الدفاتر: 28 / 06 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(28 / 06 / 1943)
يقول يسوع:
«’كونوا كاملين، أنتم جميعاً يا مَن أحبّ حبّاً متميّزاً. عيشوا كما ملائكة، أنتم يا مَن تكوّنون حاشيتي على الأرض‘.
إذا كانت الدعوة المحبّبة لتكونوا كاملين مثل أبي قد وُجِّهت للجميع، فإنّها ينبغي أن تغدو وصيّة عذبة للّذين اخترتُهم كأصدقاء لي وأعزّاء. أن تكونوا تلاميذي -لا بالمعنى العام المطبّق على جميع المسيحيّين، إنّما بالمعنى الحرفيّ الّذي دعوتُ به الاثنيّ عشر: تلاميذ وأصدقاء- هو شرف عظيم، إنّما يقتضي واجباً عظيماً.
الكمال البسيط لم يعد يكفي، أي عدم ارتكاب الخطايا الجسيمة والطاعة للشريعة في قواعدها الأكثر نوعيّة. ينبغي بلوغ قمّة الكمال، اتّباع الشريعة في دقائقها الأكثر رهافة، بل حتّى أقول استباقها بشيء مِن الزيادة. مثل الأطفال الّذين لا يكتفون بالمضيّ إلى البيت الوالديّ بالسير إلى جانب مَن يقتادهم، إنّما يسبقوه وهم يجرون، بكلّ فرح، متغلّبين على التعب والعوائق في الدرب الأكثر وعورة للتمكّن مِن الوصول أسرع، ذلك أنّ حبّهم يستحثّهم.
إنّ بيت أبيكم هو في السماء؛ الحبّ هو الّذي يحثّكم، وأنتم تحلّقون، لتجاوز كلّ صعوبة للوصول بسرعة إلى السماء حيث أبوكم في انتظاركم، فاتحاً ذراعيه، مستعدّاً لعناقكم. إذاً، ليس على تلميذي الطاعة للشريعة في الأمور الهامّة الّتي فرضتُها على الجميع فحسب، ولكن عليه إفهام رغبتي، حتّى غير المعلن عنها، بأن تعملوا أقصى ما يمكنكم مِن الخير، تلك الرغبة الّتي يدركها المحبّ ذلك أنّ الحبّ هو نور ومعرفة.
سأشرح لكِ الآن نقطتين مِن الإنجيل، الواحدة مِن متّى (22 / 1 - 14) والأخرى مِن لوقا (14 / 16 - 21). في الحقيقة هو ذات الـمَثَل، إنّما قد تمّ التعبير عنه مع بعض الاختلافات. يجب عدم الدهشة مِن وجود اختلافات كهذه لدى إنجيليَّ. عندما كانوا يكتبون تلك الصفحات كانوا ما يزالون بشراً. كانوا مختارين، ولكن غير ممجّدين بعد. لذلك كان بإمكانهم ارتكاب هفوات، أخطاء، في الشكل ولكن ليس في الجوهر. فقط في مجد الله لا تعود تُرتَكب الأخطاء. ولكن للوصول كان لا بدّ لهم الكثير مِن الجهاد والألم.
واحد فقط مِن الإنجيليَّين يورد ما قلتُه بدقّة تسجيليّة. لقد كان الطاهر والمحبّ. فكّري في هذا. الطهارة والمحبّة تتمتّعان بقدرة تسمح بإدراك وتذكّر ونقل كلمتي دون أخطاء، ولا حتّى بفاصلة أو خاطرة. يوحنّا كان نَفْساً يَخطّ الحب عليها كلامه، وكان بإمكانه فعل ذلك لأنّ الحبّ لا يستقر إلاّ على القلوب النقيّة ولا يتواصل إلاّ معها، وكان يوحنا نَفْساً بتوليّة، نقيّة كنقاء قلب طفل. لم أعهد بأُمّي إلى بطرس، بل إلى يوحنّا، ذلك أنّه كان ينبغي أن تمكث العذراء مع البتول. تذكّري هذا جيّداً: إنّ الله لا يمنح جواهر روحيّة تطبع النَّفْس بتلك النَّضارة الناصعة، الّتي تلفت نظري وتحصل على كلمتي، لمن لا يتمتّعون بطهارة القلب، المحفوظة منذ الولادة أو المكتسبة بفعل شغل دؤوب على التوبة والحبّ.
إذاً، إنجيليَّ يرويان أنّ شخصيّة –الواحد يقول إنّه مَلِك، والآخر يترك المجال لمعرفة أنّه مجرّد سيّد غنيّ- أقام وليمة عظيمة، على الأرجح وليمة عرس، ودعا إليها عدداً كبيراً مِن الأصدقاء. ولكنّ هؤلاء تذرّعوا بأعذار، يقول لوقا، ويزيد متّى، لم يكترثوا للأمر. بكلّ أسف، مع إلهكم لا تتذرّعون ولا حتّى بأعذار وتجيبون غالباً على دعواته بعدم اكتراث.
حينئذ سيّد الوليمة، بعد معاقبة قليلي التهذيب، ولكي لا يبدّد الأطعمة المحضّرة، أرسل خدّامه لجلب كلّ المساكين، العرج، المقعدين، العميان الّذين كانوا حول المنزل بانتظار بواقي الطعام، أو الذين كانوا يهرعون مِن كل أنحاء البلد، يتنازعهم كل مِن الخشية والعوز. ويأمر بفتح القاعة لهم وجعلهم يجلسون إلى المائدة بعد غسلهم وإلباسهم كما ينبغي. ولكن القاعة لم تكن قد امتلأت بعد. حينئذ السيّد الغنيّ يأمر خدّامه بالخروج مِن جديد ودعوة أيّ كان، حتّى باستخدام عنف لطيف. فيدخلون هكذا، ليس فقط الفقراء الذين يجولون حول منازل الأغنياء، إنّما كذلك الّذين لم يكونوا يفكّرون بذلك، مقتنعين بعدم معرفة السيّد لهم وعدم حاجتهم لشيء.
عندما امتلأت القاعة، دخل السيّد الغنيّ ولاحظ أحد المدعوّين -لا يحدّد إذا ما كان أحد المساكين أو أحد المارّة، ولكن هذا تفصيل غير هام- كان قد نزع ثوب العرس، ما يجعل المرء يفكّر أنّه كان أحد المارّة الأغنياء والمتكبّرين وليس مسكيناً مقتنعاً بأنّه مِن ذوي العوز. حينئذ السيد المهان، لرؤيته احتقار عطائه ودوس الاحترام المفروض لمنزل المضيف، يأمر بطرده، ذلك أنّه ينبغي ألاّ يدخل أيّ شيء فاسد إلى قاعة العرس.
الآن سأشرح لكِ الـمَثَل المزدوج.
المدعوّون هم أولئك الذين أدعوهم دعوة خاصّة، نعمة مجّانيّة أمنحها كدعوة إلى الحميميّة معي أنا في قصري، كاختيار لبلاطي. المساكين، العميان، الكتع، المشوّهون هم الّذين لم يتلقّوا دعوات خاصّة وعون، الّذين، بوسائلهم الخاصّة وحدها، لم يستطيعوا الحصول أو الحفاظ على الصحّة والغنى الروحيّين، بل أيضاً الذين، بفعل تهوّرات طبعية، قد عَظَّموا بؤسهم. إنّهم، بعبارة أخرى، الخطأة المساكين، النُّفوس الضعيفة، البائسة، المشوّهة، الّتي لا تجرؤ على المثول أمام الباب، بل هي تجول حول القصر بانتظار رحمة تكون عوناً لهم. المارّة المستعجلون، الغير مكترثين بما يجري في مسكن السيّد، هم الّذين يحيون في الديانات الموحى بها نوعاً ما أو في دياناتهم الشخصيّة الّتي تُدعى المال، الأعمال، الثروات. هؤلاء يظنّون أنّهم لا يحتاجون إلى معرفتي.
والآن يحدث غالباً أن أولئك الذين أدعوهم يتجاهلون دعوتي، لا يكترثون بها، يفضّلون الاهتمام بأمور بشريّة بدل التكرّس للأمور فائقة الطبيعة. حينئذ أُدخِل المساكين والعميان والعرج والمشوّهين؛ أجعل عليهم ثوب العرس، أجعلهم يجلسون إلى مائدتي، أُعلِنهم ضيوفاً لي وأعاملهم كأصدقاء. وأدعو كذلك مَن هم خارج كنيستي، أجذبهم بإصرار وكياسة، وأُرغِمهم حتّى بعنف لطيف.
في ملكوتي توجد أمكنة للجميع، ومسرّتي هي في جعلكم تدخلون بأعداد كبيرة. ولكن الويل لمن اخترتُهم بدعوة وأهملوني، مفضّلين التكرّس لأمور عادية. والويل لمن، إذ استُقبِلوا بحسن التفات منّي حتّى وإن يكونوا غير مستحقّين له، وإذ أُلبِسوا بسموّي النعمة الّتي تُغلِّف وتلغي القباحات، ينزعون ثوب العرس، ضاربين بعرض الحائط بالاحترام تجاهي ولمسكني حيث ينبغي ألاّ يتواجد فيه شيء مهين. سوف يُطردون مِن الملكوت لأنّهم بذلك يكونون قد داسوا على عطيّة الله.
أحياناً، أرى بين الخطأة والمهتدين نفوساً جميلة وعارفة للجميل بحيث أختارها عروسات بدل أخريات دعوتُها ورفضتني.
أنتِ، يا ماريا، كنتِ مسكينة، مستعطية، جائعة، في ضيق، دون ثياب. بعد محاولتكِ بذاتكِ، إشباع جوعكِ، تسكين ضيقكِ، تغطية بؤسكِ، دون أن تتمكّني مِن ذلك، فدنوتِ مِن مسكني مدركة أنّ فيه فقط السلام والتعزية الحقيقيّة. وأنا استقبلتُكِ، واضعاً إيّاكِ مكان أخرى دعوتُها لي ورفضت النعمة، ولدى رؤيتي إيّاكِ عارفة للجميل وممتلئة مِن الإرادة الصالحة، اخترتُكِ عروساً. العروس لا تبقى في قاعة الوليمة. إنّها تلج إلى غرفة عروسها وتعرف الأسرار. ولكن الويل لكِ إذا ما استكانت فيكِ الإرادة الصالحة وعرفان الجميل. عليكِ الاستمرار بالعمل لإرضائي أكثر على الدوام. أن تعملي مِن أجلك، لشكري على دعوتي إيّاكِ. العمل من أجل النَّفْس الأخرى، الّتي رفضت العرس السرّيّ، لكي تهتدي وتعود إليّ. مَن تكون، ستعرفينها يوماً.
تغذّي الآن مِن مائدتي، البسي مِن ثيابي، استدفئي مِن ناري، استريحي على قلبي، عزّيني مِن تخلّف المدعوّين، أحبّيني عرفاناً للجميل، أحبّيني للإصلاح، أحبّيني للحصول، أحبّيني لتنامي استحقاقاتكِ. إنّني أمنح ثوب العرس للّتي أحبّها حبّاً تفضيليّاً. ولكن ينبغي للمحبوبة، بعيش حياة كمال ملائكي، أن تزيّنه باطّراد. ينبغي ألاّ تقولي أبداً: ’يكفي‘. فعروسكِ ومَلِككِ هو سيّد يتطلّب أن يكون ثوب العرس لعروسته مزيّناً بأحجار كريمة كي يكون أهلاً لترتديه المختارة المدعوّة للجلوس في قصر سيّدها.»
----------
يقول يسوع أيضاً:
«هذه المرّة، أَظهَر لكِ في هيئة أخرى. إنّ الإفخارستيا جسد، ولكنّها دم كذلك. ها أنا ذا في هيئة الدم. انظري كيف ينزف ويسيل على وجهي المشوّه، كما يسيل على عنقي، على صدري، على جلبابي، باحمرار مضاعف لأنّه مبلّل بدمي. انظري كيف يبلّل يديّ المقيّدتين وينزل إلى القدمين، وصولاً إلى الأرض. فأنا بحقّ مَن يعصر العنب الّذي يتحدّث عنه النبيّ [سفر إشعياء 63 / 1 - 6]، أنا مَن عصرني حبّي. قليلون جدّاً مَن يقدّرون قيمة هذا الدم اللامتناهية، الّذي جعلتُه يراق حتّى آخر قطرة مِن أجل الإنسانيّة، للتمتّع باستحقاقاته فائقة القدرة.
أطلب الآن ممّن يجيد النَّظر إليه والإدراك أن يقتدي بفيرونيكا ويمسح بحبّه وجه إلهه المضرّج بالدم. أطلب الآن ممّن يحبّني أن يضمّد بحبّه الجراح الّتي لا يني البشر يحدثونها فيَّ. أطلب الآن بشكل خاصّ عدم ترك هذا الدم يُفقَد، تقبّله بانتباه لا متناه، حتّى أصغر قطرة، ونشره على الّذين لا يبالون بدمي.
خلال هذا الشهر الذي يوشك أن ينتهي، كَلَّمتُكِ كثيراً عن قلبي وجسدي في السرّ المقدّس. الآن، خلال شهر دمي، سوف أجعلكِ تُصلّين لدمي. فقولي إذاً هذا:
’أيّها الدم الكلّيّ القداسة الّذي يتدفّق لأجلنا مِن أوردة الله المتأنّس، انزل كالندى الفادي على الأرض الـمُدَنَّسة وعلى النُّفوس الّتي جَعَلَتْها الخطيئة مشابهة للبُرص. ها أنا أتقبّلكَ، يا دم يسوعي، وأنثركَ على الكنيسة، على العالم، على الخطأة وعلى المطهر. فساعد، شدّد العزيمة، طهّر، أَضرِم، أُدخُل وأَخصِب، آه! يا عصارة الحياة الإلهيّة. ولا يمنعْكَ عدم المبالاة والخطيئة عن الانسياب. بل على العكس، مِن أجل قليلي العدد الّذين يحبّونكَ، مِن أجل الأعداد الهائلة مِن الّذين يموتون بعيدين عنكَ، استعجل وانثر على الجميع هذا المطر الإلهيّ لكي يتمّ المجيء إليكَ مع الثقة بالحياة، ولتكن بكَ المغفرة في الموت، ومعكَ الدخول إلى مجد ملكوتكَ. آمين.‘
هذا يكفي الآن. لعطشكِ الروحي أبسط أوردتي المفتوحة. انهلي مِن هذا النبع. ستعرفين الجنّة ونكهة إلهكِ، نكهة لن تُحجب عنكِ أبداً إذا ما عرفتِ على الدوام المجيء إليّ بشفاه ونَفْس مطهّرة بالحبّ.»
كان يسوعي قد شرع بالكلام في الرابعة فجراً، أثناء انقطاعات شبه نومي. كانت الكلمة تنزل كقطرة نور على اليقظة وتتعطّل في عودة النعاس لأنّني متعبة جدّاً، منهكة جدّاً... كان ذلك وكأنّ يسوع ينحني على سريري ويقول لي كلمة بين الفينة والأخرى. إنّما عندما حانت ساعة جلوسي وتحرّكي، مزعزعة النعاس، فتلك الكلمات الّتي كانت قد تردّدت مرّات كثيرة، كاللازمة لتهويدة روحيّة، أصبحت تسطع بحيويّة في ذهني. هاتان هما الجملتان البادئتان للمقطع الأوّل مِن هذه الفقرة: "كونوا كاملين... عيشوا ملائكة". بعدهما انسابت الجمل الأخرى. كان باقياً القليل كي يقال عندما وصلتَ (الأب ميغليوريني) مع المناولة المقدّسة. وانتهى كلّ شيء بعدها بقليل.
المقطع الثاني مِن هذه الفقرة، كما يمكنك (الأب ميغليوريني) الإدراك بسهولة، كانت رؤيا داخليّة (هل يقال هكذا؟) ليسوعي المجروح ودمه يسيل. ليس يسوع الجميل كما في المرّات الأخرى، لابساً الأبيض، مرتّباً، مهيباً، ليس الطفل المتألّق الّذي للمرّة الأخيرة، الّذي يبتسم مِن على صدر مريم.
إنّه يسوع حزين، حزين للغاية، الذي تمتزج دموعه بدمه، يسوع مرضوض، مشعث الشعر، متّسخ، جلبابه ممزّق، اليدان مقيّدتان وإكليل الشوك غائص في رأسه. أرى بوضوح الإكليل ذا الأشواك الضخمة، ليست طويلة بل كثيفة، وهي تخترق الجلد وتسحجه. على كلّ شعرة قطرة دم، ودم يسيل مِن الجبهة على العينين، على الأنف، ينزل على طول اللحية والعنق، على الجلباب، ويسقط قطرة قطرة على اليدين ويبدو أكثر احمراراً لشدّة شحوبهما، يبلّل الأرض بعد أن يبلّل القدمين. ولكن الأمر الأكثر إثارةً للحزن هو النَّظرة... تتوسّل الإشفاق والحبّ، وتُظهِر تحت وداعتها المستسلمة، ألماً لا نهائيّاً.
هنا أيضاً (كما في نصّ 23 / 06) لو كنتُ قادرة، أودّ التمكّن مِن رسمه مِن أجلكَ (الأب ميغليوريني) ومِن أجلي. لأنّ، إن لم أكن على خطأ، فما مِن لوحة ليسوع ومريم أعرفها تشبه ما أرى. لا في الملامح، ولا في التعبير. هذا بالضبط ما تفتقر إليه لوحات الفنّانين. ولكن أن أصبح أنا رسّامة... لا شيء غير مستطاع لدى الله، هذا صحيح، ولكنّ ذلك ليس بالأمر الهيّن!... وأظنّ أن الله الصالح لن يفعل ذلك، وأيضاً لأنّني لن أسرّ بذلك...