الدفاتر: 14 / 06 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(14 / 06 / 1943)
بعد المناولة
يقول يسوع:
«أوّلاً اسمعي ما أقوله لكِ وثمّ، طاعة للأب (ميغليوريني)، ستنسخين الدرس حول الأشخاص المكرَّسين.
هل تعلمين لماذا، يا ماريا، قد أنيرت لكِ أمور هي مخصّصة لكِ وحدكِ؟ لأنّكِ لم تكتفي باتّباع يسوع إلى العلّية، ولكنّكِ دخلتِ بعد عروس ألمكِ، حتّى غرفة التعذيب. يتطلّب الأمر الكثير مِن السخاء، الكثير مِن المحبّة، الكثير مِن الإيمان لعمل ذلك، وأنا أعرف أن أكافئ هذه ’الامتلاءات‘ الثلاثة.
عندما ألقي القبض عليَّ، إنّ الرُّسُل والتلاميذ، الّذين عرفوا أن يتبعوني وقد أقسموا على الوفاء لي حتّى وقت كسر الخبز، قد هربوا. اثنان فقط تبعاني، يوحنّا الحبيب وبطرس المندفع. ولكن بطرس، كما جميع المندفعين، قد تحطّمت عزيمته عند أوّل صخرة صعوبة وخوف، ووقف عند الباب. يوحنا، المفعم حبّاً، تحدّى الجميع وكلّ شيء، ودخل.
لقد تحلّى يوحنا بالشجاعة وقتها أكثر منه في بقيّة حياته. وفيما بعد، طوال مدّة رسالته، نال المساندة مِن الروح القدس، والمساعدة خلال السنوات الأولى مِن أُمّي، معلّمة الثبات والتبشير. عدا عن ذلك، فقد كان قد ثبت في الإيمان بفعل قيامتي، بالمعجزات الأولى، بفعل رؤيته انتشار مذهبي أكثر فأكثر.
ولكنّ في تلك الليلة كان وحيداً. كان ضدّه جمع هائج، والشيطان ينفخ شكوكه ليستجرّ الآخرين، خاصّة المؤمنين، إلى الشكّ الّذي هو الخطوة الأولى نحو الإنكار. كان ضدّه خوف جسده، الذي كان يستشعر الخطر الذي يحيق بالمعلّم، والذي كان يشعر بذات الخطر يزحف على أتباعه.
لكنّ يوحنّا، الحبّ والطهارة، بقي ودخل على أثر معلّمه، عروسه، مَلِكه. مَلِك الألم، عروس الألم، ومعلّم الألم.
طالما أنّ النَّفْس لا تقبل الولوج في ’سرّ الألم‘ الّذي أنا، المسيح، قد تجرّعتُه بمكيال كامل، فلا يمكنها الادّعاء بمعرفة مذهبي في العمق، ولا الحصول على استنارات تتأتّى مِن الاستنارات الصغيرة الممنوحة للجميع.
إنّ شعاعات نور خاصّ تنبثق مِن جبهتي المكلّلة بالأشواك، مِن يديّ المثقوبتين، مِن قدميّ المسمّرتين، مِن صدري الممزّق. ولكنّها تمضي إلى أولئك الذين يثبّتون النَّظَر على جراحي وعلى ألمي، ويجدون الألم والجراح أبهى مِن أي شيء آخر قد تم خلقه.
الوسم بجراحي ليس دامياً دائماً. إنّما كل نَفْس تحبّني لدرجة اتّباعي في العذاب والموت الّذي هو حياة، هي نَفْس تحمل في قلبها وفي روحها جراحي. إنّ شعاعاتي هي أسلحة تجرح وأنوار تضيء. هي نعمة تلج وتحيي، هي نعمة تثقّف وترفع. إنّني أعطي الجميع بدافع مِن صلاحي، ولكنّني أعطي بلا نهاية للّذين يسلّمون لي ذواتهم بالكامل. وآمني بحقّ أنّه إن كانت أعمال الأبرار قد كُتِبت في الكتاب العظيم الّذي سيُفتح في اليوم الأخير، فأعمال الّذين يحبّونني حتّى المحرقة، أعمال الضحايا الطوعيين الّذين، على شبهي، يقدّمون ذواتهم لفداء إخوتهم وأخواتهم، هي مكتوبة في قلبي ولن تُمحى أبد الدهر.
مِن جهة أخرى، مِن الطبيعيّ أن لا تتمكّني مِن تفسير كيف يحصل أنّ بعض الأمور الخاصّة، المحفوظة لكِ وحدكِ، منارة جيّداً. لا تحاولي حتّى تفسير ذلك. ستكونين كمن يقول كلاماً كثيراً ولا يقول شيئاً. هي أمور تُقبل ولا تُفسّر، ولا حتّى لذاتكِ. إنّها تُقبل ببساطة الأطفال، بساطة الحمام.
نقدّم لقريبنا ما يقول لنا يسوعنا الطيّب أن نقدّمه له، ونحتفظ لأنفسنا بالباقي، كأقحوانة ثمينة مُغلَق عليها في القلب، مع محاولة استحقاق المزيد مِن خلال حياة مغمورة بالمحبّة، الإيمان، السخاء والطهارة.»
ما سُمع في 10 / 06 وكُتب اليوم 14 / 06
يقول يسوع:
«صلّي، قدّمي وتألّمي كثيراً مِن أجل كهنتي. إنّ ملح كثير قد أصبح غثّاً، والنفوس تعاني مِن ذلك وقد فقدت طعمي وطعم مذهبي.
منذ مدّة وأنا أقول لكِ ذلك، ولكنّكِ لا تريدين سماعه. لا تريدين كتابته. تعرضين عن ذلك. أتفهّم السبب. ولكنّ كثيرين قبلكِ تكلّموا عنه، بوحي منّي، وقد كانوا قدّيسين. لا فائدة مِن إغماض العينين وسدّ الأذنين كي لا يرى المرء ولا يسمع. فالحقيقة تصرخ حتّى في الصمت. تصرخ بالأفعال الأقوى مِن الكلمات.
لماذا ما عدتِ تردّدين صلاة ماريا مادلين دي باتسي1؟ قد كنتِ سابقاً تردّدينها باستمرار. لماذا لا تقدّمين جزءاً مِن آلامكِ اليوميّة مِن أجل الكهنوت كلّه؟ تصلّين وتتألّمين مِن أجل نائبي الرسوليّ. هذا حسن. تصلّين وتتألّمين مِن أجل بعض المكرّسين والمكرّسات الّذين يتوسّلون إليكِ أو الّذين لديكِ تجاههم واجب عرفان جميل خاصّ. هذا حسن. ولكنّه غير كافٍ. ومِن أجل الآخرين ماذا تفعلين؟ لقد أضفتِ نيّة الألم مِن أجل الكهنة يوم الأربعاء. هذا لا يكفي. ينبغي أن تصلّي مِن أجل كهنتي كلّ يوم وتقدّمي جزءاً مِن آلامكِ لهؤلاء. لا تكلّي أبداً مِن الصلاة لأجلهم حيث أنّهم المسؤولون الرئيسيّون عن حياة المؤمنين الروحيّة.
إذا كان مؤمناً عاديّاً يكفي لأن يعمل مِن أجل عشرة لتحاشي العثرة، فعلى كهنتي أن يعملوا مِن أجل مائة، مِن أجل ألف. عليهم أن يتشبّهوا بمعلّمهم في الطهارة، والمحبّة، بالتخلّي عن أمور العالم، في التواضع وفي السخاء. بدلاً مِن ذلك، فالتراخي ذاته في الحياة المسيحية الّذي نجده لدى المؤمنين العاديين، نجده لدى كهنتي، وعلى العموم لدى كلّ المكرّسين بنذور خاصّة. ولكنّني سأتكلّم عن هذا فيما بعد. (في إملاء 15 / 06)
الآن أتحدّث عن الكهنة، أولئك الّذين حازوا على الشرف الأسمى المتمثّل بإدامة تكرار تضحيتي على المذبح، لمسي، ترديد إنجيلي.
ينبغي لهؤلاء أن يكونوا لهيباً. إنّما هم ليسوا سوى دخان. يفعلون ما عليهم فعله بمشقّة. لا يتحابون ولا يحبّونكم كما رعاة عليهم أن يكونوا على استعداد لتقديم ذواتهم بالكامل، كذلك وصولاً للتضحية بحياتهم، مِن أجل نعاجهم. إنّهم يأتون إلى مذبحي وقلبهم ممتلئ بهموم هذا العالم. يقدّسونني وفكرهم في مكان آخر، وحتّى المناولة لا تشعل في روحهم تلك المحبّة الّتي ينبغي أن تكون متأجّجة لدى الجميع، إنّما الّتي ينبغي أن تكون بغاية الاضطرام لدى كهنتي.
عندما أفكّر بالشمامسة، بكهنة الكنيسة الكاتاكومبية2، وأقارنهم بمن هم اليوم، أشعر بإشفاق لا نهائيّ عليكم، أنتم جموعي الّتي تبقى دون أو بكمّية شحيحة جدّاً مِن غذاء كلمتي.
أولئك الشمامسة والكهنة كان يقف ضدّهم مجتمع خبيث بأكمله، كانت تقف ضدّهم السلطة الحاكمة. أولئك الشمامسة والكهنة كان عليهم ممارسة رسالتهم وسط صعوبات لا حصر لها؛ أقلّ تصرّف غير محسوب كان بإمكانه جعلهم يقعون في أيدي الطغاة ويقودهم إلى الموت المروّع. رغم ذلك كم كان فيهم مِن المحبّة، مِن الإيمان، مِن الطهر، مِن البطولة! لقد جعلوا مِن دمائهم وحبّهم ملاطاً لبناء الكنيسة الناشئة وجعلوا مِن كلّ قلب من قلوبهم مذبحاً.
الآن هم يتألّقون في أورشليم السماويّة كمذابح عديدة أبديّة أستريح عليها، أنا الحمل، وأُسرّ بهم. هم، المجاهرون بإيمانهم بي الجسورون، الأنقياء الّذين عرفوا غسل قذارات الوثنيّة الّتي أُشبِعوا بها سنوات وسنوات قبل اهتدائهم إلى الإيمان، والتي كانت تقذفهم بوحلها حتّى بعد اهتدائهم، مثل محيط مِن الحمأة بمواجهة صخور راسخة.
كانوا قد تطهّروا بدمي وأتوا إليّ متسربلين بأثواب بيض مزيّنة بدمائهم السخيّة وبمحبّتهم الجيّاشة. ولم يكن عليهم ثياب خارجية ولا علامات لحربهم الكهنوتيّة، قد كانوا كهنة بالروح.
الآن، الثوب الخارجي موجود ولكنّ القلب لم يعد ينتمي إليّ.
أشفق عليكم، أيا قطعان بلا رُعاة. لأجل ذلك ما زلتُ أحبس صواعقي: لأنّني أشفق. أعرف أن الكثير ممّا أنتم عليه يتأتّى مِن كونكم محرومين مِن الدعم.
قليلون جدّاً هم الكهنة الحقيقيّون الّذين يبذلون حتّى أنفسهم لأجل أبنائهم! لم تكن أبداً، كما هي الآن، ضرورة الصلاة إلى ربّ الحصاد كي يرسل فَعَلة حقيقيّين إلى حقله، حيث يفسد الزرع كون عدد الفَعَلة الحقيقيّين الّذين لا يكلّون غير كاف، الفَعَلة الذين يثبت عليهم نظري مع البركات وحبّ لانهائيّ وشاكر.
أودّ لو أستطيع القول لكلّ كهنتي: ’تعالوا يا خدّامي الأوفياء والصالحين، ادخلوا إلى فرح ربّكم!‘
صلّي مِن أجل الكهنة والإكليروس الديريّ.
اليوم الّذي لا يعود فيه كهنة حقيقيّين، فإن العالم سيعرف نهاية لا يمكن للكلمات أن تصف هولها. سيكون زمن ’رجسة الخراب‘ يحلّ، إنّما سيحلّ بعنف مهول يستجلب جهنّماً على الأرض.
صلّي وقولي للآخرين أن يصلّوا لكي لا يصبح الملح غثّاً في الجميع ما عدا في واحد، في آخر شهيد سيكون حاضراً القدّاس الأخير، لأنّ كنيستي المجاهدة ستكون حتّى اليوم الأخير والتضحية ستكون قد تمّت.
كلّما كان عدد الكهنة الحقيقيّون أكثر في العالم عندما يكتمل الزمن، كلّما كان زمن ضدّ المسيح وكانت الاختلاجات الأخيرة للجنس البشريّ أقصر وأقلّ قسوة. ذلك أنّ ’الأبرار‘، الّذين أتحدّث عنهم عندما أعلن عن نهاية العالم، سيكونون الكهنة الحقيقيّين، المكرّسين الحقيقيّين في الأديرة المنتشرة على الأرض، النفوس الضحايا، جمع الشهداء المجهولين الّذي تعرفهم عيني فقط بينما العالم لا يراهم، وأولئك الّذين يتصرّفون بطهر إيمان حقيقيّ. وهؤلاء الأخيرين سيكونون، حتّى دون علمهم، مكرّسين وضحايا.»
----------
1- ولدت ماريا مادلين دي باتسي في فلورنسا-إيطاليا في 2 نيسان 1566، وتربّت في بيت مسيحي على الفضيلة والتقوى. فكانت تحرم نفسها من بعض المأكولات لتطعم الفقراء، وكانت قد نذرت نذر البتولية الدائمة مذ كان عمرها عشر سنوات وكانت تجيب والديها عندما عزما على تزويجها: "أفضّل الموت على أن أخون وَعدي لعريسي يسوع المسيح". ولما تيقّن والداها مِن دعوتها الرهبانيّة، سمحا لها بدخول الرهبانيّة. فاعتنقت الحياة الرهبانيّة في دير الراهبات الكرمليّات في فلورنسا وكان ذلك في اليوم الاول مِن شهر كانون الأوّل سنة 1582.
2- انفصلت عن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية الرسمية بسبب خلافات حول التعاون مع الحكومة السوفيتية. خلال فترة الاضطهاد السوفيتي، كانت تخدم في السر، وتقوم بالطقوس والخدمات الدينية في أماكن مخفية.