الدفاتر: 16 / 06 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(16 / 06 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«كلّ حقبة لها أشكالها مِن الرحمة.

 

الكنيسة وُلدت في أمواج العالم الهائجة. العذارى والمكرّسين كانوا يختلطون بالجموع الوثنيّة، حاملين لها عطر المسيح الّذي كان يملأهم، وكسبوا العالم للمسيح.

 

ثمّ جاءت حقبة العزلة الصارمة. دفن الذات بعيداً عن العالم، كان بحسب فِكر تلك الحقبة، ضروريّاً للكمال والفداء المستمرّ للنفوس. سيول تضحيات وصلوات انتشرت على الأرض، مِن الأديرة، مِن صوامع العبادة، مِن أعماق المحابس المسوّرة، هبطت إلى المطهر، وصعدت إلى السماء.

 

فيما بعد أُسّست الأديرة العاملة. والمشافي، المآوي، المدارس قد استفادت مِن هذا الظهور الجديد للديانة المسيحيّة.

 

إنّما في عالم اليوم الوثنيّ، وثنيّة أكثر شراسة لأنّها شيطانيّة بحذاقة أكثر، فيجب أن تكون هناك مِن جديد نفوس مكرّسة تعيش في العالم كما في زمن كنيستي الأوّل، كي تعطّر العالم بي. فتختصر في ذاتها الحياة العاملة والحياة التأمّلية بكلمة واحدة: ’أضاحي‘.

 

كم يجب مِن الأضاحي لهذا العالم البائس لنيل الرحمة! لو كان البشر ينصتون إليَّ، لكنتُ أقول لكلّ فرد منهم وصيّتي المفعمة حبّاً: ’تضحية، توبة، لتنالوا الخلاص‘. ولكن ليس لديّ سوى الأضاحي الّذين يعرفون الاقتداء بي في التضحية، الشكل الأسمى للحبّ.

 

ألم أقل: ’بهذا سيُعرَف أنّكم تلاميذي: إذا كنتم تحبون بعضكم بعضاً... وما مِن حبّ أعظم مِن أن يبذل الإنسان نفسه عن أصدقائه‘؟

 

لقد سَـمَت الأضاحي بالحبّ لدرجة اتّخاذه شكلاً مشابهاً لحبّي. الأضاحي يبذلون ذواتهم مِن أجلي ذلك أنّني في النفوس، ومَن يخلّص نَفْساً يخلّصني في تلك النَّفْس. فما مِن حبّ إذاً أعظم مِن استنفاذ الذات مِن أجلي، أنا صديقكم، ومِن أجل النفوس الخاطئة المسكينة الّذين هم أصدقاؤنا المتعثّرون. أقول أصدقاؤ’نا‘ لأنّه حيث هناك نَفْس مُـحِبة، فالله كذلك معها، وبالتالي نحن اثنان.

 

تفكّرين غالباً بأسف بالحياة الديريّة. ولكن فكّري، أيا نفسي، أنّ كونكِ أضحية يجعلكِ مشابهة للحبيسات الأكثر تقشّفاً. الأضحية تتعبّد، الأضحية تكفّر، الأضحية تصلّي. فصلاة الأضحية تشابه صلاة الحبيسة، تضاف إليها صعوبة العيش في تعبّد وسط تهتّكات العالم.

 

أيضاً في هذا أنا مثالكِ. أنا، الأضحية، عرفتُ العبادة، الصلاة، التكفير عن كلّ شيء مع بقائي في العالم. يمكن أن تكون النفوس أضاحي بكمال مُذَهَّب مع البقاء وسط الجموع، وألا تكون حتّى خلف حاجز مزدوج مختوم. وهنا أيضاً هو الحبّ الّذي يهمّ وليست المظاهر الخارجيّة.

 

كيف العمل ليكون المرء أضحية؟ العيش بفكر واحد: مواساتي بافتداء الآخرين. افتداء الآخرين يتمّ بالتضحية. أنا تتمّ مواساتي بالحبّ وبإضرام الحبّ في القلوب المطفأة. حياة الأضاحي تكمن في القبول الدائم لعدم الانتماء للذات، بذل مستمرّ، اضطرام متواصل.

 

ومن يُـحِسن أن يحيا هكذا يُمنَح الحضور غير المرئيّ الّذي تسرّين به أنتِ أيضاً. لأنّني أكون حيث يكون رُسُلي وشهدائي. والأضاحي هم شهداء ورُسُل.»

----------

يقول يسوع أيضاً:

 

«لحفظ الأجساد مِن فساد الموت، كانت تُستخدم منذ أقدم العصور طيوب خاصّة تُوقِف التحلّل وتحافظ على الجثامين. فيا أيّها البشر الممزّقين روحيّاً، وقد نخركم فساد مجتمع قد أنتن حتّى النخاع؛ أيا أيّها البشر المساكين الّذين مِن أجلكم قد متّ عبثاً، لماذا لا تستخدمون الطيوب الّتي توقف انحلالكم؟

 

لقد علّمتُكم إيّاها. علّمتُكم إيّاها بالحياة، بالكلمة، بالموت. في إنجيلي توجد القاعدة للعيش بصحّة في الجسد والنَّفْس، والفكر، والعمل. وهذا الإنجيل، أنا قد عشتُه في سنوات حياتي الثلاث والثلاثين.

 

لا يمكنكم أن تقولوا لي، كما يمكنكم قول ذلك عن أنبيائكم الكذبة: ’لقد بشّرتَ بأمر، ولكنّكَ عملتَ آخر‘. لا. فيسوع كان معلّماً، ليس بالكلمة فقط، ولكن بالفعل.

 

لقد علّمتُكم تفضيل الطهارة والعفّة على الفجور، والتعفّف على الخلاعة، والأمانة على الخداع، والعمل على البطالة، والاستقامة على الغشّ، احترام السلطات على التمرّد، حبّ العائلة على التهتّك، الرحمة على القسوة، التواضع على الكبرياء، العدالة على التعسّف، الصراحة على الكذب، احترام البراءة على التشهير، الإيمان على الكفر، التضحية على التمتّع. وكلّ هذه الأمور، أنا، إلهكم، قد عملتُها قبلكم.

 

لقد دستم على كلّ شيء ورقصتم، مثل مجانين، على الأساسيات الإلهيّة الـّتي فيها خيركم في هذه الحياة وفي الحياة الأخرى.

 

لقد توسّعتم في المعرفة في كافّة المجالات، ما عدا المجال الأكثر ضرورة: معرفة إنجيلي. لقد شبعتم مِن كلّ الأطعمة، ما عدا الطعام الضروريّ الوحيد: كلمتي. ظننتم أنّكم ارتقيتم إلى مستوى ما فوق بشريّ. إنّما قد أصبحتم مجرد حيوانات خارقة. شريعتي وحدها تخلق فائق البشر، ذلك أنّها تؤلّهكم وتجعلكم أبديّين. كلّ ما سوى ذلك لا يسمو بكم. إنّه فقط يقودكم إلى الجنون.

 

مرتا كانت قد قالت لي: ’يا معلّم، إنّه في قبره منذ أربعة أيّام، وقد أنتن‘. وأنتم منذ كم مِن العصور وأنتم فيه؟ وتغرقون باستمرار في القبر وفي تحلّل الموت. حتّى صوتي لم ينجح في هزّكم، ولا حتّى دموعي.

 

ولكن كيف يمكنكم أن تكونوا مسرورين، وأنتم مذلّين هكذا؟ كنتم حاصلين على السماء، كنتم ورثة الله. والآن ما أنتم؟ جماعة برص ومستحوذ عليكم مِن قِبَل شياطين يعذّبونكم، يقتلونكم، يجعلونكم تهذون، يجرّونكم في النار حتّى قبل أن تموتوا. نار جهنّم في روحكم وقلبكم. وأنا كنتُ قد وضعتُ فيكم نار المحبّة اللذيذة!

 

إنّ الطيوب الّتي تخلّصكم مِن التفسّخ الكامل هي التوبة، التضحية والمحبّة. ولكن هل تودّون استخدامها؟ لا. فأنتم لا تنظرون إلى المعلّم المصلوب الّذي منحكم بتضحيته نَفْساً جديدة، مؤهَّلة للحياة الأبديّة، الّذي طهّركم بدمه ودموعه مِن برص الخطيئة. أنتم لا تنظرون إليه. إنّه يكلّمكم عن الصلاح، الحبّ، التضحية. إنّما أنتم تريدون أن تكونوا أشراراً، تريدون الكراهية، تريدون المتعة.

 

ضدّ الأضحية الكبرى والأضاحي الصغار الّذين يعملون على نفخ حياة جديدة فيكم، ترفعون قبضتكم المهدِّدة وترشقون تجديفكم المتهكِّم.

 

احذروا، أيّها البشر المتعنّتون! إنّ صبر الله واسع، إنّما ليس لكم اختباره أكثر بعد، فأنا قد قلتُ لكم: ’لا تجرّبنّ الربّ إلهكَ‘.»