الدفاتر: 25 / 06 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(25 / 06 / 1943)
يقول يسوع:
«يا ماريا، لا تقلّدي أبداً الناس البائسين الّذين يحتدّون مِن أجل أمور هي محض أرضيّة. إنّهم يضرّون بعضهم البعض، يقتلون بعضهم، يؤذون أنفسهم بألف طريقة مِن أجل أمور لا أهمّية حقيقيّة لها، إنّما التي هي عظيمة فقط في فكرهم الأرضي القاصر.
في ملكوتي فضاءات شاسعة! المساكن الّتي بنيتها فيه لمختاريّ لا نهاية لها!
عيشي، عيشي للروح ودعي عنكِ كل ما ليس روحاً. إنّها ليست سوى نفايات لا أهمّيّة لها. يجب أن تتحرّري منها كلّها، حتّى الأصغر منها. كوني نفساً طليقة، حرّة، خفيفة، رشيقة.
قلّدي العصافير التي خلقتُها. يكفي السنونو، ليرتاح مِن طيرانه الطويل، قشّة على قمّة موجة. ويكفي العندليب، ليغرّد، غصن هشّ على قمّة شجرة. فحتّى ولو كان البحر هائجاً، فالسنونو لا يغرق؛ فالقشّة كافية لحمله حتّى موعد طيرانه التالي. وحتّى ولو كانت أشعّة الشمس قليلة بين الأوراق، فالغصين كاف للعندليب ليجد خيط شمس ويغرّد.
استخدمي أنتِ أيضاً الأمور الأرضيّة على مثال العندليب والسنونو. كمرتكزات تساعد، إنّما ليست جوهرية مِن أجل الطيران والتغريد، ويمكن الاستغناء عنها دونما تأسف عندما لا تعود تخدم. ذلك أنّ الجناح والحنجرة هما ما يؤدّيان الطيران والتغريد، وليس القشّة أو الغصين.
الأمر ذاته بالنسبة إلى النّفوس. فليست الأرض هي الّتي تمنح السماء، بل السماء هي الّتي تمنح الأرض، وعليكم استخدام الأرض للقفز نحو السماء، وليس لترسيخ الجذور الخبيثة لتعلّق خاطئ بأمور غير أبديّة. فقط الله وأموره أبديّون ويستحقّون تعلّقكم.
عندما أوحيتُ للأب (ميغليوريني) أن يطلب منكِ كتابة سيرتكِ الذاتية، فعلتُ ذلك لأنّني كنتُ عالماً أن هذا يعود عليكِ بالخير. لقد لفظتِ، أثناء كتابتها، كلّ المرار، كلّ السمّ، كلّ التخمّرات التي أثقلت بها الحياة كاهلكِ. لقد تطهّرتِ منها. كنتِ بحاجة لتردّدي على ذاتكِ كلّ ما عانيتِ منه وقول ذلك إلى قلب مسيحيّ. هذا أكثر ما يواسي المرء طوال كونه إنساناً. كنتِ بحاجة، أقولها هكذا، لفعل محاسبة روحيّة لتري كم أعطيتِ لله وكم تلقّيتِ منه، وكم أعطيتِ للبشر وكم تلقّيتِ منهم.
باتّخاذ أمور الحياة كل واحدة على حدة، تكون إمّا سوداء للغاية، أو ورديّة للغاية، وأحيانا يخطئ المرء في تقديرها. إنّما بترتيبها كلّها، بدمجها مثل قطع موزاييك، فيمكن رؤية أنّ الأسود ضروريّ كي لا يظهر الورديّ صفيقاً جدّاً. يرى المرء أنّ كلّ شيء يدخل بتناغم في المصير المراد لكم مِن الصلاح نفسه، وأنّ ما تلقّيتموه يفوق بما لانهاية له ما قدّمتموه، لله كما للقريب. حينئذ يسقط الكبرياء، الأنانية، الكراهية، وتصبح النَّفْس ممتنّة، متواضعة، مُحبّة وتتوصّل إلى المسامحة الكاملة.
آه! الّذين يسامحون! هم نسختي الأكثر شبهاً بي لأنّني أنا قد غفرتُ للجميع، وما زلتُ أغفر. حينذاك يصبح الإنسان روحيّاً.
هاك لماذا أردتُ أن تتعرّضي لهذا الاختبار المضني كذلك. لقد تألّمتِ لدى تذكّركِ ولدى كتابتكِ، ولكنّ نفسكِ تحرّرت مِن الكثير مِن البشريّة الّتي كانت تعيق ارتقاءكِ مِن خليقة بالغة البشريّة إلى خليقة روحيّة. لقد فعلتِ كما تفعل فراشة تخرج مِن شرنقتها: الغلاف الّذي كان يسجن روحكِ سقط مثل شيء ميت ونفسكِ فتحت جناحيها.
الآن اعرفي كيف تحافظين عليهما مبسوطتين كي تبقين في الأعالي وفي شعاع الله. بينما الباقي، أنصتي إليه كما صدى، شاهديه كما انعكاس: لتكن كلمتي هي الصوت الوحيد في قلبكِ ويسوعكِ هو الوحيد الّذي ترينه. ومِن ثمّ سآتي أنا وسيحلّ السلام اللانهائي؟»