الدفاتر: 30 / 06 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(30 / 06 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«هل تعلمين ما معنى أن تكون يداي مقيّدتين، هل تعلمين مَن يقيّدهما لي؟ هل تعلمين لماذا هناك الكثير مِن الألم في نظرتي، الكثير مِن التّعب في وجهي؟ هل تعلمين ما الّذي أطلبه مِن الّذين يُحسِنون النّظر إليّ؟

 

يداي قيّدهما الشيطان بوساطة الخطأة. لم تسيئي الفهم. أكرّر: قيّدهما الشيطان بوساطة الخطأة.

 

ستقولين: ’ولكن أيا ربّي، كيف يمكن أن يكون هذا وأنتَ الله؟‘

 

أنا إله الرحمة والغفران، أنا الله القادر، أبو النِّعَم. ولكنّ الخطيئة تشلّ قدرتي على منح النِّعَم، رحمتي، غفراني. ذلك أنّني، إن كنتُ الرحمة، النِّعمة والغفران، فأنا كذلك العدل. أُعطي إذاً كلّ واحد ما يستحقّ. وإذا فكّرتِ بعدل، عليكِ أن تعترفي بأنّني أمنح دائماً نِعَماً بأكثر ممّا تستحقّون.

 

إذا ما ارتكبتم الإساءات التي ترتكبونها بحقّي ضدّ سُلطة أرضيّة، حتّى وإن يكن مجرّد مأمور بلديّة، فستعاقبون بالسجن. وإذا كان الأمر بحقّ سلطة أعلى، فستعاقبون حتّى بفقدان حياتكم. وهذه السلطات ليست سوى بشر مساكين مثلكم، والّذين لا يبقون في السلطة إلاّ الفترة الّتي أسمح أن يكونوا فيها كما استحقاق لكم، كما اختبار لهم، وتقريباً دائماً كما عقوبة لهم. استحقاق لكم: الطاعة والصبر. اختبار لهم: عدم إساءة استخدام السُّلطة، عدم التكبّر، معتبرين أنفسهم أنصاف آلهة، أو آلهة، عندما يرون الجموع يتصرّفون بإشارة منهم ومستعدّين للهتاف ’هوشعنا‘. لا يوجد سوى إله واحد، وهو الله. عقوبة لهم: فأن يبقى صاحب سُلطة شريفاً، ضمن الأشكال الألف للشّرف، لهو أكثر صعوبة مِن أن يخلص غنيّ. ولذلك فإنّ مجدهم البشريّ هو المجد الوحيد الّذي ينالونه. قليلون جدّاً هم أصحاب السُّلطة الّذين يبلغون المجد الأبديّ.

 

الذنوب المستمرّة، التي تزداد خبثاً على الدوام، الّتي يرتكبها الناس، بتحريض مِن عدوّي وعدوّكم، تقيّد رحمتي، نعمتي، وغفراني. هذا ما تعنيه يداي المقيّدتان. ومَن هم الّذين يقيّدونهما بحبل الشرّ: الشيطان وأبناؤه. ويداي تودّا البقاء حرّتين لتغفرا، لتُضمّدا، لتعزّيا، ولتباركا.

 

آه! أنتم يا مَن تحبّونني، فكّوا بحبّكم قيود يديّ! كفّروا، كفّروا، أيا محبوبيّ، أصدقائي وأولادي الأعزّاء للغاية، عن الإهانة الّتي لحقت بيديّ إلهكم، أبيكم وفاديكم. الحبّ لهيب يبيد السلاسل ويحرق القيود، معيداً الحريّة ليديّ المقيّدتين. ارحموا ألمي، أنتم يا مَن تحبّونني، وارحموا إخوتكم وأخواتكم البرص الّذين ليس لهم سوى يديّ لتشفياهم.

 

نظري ممتلئ ألماً مِن أجل كلّ الإهانات الّتي تلحق بي في سرّي المقدّس وشريعتي. شريعة مُداسة، سرّ مدنّس. هل قرأتِ؟ هل سمعتِ؟ هل لاحظتِ؟ إنّ مذبح السرّ مضروب دائماً. ألا ترين في ذلك بصمة الشيطان؟ وفكّري بالتالي مِن أجل فرحكِ: إذا أمكن إيجاد الوعاء المقدّس الّذي يحويني سليماً بين الأنقاض، وتمّ رفعه بكلّ الإجلال الواجب، فذلك لأنّ قلباً، أو أكثر، بعيداً عن المكان المضروب، إنّما يتعبّدونني أنا-الإفخارستيا، قد حوّلوا بصلواتهم ضربة الشيطان المباشرة. هذه القرابين الّتي تنقذونها، يا أيّتها النُّفوس المتواضعة والـمُحِبّة الّتي تصلّي لسرّي، تحمل لكم الثمار ذاتها الّتي لاتّحاد الحبّ.

 

التعب بادٍ على وجهي، لأني أرى بوتيرة متزايدة كم كان موتي بلا جدوى بالنسبة لكثيرين مِن البشر، ولأني أرى، بوتيرة متصاعدة أنّ لا شيء -لا كلمات، ولا معجزات، ولا عقوبات، ولا نِعَم- يُجدي لجعلهم يدركون أني أنا هو الله، وأن الخير والسلام لا يُوجدان إلا في الله. وحين يكون الواحد مُتعب ومُثقل بالحزن، فإن الذين يحبّونه يمنحونه الحنان تعزيةً، والراحة تخفيفاً. هذا ما أطلبه منكِ، وممّن يحبّونني.

 

إنّني منفيّ مِن الكنائس والقلوب. عندما كان ابن الإنسان حاجاً على الأرض، لم يكن له حجر يسند إليه رأسه. والآن وقد أصبحت قلوب البشر حجارة، فهل لي أين أسند رأسي؟ لا. فقط القلّة القليلة، النادر جدّاً مِن قلب وفيّ. الباقون معادون لصديقهم وفاديهم.

 

افتحوا لي إذاً قلبكم، أنتم يا مَن تحبّونني. وَفّروا ملجأ لإلهكم الّذي يبكي مِن الألم على البشريّة الخاطئة، واسوا مَن يمنح ذاته في ذبيحة أبديّة، والذي هو غير مفهوم. أنا، يسوع، سآتي مع كلّ نِعَمي وسأجعل مِن القلب الوفيّ جنّة صغيرة.»

-----------

 

يقول يسوع أيضاً:

 

«مِن ضمن ’الثروات‘ الّتي يجب التجرّد منها لاتّباعي والّتي أوردتُها لكِ (إملاء 26 -06)، هناك واحدة أخرى أيضاً. وهي الأكثر ارتباطاً بالروح والّتي يؤلم انتزاعها أكثر مِن سلخ الجلد. إنّها الأحاسيس، تلك الثروة الحيّة. ومع ذلك، حبّاً بي، يجب إجادة التجرّد منها كذلك.

 

أنا لا أدين الأحاسيس. على العكس، لقد باركتُها وقدّستُها بالشريعة والأسرار. ولكنّكم على الأرض مِن أجل كسب السماء. فالسماء هي مقامكم الحقيقيّ. وما خلقتُه هنا في الأسفل لأجلكم يجبّ أن يُنظَر إليه مِن خلال عدسة العلاء. ما منحتُكم إيّاه يجب أن تقبلوه معترفين بالجميل، ولكن أن يعاد سريعاً بناء على طلبي.

 

أنا لا أدمّر غناكم الوجدانيّ. بل آخذه مِن الأرض لأزرعه في السماء. هناك سيعاد بناء الروابط العائليّة المقدّسة، الصداقات الطاهرة، كلّ هذه الأشكال مِن العواطف الشريفة والمباركة، تلك الّتي أنا، ابن الله المتجسّد، أردتُها لنفسي والّتي أعلم كم هي عزيزة جدّاً. ولكن إن تكن عزيزة، عزيزة جدّاً، فهي ليست أعزّ مِن الله والحياة الأبديّة.

 

إنّ مَن، أمام عاطفة تحطّمت، لا يعرفون أن يتلفّظوا بأجمل كلمة لأبناء الله، لا يُظهِرون إيمان حقيقيّ بالله العذب الّذي في السماوات، بل يتمرّدون. ولا يفكّرون بأنّني، إذا ما أعطيتُهم هذا الألم، فبالتأكيد لأمنع عنهم آلاماً أشدّ ولأوفّر لهم استحقاقاً أعظم.

 

أنتِ كذلك لم تعرفي أن تقولي: ’ليكن الأمر كما تشاء!‘ كان لا بدّ مِن مرور سنوات قبل أن تقولي: ’شكراً، يا أبي، على هذا الألم‘. إنّما أتظنّين أنّ يسوعكِ كان يترككِ تعانينه لو لم يكن خيراً؟ فكّري الآن وأدركي. ولكن كم لزمكِ مِن الوقت لتفعلي ذلك! كنتُ أدعوكِ، كنتُ أحاول جعلكِ تفهمين السبب. ولكنّكِ لم تكوني تنصتين لإلهكِ. كانت ساعة الظلمات للعقل والنَّفْس.

 

لا تسأليني: ’لماذا سمحتَ بذلك؟‘. إذا سمحتُ بذلك فليس بدون غاية. أُحدّثكِ عن ذلك هذا المساء حيث تتألّمين زيادة. إنّني معكِ بالضبط لأنّكِ تتألّمين. أرافقكِ. إنّما تذكّري أنّه لم يكن معي أحد ساعة التجربة، كان عليّ اجتيازها وحدي، أمّا أنتِ فقد حظيتِ بي دوماً إلى جانبكِ، حتّى حين لم تكوني ترينني لأنّ روح الشرّ كان يبلبلكِ لدرجة منعكِ مِن رؤية وسماع يسوعكِ.

 

الآن، إن قلتُ لكِ أنّ تقبّل الابن لموت أبيه يخفّف المطهر عليه، أنّ مسامحة الابن أخطاء الأب، الحقيقية إلى درجة ما، هو تسكين لتلك النَّفْس، فسوف تصدّقين ذلك. إنّما سابقاً، كنتِ تضطربين وتبدّدين الخير الّذي كنتِ تفعلينه.

 

التخلّي عن غنى إحدى العواطف بغية اتّباع مشيئتي دون ندم بشريّ هو كمال التخلّي الموصى به لشابّ الإنجيل.

 

تذكّري هذا ما بقي مِن حياتكِ. إنّ أب مثلي لا يعطي أبداً أيّ شيء ضارّ لبنيه. حتى لو بدا ظاهر الأمر أنّ مَن يطلب قبلة قد تلقّى حجراً، فإنّ هذا الحجر هو مِن الذهب الخالص والأبديّ. ويعود للنَّفْس التعرّف عليه والاحتفاظ به على هذا الشكل، وهي تلفظ الكلمة الّتي جذبتني مِن السماوات إلى أحشاء مريم ووضعتني على الصليب لافتداء العالم: لتكن مشيئتكَ»