ج6 - ف126

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء السادس/ القسم الثاني

 

126- (مَثَل الخشب الـمُلمَّع)

 

10 / 05 / 1946

 

إنَّ موقد المشغل البسيط قد أُوقِد بعدما مضى وقت طويل جدّاً على عدم استعماله، ورائحة الغراء الذي يغلي في وعاء، تختلط مع الرائحة المميَّزة لكلّ مِن نشارة الخشب وبقايا الخشب المسحوج، والذي يتجمّع عند قوائم المنضدة.

 

يسوع يعمل بحيوية على ألواح خشبيّة، مستخدماً منشاراً ومِسحج، كي يصنع منها قوائم للكراسي، أدراجاً وأشياء أخرى. وعلى بعض قطع أثاث، وهي قطع مِن الأثاث المتواضع لبيت الناصرة الصغير، التي قد جُلبت إلى المشغل لإصلاحها: حوض العَجن، أحد نَولي مريم، مَقعَدَان، سلّم البستان، صندوق صغير، وغطاء الفرن الحجريّ، الذي أعتقد أنّه ربّما قد قرضت الفئران جزأه السفليّ. يسوع يعمل على إصلاح ما أتلفه الاستعمال والزمن.

 

توما، مِن جهته، مستعيناً بمجموعة كاملة مِن أدوات صائغ صغيرة، والتي كان قد أَخرَجَها مِن حقيبته الموجودة على سريره الصغير الموضوع قبالة الجدار كما سرير الغيور، يعمل بمهارة على بعض الصفائح الفضيّة الرقيقة. وضربات مطرقته الصغيرة على إزميل النّقش، تُصدر رنيناً فضيّاً، يختلط مع الضجّة العالية لأدوات النّجارة المستخدمة مِن قِبَل يسوع.

 

إنّهما يتبادلان بعض الكلمات مِن حين لآخر، وتوما سعيد جدّاً لوجوده هنا مع المعلّم، وبعمله كصائغ -وهذا بادٍ عليه- حيث إنّه يُصفّر بِرَويّة في الفترات الفاصلة بين تبادُل الأحاديث. ومِن حين لآخر يرفع رأسه ويُفكّر، وفيما هو غارق في أفكاره فهو يحدّق بحائط الغرفة الكبيرة الذي سوّده الدّخان.

 

يسوع يلاحظ ذلك ويَسأَل: «أتستمدّ وحيكَ مِن ذاك الجدار الأسود يا توما؟ صحيح أنّ العمل الحثيث لإنسان بارّ هو الذي جعله هكذا، إنّما لا أعتقد بأنّه يمكن أن يُلهِم صائغاً...»

 

«لا يا معلّم، ففي الحقيقة أنّ الصائغ لا يمكنه أن يَنظم أشعار الفقر المقدّس بالمعادن الثمينة، إنّما بإمكانه أن يُحاكي بمعدنه الأشياء الجميلة الموجودة في الطبيعة، وهو تشريف للذهب والفضّة بأنّ تُشكَّل منهما الأزهار والأوراق التي هي مِن ضمن الخليقة. وأنا أُفكّر بتلك الزهور والأوراق، وكي أتذكّر تفاصيلها بدقّة، فأنا أركّز هكذا وعيناي مُسمّرتان على الحائط، إنّما في الحقيقة فأنا أرى غابات ومروج وطننا، الأوراق الخفيفة، الزهور التي تُشبه الكؤوس أو النجوم، أشكال سُوق النباتات، والأغصان الـمُورِقة...»

 

«إنّكَ شاعر إذن، شاعر يتغنّى مستعيناً بالمعدن ما يتغنّاه آخر بالحبر على الرقّ.»

 

«نعم. في الحقيقة إنّ الصائغ هو شاعر ينسخ جمالات الطبيعة على المعدن. لكنّ عملنا، الفنّي والجميل، لا يقارن بعملكَ، الذي هو متواضع ومقدّس، لأنّ عملنا يخدم غرور الناس الأغنياء، فيما يخدم عملكَ قداسة المنزل ويعود بالنّفع على الفقراء.

 

«إنّ ما تقوله صحيح يا توما» يقول الغيور، الذي ظَهَرَ عند الباب المطلّ على البستان، بثوبه الذي قَصَّره، وأكمامه التي رفعها، مع مئزر مِن الأمام، وعبوة دهان في يده.

 

يسوع وتوما يستديران وينظران إليه ويبتسمان. وتوما يُجيب: «نعم، إنّ ما أقوله صحيح. ولكنّني أريد، مِن حين لآخر، أن يفيد عمل الصائغ في تزيين... شيء صالح ومقدّس...»

 

«ماذا؟»

 

«إنّه سرّ خاصّ بي. لقد كانت قد خطرت لي تلك الفكرة منذ وقت طويل، ومذ كنّا في راما كنتُ قد حملتُ معي بعض أدوات الصياغة، منتظراً هذه اللحظة... وماذا بالنسبة لعملكَ يا سمعان؟»

 

«آه! أنا لستُ بارعاً مثلكَ يا توما، إنّها المرّة الأولى التي أُمسِك فيها فرشاة بيدي، وطلائي غير متناسق، على الرغم مِن كلّ ما لديَّ مِن عزم وتصميم. لهذا فقد بدأتُ... بالأشياء الأكثر بساطة... كي أكتسب المهارة... وأستطيع أن أؤكّد لكَ بأنّ عدم مهارتي قد جعلت الفتاة تضحك عن طِيب قلب. لكنّني سعيد! إنّها تتقدّم باستمرار نحو حياة مستقرّة، وهذا ما يلزم لمحو ماضيها، وإعادة إحيائها مِن أجلكَ يا معلّم.»

 

«همم (همهمة)! ربّما فاليريا لن تتنازل عنها...» يقول توما.

 

«هل برأيكَ أنّه يهمّ فاليريا فيما إذا احتَفَظَت بها أم لا؟ وإذا ما احتَفَظَت بها، فقد يكون ذلك فقط مِن أجل ألّا تتركها تائهة في العالم. وبالتأكيد سوف يكون أمراً حسناً فيما إذا خلصت الفتاة للأبد ومِن كلّ النواحي، وخصوصاً مِن الناحية الروحيّة. أليس ذلك صحيحاً يا معلّم؟»

 

«هذا صحيح. يجب أن نصلّي كثيراً في سبيل ذلك. الفتاة هي حقّاً بسيطة وصالحة، وفيما إذا نَمَت في الحقّ، فهي يمكن أن تُثمر كثيراً. إنّها تميل غريزياً إلى النور.»

 

«إنّني أُؤيّد ذلك تماماً! فليس هناك تعزية لها على الأرض... وهي تبحث عن تلك التعزية في السماء، يا لها مِن نَفْس مسكينة! أنا أعتقد بأنّه حين ستُعلَن بشارتكَ الصالحة حول العالم، فإنّ أوّل وأكثر مَن يتقبّلها عدداً سوف يكونون مِن العبيد، أولئك الذين ليس لديهم تعزية بشريّة، والذين سوف يلجأون إلى وعودكَ كي يحظوا ببعض التعزية... وأنا أُصرّح بأنّه فيما إذا حظيتُ بشرف التبشير بكَ، فسوف أُكِنّ لأولئك البؤساء المساكين محبّة خاصّة...»

 

«وسوف تكون فاعلاً الصّواب يا توما» يقول يسوع.

 

«نعم. إنّما كيف ستصل إليهم؟»

 

«أه! سوف أعمل كصائغ للسيّدات و... وكمعلّم لعبيدهنّ. صائغ يُستدعى إلى المنازل، أو عبيد الأغنياء يأتون إليه... وسوف أعمل... على نوعين مِن المعادن: معادن الأرض للأغنياء... ومعادن الروح للعبيد.»

 

«ليبارككَ الله على مقاصدكَ الصالحة يا توما. ثابِر على ذلك...»

 

«نعم يا معلّم، سوف أُثابر.»

 

«حسناً، الآن وقد أجبتَ توما، أرجوكَ أن تأتي معي يا معلّم... كي ترى عملي وتقول لي ما الذي عليَّ أن أقوم بطلائه الآن. إنّما أشياء بسيطة مجدّداً، لأنّني مبتدئ عاجز جدّاً.»

 

«هيّا بنا يا سمعان...» يترك يسوع أدواته ويَخرج مع الغيور…

 

يعودان بعد بعض الوقت، ويسوع يُشير إلى سُلّم البستان. «اطلِ ذاك. فالطلاء يمنع الخشب مِن تَشَرُّب السوائل ويحفظه لمدّة أطول، بالإضافة إلى أنّه يجعله أكثر جمالاً. إنّ الأمر كما حماية وتجميل الفضائل لقلب الإنسان. قد يكون القلب فظّاً وقاسياً... لكن حالما تكسوه الفضائل، فإنّه يغدو جميلاً وجذّاباً.

 

اسمع، للحصول على طلاء جميل ويؤدّي وظيفته بكفاءة، فيجب العناية بالكثير مِن الأشياء. بدايةً: يجب أن تختار المواد اللازمة له بعناية. أي، وعاءً نظيفاً وخالياً مِن الشوائب ومِن أيّة بقايا لطلاء قديم، زيوتاً جيّدة وألواناً جيّدة، ثمّ عليكَ مزج المواد بأناة، والعمل عليها كي تُصبِح سائلاً لا هو كثيف جدّاً ولا هو مائع جدّاً. وعليكَ ألّا تتعجّل في العمل إلى أن تذوب أصغر كتلة مِن المزيج. وعندما يُنجَز ذلك، فعليكَ أن تنتقي فرشاة ذات شعيرات مثبّتة بإحكام، ويجب ألّا تكون لا قاسية جدّاً ولا طرية جدّاً، ويجب أن تكون الفرشاة منظّفة مِن أيّة بقايا طلاء سابق، وقبل وضع الطلاء، يجب أن تُزيل مِن الخشب كلّ خشونة، وقشور الدهان القديم، والشوائب، وكلّ شيء.

 

ومن ثمّ، بعناية، وبيد ثابتة، والكثير مِن الصبر، تمدّ الدهان، محرّكاً يدكَ بذات الاتّجاه طوال الوقت. لأنّه فوق اللّوح نفسه قد تُصادِف مقاومات مختلفة. ففوق العُقَد، على سبيل المثال، الطلاء يبقى أملساً، هذا صحيح، ولكنّه لا يغطّيها جيّداً، كما لو أنّ الخشب يرفض الطلاء. وعلى العكس، فإنّ الطلاء يثبت جيّداً على الأجزاء اللّينة مِن الخشب، إنّما بشكل عامّ، فإنّ الأجزاء اللّينة ليست ملساء جدّاً، وإذّاك تتشكّل الانتفاخات أو التشقّقات... عندئذ يجب إصلاح العيب بمدّ الطلاء بيد ثابتة.

 

أمّا بالنسبة لقطع الأثاث العتيقة التي تحوي قطعاً حديثة، مثل دَرَجة السلّم هذه على سبيل المثال. وكي لا يظهر أنّه تمّ ترقيع هذا السلّم المسكين، بل أنّه عتيق جدّاً، فيجب العمل على جعل الدّرجة الجديدة والدّرجات العتيقة متشابهة... هاكم، هكذا!» يسوع المنحني عند أسفل السلّم يعمل ويتحدّث في ذات الوقت…

 

توما، الذي تَرَكَ إزميل النقش كي يأتي قُرب يسوع ويرى، يَسأَل: «لماذا بدأتَ مِن الأسفل وليس مِن الأعلى؟ ألم يكن مِن الأفضل فِعل العكس؟»

 

«قد يبدو ذلك أفضل، ولكنّه ليس كذلك. لأنّ الجزء السفليّ هو أكثر اهترائاً، وسوف يتلف أكثر لأنّه على تماس مع الأرض. لذلك عليكَ طلائه عدّة مرّات. طبقة أولى، ثمّ طبقة ثانية، ثمّ ثالثة إذا لزم الأمر... وكي لا تضيع الوقت منتظراً الجزء السفليّ كيما يجفّ، فقم بطلاء الجزء العلويّ، ثمّ الجزء الأوسط مِن السلّم.»

 

«إنّما في سبيل القيام بذلك، قد تتلطّخ الملابس ويَفسد ما تم طلاؤه قبلاً.»

 

«إن كنتَ حَذِراً فلن تُلطّخ ملابسك ولن تُفسِد أيّ شيء. أترى؟ هذه هي الطريقة التي تفعل بها ذلك. اجمع ملابسك وقف جانباً. ليس قَرَفاً مِن الطلاء، إنّما كي لا تُفسِد الطلاء، الذي كونه موضوعاً حديثاً، فهو سريع التّلف» وبيديه المرفوعتين عالياً، يقوم يسوع بطلاء الجزء العلوي مِن السلّم.

 

ويتابع الكلام: «وهكذا عليكما أن تفعلا مع النُّفوس. في البداية قلتُ بأنّ الطلاء هو كما تجميل الفضائل لقلب الإنسان. وكما أنّ الطلاء يُجمّل ويحمي الخشب مِن ديدان الخشب، مِن المطر، مِن الشمس، والويل للمالك الذي لا يحافظ على الأشياء بِطِلائها، ويتركها لتهترئ! وعندما تتمّ ملاحظة أنّ الخشب يفقد الطلاء، فيجب عدم إضاعة الوقت، ويجب وضع طلاء جديد. يتوجّب تجديد الطلاء دائماً... كذلك أيضاً الفضائل المكتَسَبة باندفاعة أوّليّة مِن الحماس نحو الاستقامة، قد يكون نموّها ضعيفاً أو قد تتلاشى تماماً فيما إذا لم يكن المالك حَذِراً، فالجسد والنَّفْس، المكشوفين، والمعرّضين لعوامل الطقس القاسية والطفيليّات، أي، الشهوات والإلهاءات، يمكن أن يكونا عرضة للمهاجمة، ويفقدا الرداء الذي يُجمّلهما، وينتهي بهما المطاف كي يكونا... مفيدين فقط كحطب للنار.

 

لذلك فحين نلاحظ، سواء فينا أو في أولئك الذين نحبّهم مثل تلاميذنا، بأنّ الفضائل التي تسهم في الدفاع عن الأنا الخاصّة بنا قد تلاشت، أو أنّها في طريقها إلى التلاشي، فيتوجّب علينا أن نعمل على إصلاح ذلك في الحال، بعمل صبور ودؤوب، حتّى نهاية حياتنا، بحيث يمكننا أن نرقد، عندما نموت، بجسد ونَفْس جَديرَين بالقيامة المجيدة.

 

ومِن أجل أن تَضْمَنا أن الفضائل الخاصّة بكما حقيقيّة وصالحة، فعليكما أن تبدءا بعزيمة نقيّة وشُجاعة، التي تزيل كلّ قذارة وعفونة، وعليكما أن تعملا على عدم ترك أيّ نقص في بناء الفضائل، ومِن ثمّ اتّخذا موقفاً، بحيث لا يكون متصلّباً جدّاً ولا متساهلاً جدّاً، لأنّ التصلّب والتساهل هما مضرّان على السواء.

 

والفرشاة: أي إرادتكما. فلتكن خالية مِن أيّة ميول بشريّة كانت موجودة قبلاً، والتي قد تُلطِّخ المسحة الروحيّة بلطخات ماديّة، وأَعِدّا نفسيكما أو الآخرين، بالعدّة المناسبة، والتي صحيح أنّها ثقيلة، إنّما ضروريّة لتطهير الأنا العتيقة مِن كلّ برص قديم، بحيث تكون نقيّة كي تستقبل الفضيلة. لأنّكما لا تستطيعان مزج ما هو جديد بما هو قديم.

 

ثمّ تبدآن العمل: بتنظيم جيّد، بتركيز. عليكما ألّا تقفزا مِن موضع إلى آخر دون مبرّر قويّ. يجب ألّا تعملا قليلاً في اتّجاه، وقليلاً في اتّجاه آخر. صحيح أنّ الجّهد قد يكون أقلّ، لكنّ الطلاء سوف يكون غير متناسق. كما يَحدث للنّفوس المضطربة. فهي تَظهَر بحالة ممتازة، إنّما عند الاقتراب منها تبدو التشوّهات، درجات لون مختلفة... عليكما أن تُركّزا على المواضع التي تُقاوم الطلاء، على العُقَد: التشوّش الحسّيّ أو الشهوات الماجنة، والتي، وبشكل مؤكّد، يتمّ كبحها عن طريق الإرادة، والتي تصقلها -كما الـمِسحَج- ببذل الجهد، ولكنّها تبقى لتُبدي مقاومة، كما العقدة المبتورة إنّما غير الـمُزالة. والتي قد تخدع في بعض الأحيان، بحيث أنّها قد تبدو مكسوة بشكل جيّد بالفضائل، في حين أنّها مجرّد طبقة رقيقة سرعان ما تسقط.

 

احذرا مِن عُقَد الشَّبَق. اضمنا بأن تكسوها الفضيلة مراراً وتكراراً، بحيث لا تظهر مجدّداً مُشَوِّهة الأنا الجديدة. وغطّيا الأجزاء اللّينة، التي تتشرّب الطلاء بسهولة، إنّما التي تتشرّبه على هواها: وفيما إذا كان هناك انتفاخات وتشقّقات فعليكما بالغراء، مُـمَسِّدان إيّاها مراراً وتكراراً في سبيل تغطيتها بعدّة طبقات مِن الطلاء، بحيث تصبح تلك الأجزاء لامعة كما المينا المتصلِّب.

 

واحذرا مِن المبالغة. فالإفراط في المطالبة بالفضائل يجعل المخلوق يتمرّد، يغلي ويتقشّر عند أوّل صدمة. لا. ليس كثيراً ولا قليلاً. كُونا عادِلَين عندما تعملان على ذاتكما وعلى المخلوقات المكوَّنَة مِن جَسَد ونَفْس.

 

وفيما إذا، كما في معظم الحالات -لأنّ الفتيات اللواتي على شاكلة أوريا هنّ استثناء، لا القاعدة- كانت هناك قطع جديدة متداخلة مع قطع قديمة، كما لدى الإسرائيليّين، بالانتقال مِن موسى إلى المسيح، وكذلك كما الوثنيّين بفسيفساء معتقداتهم التي لا يمكن محوها بشكل مفاجئ، والتي سوف تطفو بذكريات حنين، أقلّه في الأمور الأكثر نقاءً، عندها يجب أن تكونا أكثر احتراساً وحنكة، وتعملا بجدّ على أن تكون القطعة القديمة متجانسة مع الجديدة، مستفيدَين مِمّا هو موجود لاستكمال الفضائل الجديدة.

 

فعلى سبيل المثال، الرومان يُقدِّرون إلى حدّ كبير الوطنيّة والشجاعة الرُّجولية. وهذين الأمرين يُعتَبَران ملحمَييّن. فإذن، لا تحطّا مِن قدرهما، وإنّما اغرسا فيهم روح وطنيّة جديدة، أي، روح جعل روما عظيمة أيضاً مِن الناحية الروحيّة بجعلها مركز المسيحيّة، واستفيدا مِن الرُّجولة الرومانيّة كي تُقوّيا في الإيمان أولئك الأقوياء في المعارك.

 

مثال آخر: اشمئزار أوريا بفعل تجربة قاسية يحثّها على محبّة ما هو نقيّ وكراهية ما هو غير كذلك. في هذه الحالة استفيدا مِن كِلا الشعورين كي تقوداها إلى النّقاء الكامل، بِكُره الفساد كما لو أنّه هو الرومانيّ الشَّرِس. أتفهماني؟

 

كذلك استَخدِما العادات كوسائل للاختراق. لا تَهدما بشراسة. فقد لا تحظيا حالاً بما يلزم  للبناء. بل استبدِلا شيئاً فشيئاً ما لا يجب أن يبقى في مُهتدٍ، بمحبّة، بصبر وثبات. وبما أنّ المادة تطغى على البشر، خصوصاً لدى الوثنيّين، فحتّى ولو اهتدوا، فَهُم دائماً على تماس مع العالم الوثنيّ الذي يعيشون فيه، فعليكما أن تُصِرّا على ضرورة تجنّب الملذّات الشهوانيّة. فكلّ شيء يأتي عبر الشهوانيّة. راقبا الأحاسيس الهائجة لدى الوثنيّين، والتي، ولنعترف بذلك، هي قويّة جدّاً أيضاً لدى شعبنا، وعندما تلاحظان أنّ الاحتكاك مع العالم يُفسد الطلاء الواقي، فلا تُواصِلا طلاء الجزء العلويّ، بل عودا إلى الجزء السفليّ، موازِنين بين الروح والنّفْس، أي بين الجزء العلويّ والجزء السفليّ. إنّما ابدأا دوماً بالجسد، أي بالرذائل المادّيّة، كي تُهيّئا النّفْس لاستقبال الضيف الذي لا يمكنه التواجد في الأجساد النَّجِسة، ولا مع النُّفوس التي تَبعَث النتانة بفعل الفساد الجسديّ... هل تفهمانني؟

 

ولا تخافا مِن أن تُفسَدا فيما إذا لامستما بردائكما الأجزاء السفلى، أي الأجزاء المادّيّة، التي لأولئك الذين تُعالِجان أرواحهم. تصرّفا بحكمة، كي تستمرّا بالبناء طوال الوقت بدلاً مِن إحداث الخراب. عيشا مُستَغرِقَين في أناكم المتغذّية مِن الله، المكسوّة بالفضائل، امضِيا بوداعة، خصوصاً حين يكون عليكما أن تعتنيا بالأنا الروحيّة الأكثر حساسية للآخرين، وبالتأكيد سوف تنجحان في تحويل حتّى أكثر الكائنات وضاعة إلى مخلوقات جديرة بالسماء.»

 

«يا لهذا الـمَثل الرّائع الذي رويتَه لنا! أريد أن أكتبه مِن أجل مارغزيام!» يقول الغيور.

 

«ولي أنا، حيث ينبغي أن أكون جميلة بكلّ كياني مِن أجل الربّ» تقول على مهل أوريا مُحاوِلة إيجاد الكلمات، والتي كانت واقفة -حافية القدمين- منذ بعض الوقت عند باب البستان.

 

«آه! أوريا! هل كنتِ تستمعين إلينا؟» يَسأَل يسوع.

 

«لقد كنتُ أستمع إليكم. إنّه بغاية الروعة! هل أسأتُ التصرّف؟»

 

«لا يا فتاة. هل أنتِ هنا منذ وقت طويل؟»

 

«لا. وأنا بغاية الأسف لأنّني لا أَعلَم ما قُلتَه قبلاً. أُمّكَ أَرسَلَتني كي أقول لكَ بأنّ الطعام سوف يكون جاهزاً قريباً. إنّ الخُبز على وشك النّضوج. لقد تعلّمتُ الخَبز... كم ذلك ممتع! وتعلّمتُ تبييض الكتّان، وأُمّكَ رَوَت لي مَثَلين مُستَمَدَّين مِن الخُبز والقماش.»

 

«حقّاً؟ ماذا قالت؟»

 

«بأنّني مثل الطحين الذي لا يزال في المنخل، وأنّ صلاحكَ ينقّيني، نعمتكَ تعمل فيَّ، تبشيركَ يصقلني، محبّتكَ تُنضِجني، وبأنّني إن سلّمتكَ ذاتي لتعمل عليها، فسوف أنتهي مِن طحين خشن مخلوط بالكثير مِن النخالة، إلى أن أكون طحيناً نقيّاً، طحيناً وخبز تضحية، جديراً بالمذبح. وكما أنّ الكتّان، الذي كان قاتماً، مُشحّماً وخشناً، والذي بعد الكثير مِن العشب الزيتيّ (الصابوني)، وبعد الكثير مِن ضربات الإماتة، قد أَصبَحَ نظيفاً وناعماً، وسوف تسطع عليه الشمس الآن، وسوف يغدو أبيضاً... فقد قالت أنّ ذلك هو ما ستفعله شمس الله بي، فيما إذا لبثتُ تحت الشمس دوماً، وإذا ما قبلتُ التطهير والإماتات كي أكون جديرة بـمَلِك الملوك، بكَ، يا ربّي. يا للأمور الجميلة التي أتعلّمها... يبدو لي أنّني أحلم... مُبهِج! كلّ شيء جميل هنا... لا ترسلني بعيداً ياربّ!»

 

«ألا ترغبين بالذهاب مع ميرتا ونُعْمي؟»

 

«أُفضّل البقاء هنا... إنّما... أيضاً معهما. إنّما ليس مع الرومان، لا، يا ربّ...»

 

«صلّي، يا صغيرة!» يقول يسوع واضعاً يده على شعرها الأشقر-العسليّ. «هل تعلّمتِ الصلاة؟»

 

«آه! نعم! كم هو جميل قول: "أبي!" والتفكير بالسماء... لكنّ مشيئة الله تخيفني بعض الشيء... لأنّني لا أعرف فيما إذا كان الله يريد ما أنا أُريد...»

 

«الله يريد خيركِ.»

 

«أحقّاً ما تقول!؟ إذن ما عدتُ خائفة... أشعر بأنّني سأبقى في إسرائيل... كي أتعرّف أكثر فأكثر على أبي ذاك... و... لأصبح التلميذة الأولى مِن بلاد الغال، يا ربّ!»

 

«إيمانكِ سوف يستجاب لأنّه صالح. لنذهب...»

 

ويخرجون كلّهم باتّجاه الحوض الذي تحت نّبع الماء كي يغتسلوا، بينما تركض أوريا نحو مريم، وصوتيهما الأنثويين يُسمَعان: صوت مريم، الذي ينطلق بطلاقة، فيما الصوت الآخر متردّد، صوت يُحاول إيجاد الكلمات. ويمكن سماع أصوات الضحكات العالية عندما يُرتَكَب خطأ لغويّ، والذي تصحّحه مريم بلطافة…

 

«الفتاة تتعلّم بشكل جيّد وبسرعة» يلاحظ توما.

 

«نعم. إنّها صالحة ومُفعَمة بالعزيمة.»

 

«ومِن ثمّ! ومع وجود أُمّكَ كمعلّمة!... فحتّى الشيطان لن يقوى على مقاومتها!...» يقول الغيور.

 

يسوع يتنهّد مِن دون أن يتكلّم…

 

«لماذا تتنهّد هكذا يا معلّم؟ ألم أُحسِن القول؟»

 

«بلى، لقد أحسنتَ القول تماماً. إنّما هناك بَشَر أكثر مقاومة مِن الشيطان، الذي هو على الأقلّ يهرب في حضور مريم. هناك بَشَر قريبون منها، والذين بالرغم مِن أنّهم تتلمذوا على يديها، إلّا أنّهم لا يتقدّمون...»

 

«إنّما ليس نحن، صحيح؟» يقول توما.

 

«لا، ليس أنتم... لنذهب...»

 

يَدخُلون إلى البيت وينتهي كلّ شيء.