ج6 - ف117

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء السادس/ القسم الأول

 

117- (الحكمة، كونها شكلاً مِن أشكال القداسة، تمنح النور للحُكم)

 

01 / 05 / 1946

 

يسوع مُستَضاف لدى عائلة صانع الحِبال المتواضعة. إنَّ بيتهم واطِىء، تَعبق به رائحة الملح نتيجة لقربه مِن مياه البحر. خلف البيت هناك بعض المخازن التي تنبعث منها رائحة كريهة، إنّها مخازن لتجميع مختلف البضائع قبل أن يتم نقلها مِن قِبَل مختلف المشترين. أمّا أمام البيت فهناك طريق ترابيّ، متماوج بفعل العربات الثقيلة، وهو صاخب جدّاً بسبب الحَمَّالين والأولاد وسائقي العربات والبَحّارة، الذين يروحون ويجيئون بلا توقُّف. وفي ما وراء الطريق، هناك حوض قوارب صغير، قَذِر وملوَّث بفعل الفضلات التي تُرمى فيه، وأيضاً بسبب ركود مياهه. ومِن ذلك الحوض تجري قناة لتصبّ في ميناء واسع ومؤهّل لاستقبال السفن الكبيرة. مِن الجهة الغربيّة هناك باحة رمليّة واسعة، حيث تتمّ صناعة الحِبال وسط الصرير الحادّ لبكرات اللّف التي تُدار يدويّاً. أمّا مِن الجهة الشرقيّة فهناك باحة أخرى أصغر مِن الأولى، إنّما أكثر ضجيجاً وفوضى، حيث يقوم الرجال والنساء بإصلاح الشِّباك والأشرعة. وخلف تلك الباحة الصغيرة، تتوضّع أكواخ واطِئة، تَعبق هي أيضاً برائحة ملوحة شديدة، وهي مكتظّة بأطفال صغار نصف عُراة.

 

بالتأكيد لا يمكن القول إنّ يسوع كان قد اختار موضعاً فخماً كي يرتاح فيه. فهنا الذباب، الغبار، الضوضاء، الرائحة الكريهة للمياه الراكدة، ونتانة رائحة القنّب الذي تمّ نقعه بالماء قبل استخدامه، هي التي تسود. ومَلِك الملوك، يتمدّد مع رُسُله فوق قنَّب خشن، منهكاً، يغفو في هذا الموضع البائس، الكائن خلف البيت الصغير، الذي هو نصف مستودع ونصف غرفة للمهملات، والذي يمكن الدخول منه عبر باب أسود كما القطران إلى المطبخ، الذي هو أسود كذلك. ومنه، وعَبْر باب آخر نخره السوس ومهترئ بفعل الغبار والملح، بحيث يبدو بلون رماديّ ضارب إلى البياض كما لحجر الخَفّان، يمكن الخروج إلى الباحة، حيث يتمّ صنع الحِبال، وحيث تصدر الرائحة النّتنة للقنّب المنقوع.

 

إنَّ الشمس الحارقة تُلهِب الباحة رغم وجود أربعة أشجار دلب ضخمة، اثنتان عند نهاية كلّ طرف مِن طرفي الباحة المستطيلة الشكل، بحيث تتوضّع تحتها بَكَرات لفّ القنّب. لا أعرف فيما إذا كنتُ أُطلِق الاسم الصحيح على تلك الأدوات. إنّ الرجال الذين يرتدون قمصاناً بالكاد تستر عريهم، والذين يتصبَّبون عرقاً كما لو أنهَّم كانوا تحت مِرشّة ماء (دشّ)، لا يَكفّون عن مواصلة تدوير بَكَرات اللّف، كما لو أنَّهم كانوا عبيداً يجدِّفون في سفينة... وهم لا يتكلّمون إلّا لضرورات العمل. وبالنتيجة، وباستثناء صوت بكرات الفتل وصرير حُزَم القنّب التي تُفتَل، فليس هناك مصادر ضجيج أُخرى، وهذا تناقض غريب مع الضجيج الذي يصدر مِن أماكن أخرى حول بيت صانع الحِبال.

 

ثُمَّ فجأة تنطلق صيحة مِن أحد العاملين، حيث يقول مندهشاً: «ماذا؟ نساء؟ في هذا الوقت الفظيع مِن النهار؟! انظروا! إنَّهنّ قادمات إلى هنا...»

 

«قد يكنَّ بحاجة إلى حِبال لربط أزاوجنّ...» يقول صانِع حِبال شابّ مازحاً.

 

«ربّما هنّ بحاجة إلى بعض خيوط القنّب لإنجاز بعض الأشغال.»

 

«هوم! (همهمة) لا أعتقد أنهنّ يردن قنّبنا هذا، فهو خشن جداً، في حين أنَّه بمقدورهنَّ أن يحصلن عليه ناعماً!؟»

 

«إنَّ قنّبنا أرخص. ألا ترون؟ إنَّهنّ فقيرات...»

 

«إنَّما هنّ لسن عبريّات. انظروا، إنّ أرديتهنّ مختلفة...»

 

«يُحتَمَل ألّا يكنّ عبريّات. فهناك أُناس مِن كلّ الأعراق في القيصريّة هذه الأيّام...»

 

«ربّما هنَّ يبحثن عن المعلّم. قد يكنّ مريضات... انظروا كيف أنَّهنّ محجّبات بالكامل، على الرغم مِن كلّ هذا الحَرّ...»

 

«المهمّ ألّا يكنَّ مصابات بالبرص... فالفقر لا يهمّني، أمّا البرص فلا، أنا لا أريده، حتّى ولو كان إذعاناً لمشيئة الله» يقول صانع الحِبال الذي يوافقه الجميع.

 

«إنَّما ألم تسمع المعلّم؟ "يجب أن نرضى بكلّ شيء يُرسله الله لنا."»

 

«لكن ليس الله هو مَن يُرسِل البرص. فالبرص تبعثه الخطايا، الرّذائل، الأوبئة...»

 

أَصبَحَت النّسوة الآن خلفهم، إنَّما ليس خلف هؤلاء الذين يتحدّثون، والمتواجدين عند الطرف البعيد للباحة، وإنَّما خلف أولئك المتواجدين عند الطرف القريب مِن البيت، وبالتالي فقد كانوا هُم أوّل مَن يقابلهنّ، وتنحني إحداهنّ لتقول شيئاً ما لأحد صانعي الحِبال، الذي يلتفت إلى الوراء مندهشاً ويلبث كأبله.

 

«لنذهب ونستمع لما يقلنه... محجّبات لهذه الدرجة... مع كلّ أولئك الأطفال الذين لديَّ، فإنَّ البرص هو آخر ما كان ينقصني!...» يقول صانع الحِبال، الذي كان قد أَوقَفَ تدوير بَكَرة اللّف وتوجَّهَ صوب النّسوة، يتبعه رفاقه…

 

«يا سمعان، هذه المرأة تريد شيئاً ما، لكنّها تتحدّث بلغة أجنبية. وبما أنَّكَ كنتَ تسافر، فاستمع أنتَ لما هي تقوله» يقول الرجل الذي كانت المرأة قد تحدَّثت إليه.

 

«ما الذي تريدينه؟» يَسأَل صانع الِحبال بِحِدّة، محاولاً أن يراها مِن خلال الوشاح الخفيف والقاتم الذي يغطّي وجهها.

 

وتُجيبه المرأة بلغة يونانية واضحة: «مَلِك إسرائيل. المعلّم.»

 

«آه! الآن فهمتُ. إنّما... هل أنتنَّ مصابات بالبرص؟»

 

«لا.»

 

«مَن يمكن أن يؤكِّد لي ذلك؟»

 

«هو يمكنه ذلك. اسأله.»

 

الرجل يتردّد... ثمّ يقول: «حسناً. سوف أتَّكل على الله، وهو سوف يحميني... أنا ذاهب كي أستدعيه. ابقين حيث أنتنَّ.»

 

النّسوة الأربعة، ذوات الأردية الرماديّة، يبقين حيث هنّ، صامتات، تحت وقع النّظرات المتسائلة والحذرة لصانعي الحِبال، الذين تجمّعوا معاً على بُعد خطوات قليلة.

 

يَدخُل الرجل إلى المستودع ويلمس يسوع الذي كان نائماً. «يا معلّم... تعال. هناك مَن يبحث عنكَ.»

 

يسوع يستيقظ ويَنهَض على الفور سائلاً: «مَن؟»

 

«مَن يدري!... نسوة يونانيّات... إنَّهن محجّبات بالكامل... ويقلن بأنَّهن غير مصابات بالبرص وأنّه بإمكانكَ أن تؤكِّد لي ذلك...»

 

«سآتي حالاً» يقول يسوع فيما يعيد ربط سير (رباط) نعليه اللذين كان قد خلعهما، ويعيد وضع ياقة ثوبه، ويعيد عقد حزام ثوبه الذي كان قد فكّه ليكون أكثر حرّيّة خلال النوم. ثمَّ يَخرُج مع صانع الحِبال.

 

النّسوة كُنَّ على وشك البدء بالتحرّك صوب يسوع حين يخاطبهنّ صانع الحِبال: «ابقين مكانكنّ، أُحذّركنّ! لا أريد أن تَسِرن حيث يلعب أولادي... أريده أن يؤكِّد لي أوّلاً أنّكنّ سليمات.» فيتوقَّفن.

 

ينضمّ يسوع إليهنّ. أطولهنّ، وهي غير تلك التي تحدَّثت باليونانيّة، تهمس بكلمة، فيتوجّه يسوع إلى صانع الحِبال قائلاً: «لا داع للقلق يا سمعان. النّسوة سليمات، إنَّني بحاجة إلى الاستماع إليهنّ بسكون. فهل يمكنني الدخول إلى البيت؟...»

 

«لا. فالعجوز في الداخل، وهي فضوليّة وثرثارة أكثر مِن غراب العقعق. اذهب إلى هناك، إلى الآخِر، تحت عنبر أحواض النّقع. فهناك توجد غرفة صغيرة، ولا يوجد أحد، وستكون وحدكَ وفي سكون.»

 

«هيّا بنا...» يقول يسوع للنسوة. ويذهب بصحبتهنّ إلى نهاية الباحة، إلى حيث العنبر المهترئ، ويدخلون إلى غرفة صغيرة كما الزنزانة، فيها أدوات معطّلة، خِرَق، بقايا قنّب، عناكب كبيرة، وحيث رائحة أحواض النَّقع والعفونة قويّة لدرجة تحبس معها الأنفاس. يسوع، المتكدِّر إنَّما الرّصين، يبتسم ابتسامة خفيفة قائلاً: «إنّه ليس بالمكان الذي يتناسب مع ذوقكنّ... إنَّما ليس عندي مكان آخر...»

 

«إنَّنا لا نتطلّع إلى المكان، بل إنَّما نتطلّع إلى "الإنسان" الذي هو موجود الآن في المكان» تُجيب أفلاطونيا فيما هي تخلع وشاحها ورداءها، وتقتدي بها النسوة الأُخريات، وهنّ ليديا وفاليريا والـمُعتَقَة ألبولا دوميتيلّا.

 

«أَستَنتِج مِن ذلك أنّكنّ، وعلى الرغم مِن كلّ شيء، لا تزلن تعتقدن بأنَّني فقط "إنسان" بارّ.»

 

«بل أكثر مِن إنسان بارّ. وكلوديا كانت قد أَرسَلَتنا تحديداً بسبب اعتقادها بأنَّكَ أكثر مِن مجرَّد بارّ، وهي لا تعير أيّ اهتمام لما تسمعه مِن كلام. ولديها الرّغبة بأن تؤكِّد أنتَ لها ذلك، كي تُضاعِف مِن إجلالها لكَ.»

 

«أو كي تتوقّف تماماً عن إجلالي فيما إذا بدا أنَّني كما هُم يحاولون أن يُصوِّروني. إنّما بإمكانكنّ أن تؤكّدن لها بأنَّه ليس لديَّ أيّة مطامح بشريّة. فخدمتي وأهدافي هي فقط وكلّياً فائقة الطبيعة. صحيح أنَّني أريد أن أجمع كلّ البشر في مملكة واحدة. إنَّما أيّ جانب مِن البشر؟ اللحم والدم؟ لا. إنّني أترك للامبراطوريات الزّائلة ملكيّة تلك الأشياء الفانية. فمشيئتي هي أن أجمع تحت صولجاني فقط نفوس البشر، نفوساً خالدة في مملكة أزليّة. وأرفض كلّ قول -كائناً مَن كان قائله- يتعارض مع تلك المشيئة. وأتمنّى أن تُصدّقوا، وأن تقولوا لِمَن أرسلكنَّ بأنّه ليس للحقيقة سوى تأويل واحد...»

 

«ولكنّ رسولكَ كان يتكلّم بكثير مِن الثقة عندما قال لنا بأنَّ...»

 

«إنَّه شاب قد هيَّجه الانفعال. ويجب أن يُعامل على هذا الأساس...»

 

«إنَّه يضرّ بكَ! أنِّبه... اطرده...»

 

«وماذا بشأن رحمتي؟ فإن كان يتصرّف مدفوعاً بمحبّة مغلوطة. أفلا أُشفق عليه؟ وما الذي سيتغيّر فيما لو طردتُه؟ فقد يتسبّب بأذيّة مضاعفة له ولي.»

 

«إذن فهو كما كرُة حديديّة قد رُبِطَت بسِلسلة وقُيِّدَت بها قدمكَ (شرّ لا بُدّ منه)!...»

 

«بل هو ضالّ مسكين يتوجّب تخليصه...»

 

«أفلاطونيا تَخرّ على ركبتيها وتبسط ذراعيها قائلة: «آه يا معلّم! الأعظم مِن الكلّ، كم هو سهل الإيمان بأنَّكَ قدّيس عندما يتوصّل المرء إلى لمس ما في قلبكَ عَبْر كلماتكَ! كم هو سهل أن نحبّكَ ونتّبعكَ بفعل فيض محبّتكَ، التي هي أكثر عَظَمَة حتّى مِن حكمتكَ!»

 

«ليست أكثر عَظَمَة. بل أكثر قابليّة للإدراك مِن قِبَلِكنَّ... أنتنّ اللواتي قد تلوَّثت عقولكنّ بالكثير مِن الضلالات، واللواتي لا تملكن الإرادة لتطهيرها كي تستقبل الحقيقة.»

 

«معكَ حقّ. إنّ بصيرتكَ لا تقلّ عَظَمَة عن حكمتكَ.»

 

«باعتبار أنّ الحكمة شكل مِن أشكال القداسة، فهي تمنح نور البصيرة، سواء لأحداث ماضية أو لأحداث حاضرة، وأيضاً للتحذير مِن أحداث مستقبليّة.»

 

«إذن فأنبياؤكم...»

 

«كانوا قدّيسين. لذلك كان الله على تواصل معهم بقدر عظيم.»

 

«هل كانوا قدّيسين لأنّهم كانوا ينتمون إلى إسرائيل؟»

 

«ليس فقط لأنّهم كانوا ينتمون إلى إسرائيل، بل لأنّهم كانوا أيضاً أبراراً في سلوكهم. فليس كلّ إسرائيليّ هو، أو كان، قدّيساً، حتّى ولو كان إسرائيليّاً بالانتماء. فمجرّد انتماء شخص ما إلى شعب أو دِين ما بالمصادفة لا يجعله قدّيساً. صحيح أنَّ هذين الشرطين يُشكّلان عوناً كبيراً كي يكون المرء بارّاً، لكنّهما ليسا العنصر الأساسيّ للقداسة.»

 

«ما هو العنصر الأساسيّ إذن؟»

 

«إرادة الإنسان. فالإرادة هي التي توجّه أفعال الإنسان إلى القداسة إذا كانت حسنة، وإلى الشرّ إذا كانت سيّئة.»

 

«إذن... فليس مِن الإنصاف أن يقال بأنَّه لا يمكن أن يوجد أبرار بيننا.»

 

«بالتأكيد ليس مُنصِفاً قول ذلك. فحتما كان هناك أبرار بين أسلافكم، وحتماً يوجد هناك منهم حتّى في وسط مَن هُم أحياء الآن. لأنَّه سوف يكون أمراً رهيباً جدّاً فيما لو أنَّ العالم الوثنيّ بأكمله مكوَّن مِن شياطين. وأَصدُقُكنَّ القول، إنَّ أولئك الذين منكم، والذين يشعرون بالانجذاب نحو الخير والحقّ، وينفرون مِن الرذيلة، ويتجنّبون الأفعال الشرّيرة التي تحطّ مِن قدر الإنسان، هُم فعليّاً سائرون الآن نحو البرّ.»

 

«إذن كلوديا...»

 

«نعم. وأنتنَّ أيضاً. ثابرنَ.»

 

«ولكن إذا متنا قبل أن... نتبع مذهبكَ؟... فما الفائدة التي سنجنيها مِن الفضلية؟...»

 

«إنّ الله عادل في أحكامه. إنَّما لماذا التردُّد في المجيء إلى الله الحقّ؟»

 

السيّدات الثلاث يخفضن رؤوسهنّ... بُرهة صمت... ثمّ الاعتراف الـمُزلزِل، الاعتراف الذي يُفسِّر كلّ تلك القسوة وكلّ تلك المقاومة التي أظهَرَها الرومان تجاه المسيحيّة... «لأنَّنا إذا قمنا بذلك فسنكون خائنات لوطننا...»

 

«بل على العكس، فبذلك سوف تخدمن وطنكنّ، بجعله أكثر عَظَمَة أخلاقيّاً وروحيّاً، مُعزَّزاً بحضور الله فيه وحمايته له، لقوّته وثروته. فكّرن بروما، مدينة عالميّة، مدينة الدّين العالمي!... فكّرن مليّاً بذلك...»

 

يسود الصمت…

 

ثمّ تقول ليفيا وقد علاها احمرار شديد: «يا معلّم، منذ مدّة ونحن نسعى لإيجاد ما يُنبىء عنكَ أيضاً في كتابات فيرجيل (شاعر رومانيّ) لأنّه، وبحسب اعتقادنا، فإنَّ النبوءات التي لا تربطها أيّة صلات مع أيّ مِن معتقدات إسرائيل، هي ذات مصداقيّة أكبر بالنسبة لنا مِن نبوءات أنبيائكم، لأنّنا نميل إلى الظنّ بأنَّ هذه الأخيرة ربّما تكون قد تأثَّرت بمعتقدات موغِلة في القِدَم... وقد ناقشنا ذلك الأمر... مقارنين بين أولئك الذين أنبأوا عنكَ في كلّ الأزمنة، ولدى مختلف الأمم والأديان. إنّما ما مِن أحد أنبأ عنكَ بحقّ كما فعل فيرجيل... كم تكلّمنا عن الأمر في ذاك اليوم مع ديوميد أيضاً، إنّه مُعتَق يونانيّ، وهو مُنجّم عزيز على كلوديا! وقد أكَّد بأنّ ذلك قد حَدَثَ لأنَّ الزّمن كان قد حلّ، وأنّ النجوم قد أكَّدت ذلك بتحرّكاتها... وكي يدعم فرضيّته، فقد استند إلى حقيقة أنّ الحكماء الثلاثة، الذين أتوا مِن ثلاثة بلدان شرقيّة كي يعبدوكَ وقد كنتَ ما زلتَ طفلاً. إنّما ولأنّهم كانوا هُم مَن تسبّبوا بتلك المجزرة التي رَوَّعت روما... فلم يكن ذلك ليقنعنا. وأيضاً لأنّه... على مدى أكثر مِن خمسين سنة، ما عاد أحد مِن حكماء العالم قد تحدَّث عنكَ استناداً إلى تحرّكات النجوم، على الرغم مِن حقيقة أنّنا أقرب إليكَ مِن أيّ زمن مضى، بفعل حضورك الجليّ وسطنا. وعندها كانت كلوديا قد صاحت: "نحن بحاجة إلى المعلّم! هو سيخبرنا بالحقيقة، وسوف نَعلَم أيضاً مكان وجود شاعرنا الأعظم ومصيره الخالد" فهل لكَ أن تخبرنا... خدمة لكلوديا... مَكرُمة منكَ لتؤكّد لها مِن خلالها بأنّها ليس مكروهة مِن قِبَلِكَ بسبب شكّها بكَ...»

 

«إنَّني أتفهّم ردود أفعالها كرومانيّة، ولا أحمل أيّة ضغينة تجاهها. بإمكانكنَّ طمأنتها. إنّما قلن لي. إنَّ فيرجيل لم يكن عظيماً فقط لكونه كان شاعراً، أليس كذلك؟»

 

«آه! لا! فقد كان عظيماً أيضاً كإنسان. ففي وسط مجتمع فاسد وفاجر، هو كان يشعّ بنقاء روحيّ. فما مِن أحد عَرف عنه قَطّ أنّه كان فاسقاً، أو أنّه كان مولعاً بالعربدة أو الفجور. كتاباته كانت عفيفة، إنّما الأكثر عفافاً كان قلبه. إلى درجة أنّه حيث كان يقيم كان يُدعى بـ "الصّبية العذراء" استهزاءاً به مِن قِبَل الفاجرين، وتكريماً له مِن قِبَل الأنقياء.»

 

«فإذن، ألا يمكن لله أن ينعكس في النَّفْس النقيّة لإنسان عفيف، حتّى ولو كان ذلك الإنسان وثنيّاً؟ ألا تحبّ الفضيلة المطلقة الإنسان الفاضل؟ وإذا أُنعِم عليه بالمحبّة وإدراك الحقّ بسبب جمال نَفْسه النقيّ، ألا يكون قد حظي بِوَمضة إلهام مِن ضياء النبوءة؟ حيث إنَّ النبوءة ما هي إلّا الحقّ الذي تجلّى لأولئك الذين نالوا استحقاق إدراك ماهيّته، كمكافأة وكمحفّز لنيل فضيلة أكثر فأكثر عَظَمَة؟»

 

«إذن فهو كان قد تنبّاً بكَ فعلاً؟»

 

«إنَّ عقله المتّقد بالنقاء والذكاء كان قد ارتقى إلى إدراك وَمضَة معرفة تخصُّني، ويمكن القول عنه بأنّه الشاعر الوثنيّ ’البارّ‘، نَفْس تنبؤيّة (مُلهَمة) لمسيحيّ مُبكّر، كمكافأة لفضائله.»

 

«آه! عزيزنا فيرجيل!! وهل سيُكافأ؟»

 

«لقد سبق وقلتُ: "الله عادل" إنّما أنتنَّ لا تُقلّدن الشاعر بحيث تتوقّفن عند الحد الذي توقَّف هو عنده. بل امضين قدماً، لأنّ الحقّ لن يتجلّى لكنَّ كيفما كان أو بشكل مجتزأ، بل متكاملاً، وسوف يكلّمكنّ.»

 

«شكراً يا معلّم... إنّنا راحلات. إنّما كلوديا قد طَلَبَت منّا أيضاً أن نسألكَ فيما إذا كان يمكنها أن تكون ذات فائدة لكَ في مواضيع أخلاقيّة.» تقول أفلاطونيا دون أن تُعقِّب على إجابة يسوع.

 

«كما أنّها قد طَلَبَت منكنَّ أن تسألنني فيما إذا كنتُ مُنتَحلِاً (مسيحاً مزيَّفاً)...»

 

«آه يا معلّم! كيف أمكنكَ معرفة ذلك؟»

 

«إنَّني أفُوق فيرجيل والأنبياء...»

 

«هذا صحيح! كلّ شيء صحيح! بماذا نستطيع أن نخدمكَ؟...»

 

«فيما يخصّني فلستُ بحاجة سوى إلى إيمانكنّ ومحبّتكنّ. إنّما هناك إنسانة في خطر شديد، وسوف يتمّ قتل نَفْسها هذا المساء. وبإمكان كلوديا إنقاذها.»

 

«هنا؟ مَن؟ نَفْس تُقتَل؟»

 

«أحد نبلائكم يُقيم حفل عشاء...»

 

«آه! نعم! إنّيوس كاسّيوس. زوجي مدعوّ أيضاً...» تقول ليفيا.

 

«وزوجي... في الواقع، ونحن أيضاً مدعوّات. ولكن بما أنّ كلوديا لن تذهب. فنحن لن نذهب أيضاً. وفيما إذا اضطررنا للذهاب... فقد قرّرنا أن ننسحب فوراً بعد العشاء، لأنّ... حفلات العشاء عندنا غالباً ما تنتهي بعربدات ماجِنة... والتي ما عدنا نطيقها... فنمضي -بازدراء زوجات منبوذات- تاركات أزواجنا هناك...» تقول فاليريا بأسى.

 

«ليس بازدراء... إنّما بشفقة على بؤسهم الأخلاقيّ...» يُصحِّح يسوع.

 

«هذا صعب يا معلّم... فنحن نعرف ما يحدث هناك...»

 

«أنا أيضاً أعرف الكثير مِن الأشياء التي تحدث في القلوب...ومع ذلك فإنَّني أَغفُر...»

 

«أنتَ قدّيس...»

 

«وعليكنَّ أنتنَّ أيضاً أن تصبحن كذلك. مدفوعات برغبتي، ومدعومات بإرادتكنّ...»

 

«آه يا معلّم!...»

 

«نعم. أيمكنكنَّ القول بأنّ السعادة التي تشعرن بها الآن هي كتلك التي كنتنّ تشعرن بها قبل أن تتعرَّفن عليَّ، تلك السعادة الشهوانيّة الهمجيّة السقيمة التي لوثنيّات غير واعيات لحقيقة أنَّهنَّ أكثر بكثير مِن مجرّد أجساد، الآن وقد نلتنَّ بعضاً مِن الحكمة؟...»

 

«لا يا معلّم. إنّنا نُقِرّ بذلك. إنَّنا مستاءات، مؤرَّقات، كَمَن يبحث عن كنز ولا يجده.»

 

«وها هو أمامكنَّ! إنَّ ما يؤرّقكنّ هو نَفْسكنّ التي تتوق إلى النور، والتي تتألَّم بسبب تباطئكنّ... تباطئكنّ في منحها ما تُطالِب به...»

 

يسود الصمت... ثمّ، ومِن دون أن تُعقّب على ما قاله يسوع، تقول أفلاطونيا: «وما الذي يمكن لكلوديا فِعله؟»

 

«بمقدورها أن تُنقذ تلك الإنسانة. إنّها فتاة قد تمّ شراؤها بغرض المتعة مِن قِبَل الرومانيّ. إنّها عذراء، إنَّما لن تكون كذلك غداً.»

 

«إذا كان قد اشتراها... فهي مِلك له.»

 

«إنَّها ليست قطعة أثاث. فهناك روح تسكن جسدها...»

 

«يا معلّم... إنّما قوانيننا...»

 

«أيّتها النسوة: إنّما شريعة الله!...»

 

«كلوديا لن تحضر حفل العشاء...»

 

«أنا لا أطلب منها أن تذهب. أنا أطلب منكنَّ أن تقلن لها: "إنَّ المعلّم، وكي يتأكَّد مِن أنَّ كلاوديا لا تشكّ به، فإنّه يطلب منها أن تساعده مِن أجل نَفْس تلك الفتاة"...»

 

«سوف نقول لها ذلك. ولكنّها لن تكون قادرة على فِعل أيّ شيء... فَعَبدة مُشتراة... هي شيء يمكن للمرء أن يتصرّف به كما يشاء...»

 

«المسيحيّة سوف تعلّمكنَّ أنّ للعبد نَفْس كما نَفْس القيصر، بل وهي أفضل في أغلب الحالات، وبأنَّ ملكيّة تلك النَّفْس تعود لله، وأنَّه سيكون ملعوناً مَن يُفسِدها.» يسوع يبدو مَهيباً وهو يقول ذلك.

 

النّسوة يشعرن بسطوته وصرامته، ينحنين دون مجادلة، يرتدين أرديتهنّ وأوشحتهنّ ويقلن: «سوف ننقل ذلك. تحيّة يا معلّم.»

 

«وداعاً.»

 

تخرج النّسوة إلى الباحة الحارّة. إنَّما أفلاطونيا تلتفت إلى الخلف وتقول: «بالنسبة للجميع، فقد كنّا نساء يونانيّات. اتّفقنا؟»

 

«موافق. امضين دونما قلق.»

 

يسوع يبقى تحت الرواق الواطئ، فيما هنّ يرحلن سالكات ذات الدرب الذي قَدِمنَ منه.

 

صانعو الحِبال يعودون إلى عملهم…

 

يسوع يمشي عائداً إلى المستودع على مهل، إنَّه مستغرق بالتفكير، هو لا يُعاوِد الاستلقاء. إنّه يجلس على كَومة مِن الحِبال الملفوفة ويصلّي بحرارة... الأحد عشر رسولا ما يزالون يغطّون بنوم عميق…

 

يمرّ بعض مِن الوقت على تلك الحال... حوالي ساعة. ثمّ يطلّ صانع الحِبال برأسه ويومئ ليسوع بأن يأتي إلى قرب الباب. «هناك عبد يريدكَ.»

 

العبد، وهو نوميدي (أمازيغي)، هو في الخارج، حيث الساحة ما تزال عُرضَة للشمس. إنَّه ينحني، ومِن دون أن يتكلّم، يعطي يسوع لوحاً مِن الشمع.

 

يسوع يقرأ ما كُتِبَ فيه ويقول: «قل لها بأنَّني سأنتظر حتّى الفجر. هل فهمتَ؟»

 

الرجل يومئ بالإيجاب، وكي يجعل يسوع يفهم لم لا يتكلّم، فهو يفتح فمه كي يُريه بأن لسانه مقطوع.

 

«أيّها البائس المسكين!» يقول يسوع مُلاطِفاً إيّاه.

 

دمعتان تنحدران على خدّي العبد الأسود، الذي يمسك يد يسوع البيضاء بيديه السوداوين، اللتين كما لو كانتا لقرد ضخم، يمرّرها على وجهه ويُقبّلها، ثم يرمي بنفسه على الأرض، ويمسك قدم يسوع ويضعها على رأسه... لغة إيمائية كي يُعبّر بها ليسوع عن امتنانه لبادرة محبته الملآنة شفقة.

 

يسوع يكرّر: «أيّها البائس المسكين!» لكنّه لا يشفيه.

 

ينهض العبد ويومئ ليسوع كي يعيد له لوح الشمع... فكلوديا لا تحبّذ ترك أيّ أثر لمراسلاتها... يسوع يبتسم ويعيد له لوح الشمع. يغادر النوميدي، ويسوع يذهب إلى قرب صانع الحِبال.

 

«عليَّ أن أبقى هنا حتّى الفجر... فهل تسمح لي بذلك؟...»

 

«لكَ كلّ ما تريد. إنّما أنا آسف لكوني فقيراً...»

 

«يرضيني أنّكَ شريف.»

 

«مَن كنَّ أولئك النسوة؟»

 

«أجنبيات بحاجة إلى النُّصح.»

 

«صحتهنّ جيدة؟»

 

«مثلكَ ومثلي.»

 

«حسناً! ها هم رُسُلك...»

 

بالفعل، يَخرُج الأحد عشر مِن المستودع وهم لا يزالون نصف نيام، يفركون أعينهم ويتمطّون بينما يتوجّهون صوب المعلّم.

 

«يا معلّم... ينبغي لنا تناول طعام العشاء إذا كنتَ ترغب بالرحيل هذا المساء...» يقول بطرس.

 

«لا. فأنا لن أرحل حتّى الفجر.»

 

«لماذا؟»

 

«لأنّه كان قد طُلِب منّي أن أفعل ذلك.»

 

«ولكن لماذا؟ مَن طَلَبَ منكَ ذلك؟ فإنّه مِن الأفضل السير ليلاً. سيكون القمر ساطعاً...»

 

«آمُل بإنقاذ إنسانة... وهذا أكثر سطوعاً مِن القمر، وأكثر إنعاشاً لي مِن برودة الليل.»

 

بطرس يأخذه جانباً: «ما الذي حصل؟ هل قابلتَ السيّدات الرومانيّات؟ ما مدى استعدادهنّ؟ هل هُنّ سيهتدين؟ أخبرني...»

 

يسوع يبتسم: «إذا أفسحتَ لي المجال كي أجيب فسوف أخبركَ، أيّها الرجل الكثير الفضول. نعم لقد قابلتُ الرومانيّات. إنّهنّ يمضين قُدُماً صوب الحقّ، وإنْ ببطء. إنّما هنّ لا يتراجعن إلى الوراء. وهذا بحدّ ذاته إنجاز كبير.»

 

«و... بالنسبة لما قاله يهوذا... ما هي الحال؟»

 

«تقصد بخصوص استمرارهنّ باحترامي فقط كإنسان بارّ.»

 

«إنّما... بالنسبة ليهوذا؟ أليس هو المتسبّب؟...»

 

«لقد جئن لمقابلتي أنا، لا لمقابلته هو...»

 

«إذن لماذا كان خائفاً مِن لقائهنّ؟ لماذا لم يردكَ أن تأتي إلى قيصريّة؟»

 

«يا سمعان، إنّها ليست المرّة الأولى التي يكون فيها يهوذا غريب الأطوار...»

 

«هذا صحيح. و... هل ستأتي الرومانيّات الليلة؟»

 

«كنَّ قد جئن بالفعل.»

 

«لماذا إذن علينا الانتظار حتّى الفجر؟»

 

«ولماذا أنتَ فضوليّ إلى هذا الحدّ؟»

 

«كُن طيّباً يا معلم... أخبرني بكلّ شيء.»

 

«نعم، سوف أفعل... كي أزيل كلّ شكّ... أنتَ كنتَ قد سمعتَ كذلك حديث أولئك الرومانيّين الثلاثة...»

 

«نعم، سمعتُه. الأنجاس! المتعفّنون! الشياطين! إنّما ما علاقتهم بموضوعنا؟... آه! لقد فهمتُ! السيّدات الرومانيّات يردن الذهاب إلى حفل العشاء، وبعدها سوف يأتين طالبات المغفرة كونهنّ سوف يكنَّ قد شاركن في تلك القذارة... أنا مندهش لقبولكَ بذلك.»

 

«وأنا مندهش مِن تسرّعكَ في الحُكم!»

 

«اغفر لي يا معلّم!»

 

«نعم، كان حُكمكَ ليكون أفضل لو عرفت أنّ السيّدات الرومانيّات لن يذهبن إلى حفل العشاء، وأيضاً أنّني طلبت مِن كلوديا أن تتدخّل لصالح تلك الفتاة...»

 

«آه! لكن كلوديا لن تستطيع فِعل أيّ شيء! فالرومانيّ كان قد اشترى الفتاة، وهو يستطيع أن يفعل بها ما يشاء!»

 

«إنَّما يمكن أن يكون لكلوديا تأثير كبير على الرومانيّ. وهي قد أَرسَلَت تطلب منّي ألّا أرحل حتّى الفجر. هذا كلّ شيء. هل أنتَ راضٍ؟»

 

«نعم، أنا راضٍ يا معلّم. إنَّما أنتَ لم ترتَح... الآن تعال... أنتَ متعب جدّاً! سوف أسهر كي أضمن بأن تُترَك بسلام... تعال...» وبقسوة ملؤها المحبّة، يجذب يسوع ويدفعه، مُرغِماً إيّاه على التمدّد مجدّداً…

 

الساعات تمضي. الغروب يَحلّ، العمل يتوقّف، صَخَب الأطفال يزيد حدّة في الشوارع وفي الساحات الصغيرة، طيور السنونو تزعق في السماء. عتمة المساء تُلقي بظلالها الأولى على الأرض، طيور السنونو تعود إلى أعشاشها والأطفال يذهبون إلى أَسِرّتهم. الأصوات تخمد الواحد تلو الآخر، بحيث لم يَعُد يُسمع سوى صوت خفيف لتماوج المياه في القناة، وصوت أكثر ارتفاعاً لتَكَسُّر الأمواج على الشاطئ. أمّا منازل العمّال المتعبين فهي تُقفَل، الأنوار تنطفئ، ويسود السكون جاعلاً الكلّ عُمْياً وبُكْماً... منفصلين عن واقعهم... القمر يرتفع ويُلقي بنوره الفضيّ حتّى على سطح المياه القذرة لحوض القوارب الصغير، الذي يبدو الآن كما لو أنّه صفيحة مِن الفضّة.

 

الرُّسُل ينامون مجدَّداً على القنّب... أمّا يسوع، الجالس على إحدى بَكَرات اللّف ويداه في حضنه، فإنّه يُصلّي، يفكّر، ينتظر... نَظَره لا يحيد عن الشارع القادم مِن البلدة.

 

القمر يرتفع باضطراد... لقد أَصبَحَ تماماً فوق رأسه. ضجيج البحر يزداد، الرائحة الكريهة للقناة تصبح أقوى، والشعاع المخروطيّ الذي يرسمه القمر على صفحة ماء البحر، والذي يصبح أعرض فأعرض، ينتشر على كامل صفحة الماء المواجهة ليسوع، ثمّ يضيق أكثر فأكثر كلمّا ابتعد في المدى: إنّه يبدو كما لو أنّه درب نور آتٍ مِن نهاية العالم صوب يسوع، عابراً القناة، ومنتهياً في حوض السفن.

 

قارب أبيض صغير يتقدّم، إنّه يتقدّم دون أن يترك أيّ أثر على صفحة الماء، بحيث يعود الماء رائقاً ثانية فور اجتيازه... إنَّه يَدخُل القناة... وها هو الآن في الحوض السّاكن... إنَّه يتوقف، ثمّ يرسو. ثلاثة خيالات تنزل منه. رجل ضخم وامرأة، وبينهما قامة نحيلة. إنَّهم يتوجّهون نحو بيت صانع الحِبال.

 

ينهض يسوع ويمضي لملاقاتهم. «السلام لكم. عمّن تبحثون؟»

 

«عنكَ يا معلّم» تقول ليفيا فيما تكشف عن وجهها وتتقدّم وحدها. وتتابع قائلة: «كلوديا قد حقَّقَت رغبتكَ، لأنّ ذلك كان أمراً صائباً وأخلاقيّاً تماماً. تلك هي الفتاة. فاليريا سوف تأخذها لاحقاً لتجعلها مُربّية لصغيرتها فوستا. وفي انتظار ذلك هي تسألكَ أن تُبقيها معكَ، أو، وذلك سيكون أفضل، أن تعهد بها إلى أُمّكَ أو إلى أُمّ أحد أقاربكَ. إنَّها وثنيّة بالمطلق. لا بل هي أكثر مِن وثنيّة. فالسّيد الذي ربّاها لم يزرع فيها سوى العَدَم الـمُطلَق. إنّها لا تعرف شيئاً عن الأولمبس أو عن أيّ شيء آخر. بها فقط رعب رهيب مِن الرجال، لأنّ الحياة تكشَّفَت لها بكلّ وحشيتها منذ بضع ساعات فقط...»

 

«آه! كم هذا محزن! هل قد فات الأوان؟»

 

«لا، ليس مِن الناحية الجسديّة... إنّما كان قد ابتدأ يهيّئها لـ... يمكن القول: للتدنيس. والفتاة كانت مرعوبة... فقد اضطرّت كلوديا لتركها مع ذاك الشهوانيّ طوال فترة العشاء، فقد كانت تعتزم أن تتصرّف حين يُضعِف الخمر قدرته على التفكير. ولا حاجة لأن أُذكّركَ بأنّ الرجل الذي يكون شَبِقاً في عِشقه الشهوانيّ، فإنّ شبقه يكون أكثر بكثير عندما يكون ثملاً... ولكنّه بذات الوقت يصبح طيّعاً، بحيث يمكن الضغط عليه ونزع كنزه منه. وقد كانت كلوديا قد استغلَّت تلك النقطة. لأنّ إنّيوس يريد أن يعود إلى إيطاليا التي كان قد أُبعد منها كونه كان قد فَقَدَ الحظوة... وقد وعدته كلوديا بأن تعيده مقابل الفتاة. وأنّيوس ابتَلَعَ الطُّعم... إنَّما غداً، عندما يستفيق، فسوف يثور، وسوف يبحث عنها، وسوف يُحدِث اضطراباً. إنَّما حتماً سوف يكون لدى كلوديا وسيلة ما لإسكاته في الغد.»

 

«إنّما ليس بالعنف! أليس كذلك؟»

 

«آه! العنف المستخدم لأهداف حسنة هو عنف جيّد! إنّما لن يُستخدَم... فوحده بيلاطس -الذي لا يزال فاقداً للإدراك بسبب كميّة الخمر الذي شَرِبَها هذا المساء- هو مَن له سلطة توقيع الإذن وإبلاغ روما حتّى يستطيع إنّيوس المغادرة... ها! ها!... وسوف يكون عليه الانتظار كي يرحل على أوَّل سفينة حربيّة. إنّما في غضون ذلك... فإنَّه مِن الحكمة أن تكون الفتاة في مكان آخر، خشية أن يُغيّر بيلاطس رأيه ويلغي الإذن... فهو متقلّب جدّاً! وهذا أفضل للفتاة كي تنسى -إن استطاعت- النتانة البشريّة. آه يا معلّم!... لقد ذهبنا إلى العشاء مِن أجل الفتاة... إنّما كيف، وفقط منذ بضعة أشهر مضت، كانت لنا القدرة على حضور مثل تلك العربدات مِن دون أن نشعر بالقرف؟ لقد هربنا حالما حقَّقنا غايتنا... أزواجنا ما يزالون هناك يُحاكون البهائم... يا له مِن أمر مقزّز يا معلّم!... ونحن علينا أن نستقبلهم بعدما...»

 

«كُنَّ رصينات وصابرات. فَمِن خلال سلوككنَّ المثاليّ سوف تجعلن أزواجكنَّ أفضل.»

 

«آه! هذا غير ممكن!... إنَّكَ لا تعرف...» وتبكي المرأة بسبب المهانة، أكثر ممّا هو بسبب الحزن. يسوع يتنهّد. ثمَّ تستأنف ليديا قائلة: «وقد طَلَبَت منّي كلوديا أن أخبركَ بأنَّها فَعَلَت ذلك لتبرهن لكَ بأنّها تجلّكَ كونكَ الإنسان الوحيد الذي يستحقّ الإجلال. وأرادتني أن أُبلغكَ بأنّها تشكركَ على تعليمها كَمْ النَّفْس والنقاء قيّمان. وهي لن تنسى ذلك. هل تريد رؤية الفتاة؟»

 

«نعم. ومَن يكون الرَّجُل؟»

 

«إنَّه نوميدي (أمازيغي) أبكم تعتمد عليه كلوديا في المسائل الأكثر سرّيّة. إنَّه لا يُشكِّل خطر إفشاء الأسرار... فليس له لسان...»

 

يسوع يُكرّر ما كان قد قاله له بعد الظُّهر: «أيّها البائس المسكين!» وهو أيضاً الآن لا يُجري معجزة.

 

ليديا تذهب وتمسك الفتاة مِن يدها وتسحبها إلى أمام يسوع. وتشرح: «إنّها تعرف بضع كلمات لاتينية وعدد أقلّ مِن الكلمات العبريّة... حيوان برّيّ صغير... مجرَّد أداة للمتعة.» ثمّ تقول للفتاة: «لا تخافي. قولي "شكراً" له. إنَّه هو مَن أنقذكِ... اركعي. قَبِّلي قدميه. هيّا تشجَّعي! لا تخافي!... سامِحها يا معلّم! إنّها ما تزال مُروَّعة مِن المداعبات الأخيرة لإنّيوس الثَّمِل...»

 

«يا للفتاة المسكينة!» يقول يسوع واضعاً يده على رأس الفتاة الصغيرة المغطّى. «لا تخافي! سوف آخذكِ إلى أُمّي لبعض الوقت. إلى عند أُمّ، أتفهمين؟ وسوف تحظين بالكثير مِن الإخوة حولكِ... لا تخافي، أيّتها الابنة العزيزة!»

 

يا لصوت يسوع ونظراته وما يحملانه؟ فيهما كلّ شيء: سلام، أمان، نقاء، حُبّ قدسيّ. الفتاة تُدرِك ذلك. إنّها تَردُّ إلى الخلف القلنسوة والرداء كي تراه بشكل أفضل. وها هي تَظهَر القامة النحيلة لفتاة هي بالكاد على عَتَبَة البلوغ، بل التي ما تزال تقريباً طفلة صغيرة، بجمالها غير الناضج بعض الشيء، بمظهرها البريء، وقد ارتدت ثوباً واسعاً كثيراً بالنسبة لها....

 

«لقد كانت شبه عارية... لقد وَضَعتُ عليها أوّل ثوب وَجَدتُه، كما وَضَعتُ لها بعض الملابس في اللُّفافة...» تشرح ليديا.

 

«طفلة صغيرة!» يقول يسوع بإشفاق. ويَسألَها مادّاً يديه باتّجاهها: «أتريدين أن تأتي معي دونما أيّ خوف؟»

 

«نعم يا سيّدي.»

 

«لا. أنا لستُ سيّدكِ. نادِني بالمعلّم.»

 

«نعم، يا معلّم» تقول الفتاة بمزيد مِن الثقة، وتحلّ ابتسامة خجولة محلّ تعبير الخوف الذي كان يَظهَر سابقاً على وجهها الكثير الشحوب.

 

«هل باستطاعتكِ المشي لمسافات طويلة؟»

 

«نعم يا معلّم.»

 

«إذن سوف تبقين عند أُمّي، في منزلي، في انتظار فوستا... إنَّها طفلة صغيرة سوف تولَعين بها جدّاً... هل أنتِ مسرورة؟»

 

«آه! نعم!» وبثقة ترفع الفتاة عينيها الصافيتين بلونهما الرماديّ-الأزرق، اللّتين يزيدهما جمالاً حاجباها الذهبيّان. ثمّ تتجرّاً وتَسأَل: «لا عودة مجدّداً إلى ذاك السيّد؟» ووميض رعب يُعكِّرها ثانية.

 

«لا عودة على الإطلاق» يَعِدها يسوع مرّة ثانية، واضعاً يده مجدّداً على شعر الفتاة الكثيف، الضارب إلى الأشقر العسليّ.

 

«وداعاً يا معلّم. في غضون بضعة أيّام سوف نعود إلى البحيرة نحن أيضاً. وقد نلتقي مجدّداً. صلِّ لأجلّ الرومانيّات المسكينات.»

 

«وداعاً يا ليديا. قولي لكلوديا بأنَّ هذه هي الفتوحات التي أتطلّع إليها، ولا أطمح إلى شيء سواها. تعالي يا صغيرتي. سوف نرحل في الحال...» ثمّ يمسك بيدها ويتوجّه صوب باب المستودع منادياً الرُّسُل.

 

وفيما القارب يُبحِر عائداً إلى البحر المفتوح دون أن يترك أيّ أثر لمسيره. فإنّ يسوع والرُّسُل، وفي وسطهم الفتاة المتدثّرة بردائها، يمضون باتجاه الريف عبر شوارع ترابيّة فرعيّة...

 

--- نهاية القسم الأول مِن الجزء السادس ---