعب والحرارة والوحل؟ صوب القمم، حتّى ولو كانت قليلة الارتفاع، وحتّى ولو كانت بعيدة. وكم يُسرّى عنّا لمجرّد رؤيتها قد ظَهَرَت، عندما نكون في سهل منبَسِط بشكل رتيب! أأوحال في الأسفل؟ في الأعلى هو الطُّهر. أحرارة خانقة في الأسفل؟ في الأعلى هو الانتعاش. هل الأفق محدود في الأسفل؟ في الأعلى يمتدّ بلا حدود. ولمجرّد النَّظر إليه يبدو اليوم أقلّ حرارة، والوحل أقلّ لزوجة، والمسير أقلّ غَمّاً. ثمّ لو لَمَعَت بلدة على قمّة جبل، فحينئذ لا تُرى عيوناً لا تُعجَب بها. حتّى لَتَحسب أنّ بلدة لا أهمّية لها تصبح جميلة، لو وُضِعَت في مكان شبه فضائيّ، على قمّة جبل. ولأجل ذلك تُرى في الديانات الحقيقيّة والديانات الخاطئة أنّه كلّما كان مستطاعاً يُبنى الهيكل في مكان مرتفع، وإذا لم تكن هناك هضبة أو جبل، فتُبنى له قاعدة مِن حجر بقوة السواعد على السطح المنبَسِط الذي يتوضّع عليه الهيكل. لماذا التصرّف بهذا الشكل؟ لأنّ الـمُراد هو أن يُرى الهيكل، فيُذَكِّر برؤيته بالتفكير الموجّه صوب الله.
قُلتُ كذلك إنّكم نور. والذي يضيء مصباحاً ليلاً في البيت، فأين يضعه؟ أفي حفرة تحت الموقد؟ أم في المغارة المستخدَمَة كقبو؟ أَم مُغلقاً عليه في صندوق؟ أم بكلّ بساطة يخفيه تحت مكيال؟ لا، لأنّ إنارته آنذاك لا يعود لها فائدة. ولكنّه يَضَع المصباح على طاولة، أو يُعلِّقه على حامل المصباح، لكي، في حال وَضَعَه في مكان مرتفع يضيء الغرفة كلّها، ويُنير كلّ الموجودين فيها. ولكنّ ذلك، وبالتحديد سبب وضعه في مكان مُرتَفِع، الهدف منه هو التذكير بالله، ومنح النور، فينبغي له أن يكون على مستوى وظيفته.
أنتم يا مَن ينبغي لكم التذكير بالله الحقيقيّ، اعمَلوا على ألّا تكون فيكم الوثنيّة ذات العناصر السبعة. وإلّا فسَتُصبِحون مواضع دنيويّة مرتفعة بواسطة أخشاب مقدَّسة، مُكَرَّسين لهذا أو ذاك مِن الآلهة، جارِّين في وثنيّتكم الذين ينظرون إليكم كهياكل لله. ينبغي لكم أن تَحملوا نور الله. فمصباح مُتَّسِخ، أو غير مُزوَّد بالزيت، يدخِّن ولا يعطي نوراً، بل يُطلِق روائح كريهة ولا يُضيء. مصباح مخفي وراء أنبوب بلّور متَّسخ، لا يعطي التألّق الظريف، ولا يتراقص النور الذي يُشرِق على الجَماد النظيف، ولكنه يدنف خلف ستار مِن الدخان الأسود الذي يجعل مأواه الماسيّ ذا غَباشَة كثيفة.
نور الله يتألّق حيث توجد إرادة جادّة يوميّاً في إزالة النفايات الناتجة عن العمل ذاته، بالاحتكاكات التي لا يمكن تحاشيها، التفاعلات وردود الفعل وخيبات الأمل. نور اللهَ يسطع عندما يكون المصباح مُزوّداً بسائل وَفير مِن الصلاة والمحبّة. نور الله يتضاعف تألُّقه بشكل لا نهائيّ، عندما تتواجد كمالات الله، حيث إنّ كلّ واحدة منها تَبعَث في القدّيس فضيلة تُمارَس ببطولة، إذا ما حافَظَ خادم الله على الزُّجاج حصيناً مِن نفسه، في مأمن مِن الدخان الأسود الذي لكلّ الأهواء السيّئة الـمُدَخِّنة. زجاج حَصين، حَصين! (يتكلّم يسوع بصوت كالرَّعد في هذه الخلاصة، ويُدَوّي الصوت في هذا المدرج الطبيعيّ.) الله وحده يملك الحقّ والقُدرة على أن يُخطِّط هذا الكريستال، أن يَكتب فيه اسمه الكلّيّ القداسة بماسَة إرادته. حينئذ يُصبِح هذا الاسم تزييناً يُضاعِف سُطيحات الجمال فائق الطبيعة على الزجاج النقيّ جدّاً.
أمّا إذا كان خادم الله الغافِل، الذي بفقدانه ضبط نفسه ورؤية رسالته الفائقة الطبيعة فقط وبأكملها، يجعل تزيينات خاطئة ومزيّفة تترك أثرها على هذا الكريستال، خُدشاً وليس نَقشاً، شيفرات سرّية وشيطانيّة خَطَّتها أظافر الشيطان الناريّة. حينئذ لا، فالمصباح الرائع، لا يعود له بهاؤه وجماله الدائم الذي لا عيب فيه، ولكنّه يتصدَّع ويتحطَّم، خانقاً الشعلة تحت حطام الكريستال الـمُنفَجِر، أو إذا لم يتصدّع، يُنتِج كَومة مِن العلامات مِن طبيعة غير مريبة يتوضّع عليها شحاره ويتسلّل ويُفسِد.
الويل! والويل الويل الويل للرُّعاة الذين يفقدون المحبّة، والذين يأبون الصعود يوماً إثر يوم ، ليُصعِدوا القطيع الذي ينتظر زهدهم ليَصعَد. سوف أضرُبهم بإسقاطهم مِن مكانهم، وبإطفاء كلّ دُخّانهم.
الويل! والويل الويل الويل للمعلِّمين الذين يرفضون الحكمة ليَشبَعوا مِن عِلم، هو غالباً مُناقِض، دائماً متكبّر، أحياناً شيطانيّ، لأنّه يدنيهم مِن إنسانيّتهم، إذ -اسمَعوا جيّداً واحفَظوا- بينما قَدَر كلّ إنسان أن يصبح شبيهاً بالله بالتقدّيس الذي يجعل الإنسان ابن الله، فالمعلّم-الكاهن ينبغي له، منذ حياته على هذه الأرض، أن يكون له مَظهَر ابن الله وإيّاه فقط. ينبغي له أن يكون إنساناً، هو بكلّيّته نَفْس وكمال. ينبغي أن يكون له كلّ ذلك ليَصِل بتلاميذه إلى الله. اللعنة تحلّ على المعِلّمين المكلَّفين بتأمين التعليم الفائق البشر الذين يصبحون أوثان المعرفة البشريّة.
الويل! والويل سبع مرات لأولئك الذين، بين كَهَنَتي، قد ماتت نفوسهم، الذين أَصبَحوا تافهين، الذين تعاني أجسادهم مِن حرارة مَرَضيّة، والذين نَومهم مُفعَم بالتهيّؤات والهلوسة لكلّ ما هو موجود، ما عدا الإله الواحد والثالوث؛ الـمُفعَم بكلّ أنواع الحسابات، ما عدا الرغبة فائقة الطبيعة في زيادة ثروات القلب والله. إنّهم يعيشون، مغمورين بإنسانيّتهم، خسيسين، مُخَدَّرين، جَارّين إلى مياههم المائتة الذين يتبعونهم وهم يظنّون أنّهم "الحياة". لعنة تحلّ على الذين يُفسِدون قطيعي الصغير، القطيع المحبوب. فليس مِن الذين هَلكوا نتيجة توانيكم، يا خُدَّام الربّ الـمُقصِّرين، بل منكم أنتم سوف أُطالِب بالحساب، وبكم سوف أُنزِل القصاص، مِن أجل كلّ ساعة وكلّ وقت مُبَدَّد، مِن أجل كلّ السوء الذي كان يمكن أن يقع أو الذي نَتَجَ عنه.
تذكَّروا هذه الكلمات. والآن اذهبوا. إنّي صاعد إلى القمّة. أمّا انتم فناموا. غداً سوف يَفتَح الراعي للقطيع مراعي الحقيقة.»