الدفاتر: 18 / 07 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(18 / 07 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«لقد قلتُ لكِ (في إملاء 16 / 07) أنّني سأشرح لكِ كيف أنّ حبّنا يَثقُل مِن ساعة لساعة.

 

لا تقعي في خطأ التأويل. في الله، كلّ شيء موجود بحاضر أزليّ. وكلّ شيء كامل ومُتمَّم. ولكنّ الله لا يكون أبداً في سكون. إنّه فاعل على الدوام. سوف أعرض لكِ مقارنات بشريّة للإيضاح بشكل أفضل.

 

الأقانيم الثلاثة الّذين يتحابّون، ويحبّون عملهم، هم مثل ينابيع حرارة تتلاقى في نقطة واحدة، حيث تتدفّق منها بعد ذلك على الكون كلّه. الآن، ما الذي تنتجه حرارة مصادر نار ثلاثة، تُطلِق بشكل مستمرّ أمواجاً مِن الحرارة نفسها (بالقدرة ذاتها منذ البداية)؟ إنّها تُنتِج تنامي الحرارة في الوسط الّذي تصبّ فيه التيّارات الثلاثة. ومِن ثمّ، إذا ما استُقبِلت هذه الحرارة بأدوات جاهزة لاستقبالها، يحصل التوازن بين الإنتاج والانسكاب. ولكن إذا كانت الأدوات، معاقة بأجسام أخرى، ترفض استقبالها، يختلّ التوازن. وفي الحياة الطبيعيّة، يمكن لهذا أن يسبّب الكوارث.

 

هذا يحدث أيضاً في الحياة فائقة الطبيعة. أيمكن ألاّ تكوني قد اختبرتِ ذلك؟ حبّكِ، غير المعروف وغير المقبول، ألا يتعاظم في قلبكِ، مُضيّقاً عليه إلى درجة الانفجار أحياناً في فورة سخط عادل؟ أقول عادل، لأنّي أنا عادل. وأقول كذلك: إنّما تجاوزيه، مِن أجل المحبّة. وإذا أمكن أن يحدث هذا لكم، أنتم الّذين تمتلكون حبّاً محدوداً، فما يكون حال الله الّذي كلّ ما فيه لانهائيّ؟

 

إنّ حبّنا، الّذي يرفضه الكائن البشريّ، يتعاظم، يتعاظم ويتعاظم…

 

آه! يا للبشر البؤساء! لقد حان الوقت الّذي يَهدر فيه الحب غَضباً، سائلاً لماذا مثل هذا الاحتقار. والأزمنة الحاضرة هي أولى انتفاضات هذا الحب الـمُحَقَّر الّذي، مِن منطلق العدل والاحترام لكماله، لم يعد يحتمل الإهانة. لهذا السبب أبحث، مثل متسوّل، عمّن يفتح قلبه لحبّنا الشديد جدّاً ويجعل مِن نفسه الضحيّة، موافقاً على أن يبذل نفسه ليعزّي الحبّ. ما أقدّمه إنّما هو محرقة، أعلم ذلك، أُدركه. ولكن لا تفرّوا مِن ذلك، أنتم يا مَن لم تُباعوا بعد للعدوّ.

 

ليس لأحد، مهما كان ضئيلاً وعديم الأهمّيّة، مهما كان خاطئاً، أن يظنّ بأن حبّنا قد أقصاه. إنّه رحمة. ويمكنه ويشاء أن يجعل مِن النُّفوس الأكثر بؤساً نجوماً متألّقة في سمائه.

 

تعالوا إليَّ جميعكم، مساكين، ملطَّخين، ضعفاء، وسأجعل منكم ملوكاً. تعالوا إليَّ، أنتم جميعاً يا مَن، مِن بؤسكم، عرفتم إدراك عظمتي، ومِن ظلماتكم نوري، ومِن نقصكم كمالي، ومِن أنانيّتكم صلاحي.

 

تعالوا! ادخلوا في حبّي ودعوه يدخل فيكم. أنا الراعي الّذي تألّم حتّى الموت مِن أجل النعجة التائهة، ولأجلها مَنَحتُ دمي. أيا نعاجي، لا تخافوا إذا كانت ثيابكم ملطّخة ومشكوكة بالعلّيق، إذا كانت أجسادكم مجروحة. افتحوا فقط فمكم، نَفْسكم لحبّي واستنشقوه. وستكونون أبراراً تجاه الله وتجاه أنفسكم، ذلك أنّكم تَمنحون العزاء لله والخلاص لأنفسكم.

 

تعالوا، أيّها الكرماء الّذين تحبّونني، اسحبوا كما في شبكة إخوتكم وأخواتكم الّذين ما يزالون متردّدين. إذا ما كنتُ أطلب الدخول في الجميع كي أمنح الراحة للحبّ المرفوض، فلكنّ أيّتها النُّفوس الضحايا أطلب أن تعطين ذواتكنّ بالكامل لي، لصنيعة حبّي الجارف، الذي يبدو مُدمِّراً على الأرض، إنّما الخالق لمجد بالغ السموّ بحيث لا يمكنكنّ تصوّره.

 

كم ستكون متألّقة هذه النُّفوس الّتي ستستقبل حبّ الله لدرجة استنفاذ الذات! ستتألّق كما تألّق حبّي الّذي سيبقى فيها: ناراً وحجراً كريماً أبديّاً بتألّق إلهيّ.»

***

 

يقول يسوع أيضاً:

 

«هل تعلمين ما ينبغي لكِ عمله لنيل خير مِن أُمّكِ؟ أن تتصرّفي بطريقة معاكسة. أي: في مواجهة عدم صبرها، ضعي صبركِ؛ أمام طريقتها الجائرة وغير الصادقة برؤية الأمور، (تضيف الكاتبة بقلم الرصاص: بالفعل، استخدم يسوع هنا كلمة أكثر جلاء إنّما يؤلمني أن أكتبها.) ضعي صدقكِ؛ أمام تمرّدها، ضعي خضوعكِ؛ أمام عداوتها، ضعي حبّكِ، أمام ضيق خلقها، ضعي إذعانكِ الفَرِح.

 

هكذا تُكتَسب النُّفوس: بنهج التضادّ. إنّما لا تفكّري أبداً بجعلها تفهم ذلك. اعملي بصمت مقدّمة كلّ شيء لي. مُتّحدَين سننال ما نناله. ولكن حتّى ولو لم يفد هذا في شيء، فستكونين قد عملتِ واجبكِ وستنالين المكافأة.»

***

في المساء، فوراً بعد ذهاب الأب (ميغليوريني)

 

يقول يسوع:

 

«لا. للآن، ما أقوله لكِ ينبغي أن يخدمكِ أنتِ والأب. تعلمين كيف تتصرّفين.

 

في ما يخصّ الأب، أنا جدّ، جدّ مسرور مِن استخدامه لكلامي مِن أجل ذاته، مِن أجل نَفْسه، في عظاته، لتوجيه ومواساة نفوس أخرى، كهنوتية أو غيرها. إنّما ينبغي ألاّ يَكشف المصدر، حالياً.

 

واحد مِن أعظم الآلام الّتي أختبرها هو رؤية العقلانية المفرطة تتسرّب إلى القلوب، حتّى إلى القلوب الّتي تدّعي الانتماء لي. إنّه لمن غير المفيد إعلام الكهنة بعطيّة عظيمة كهذه. فبالتحديد وسطهم موجودون أولئك الّذين، أثناء وعظهم عنّي وعن معجزاتي الماضية، يُنكِرون قدرتي، تقريباً كما لو لم أعد المسيح القادر بعد على التحدّث إلى النُّفوس السقيمة، لأنّها محرومة مِن كلمتي، تقريباً كما لو كانوا يسلّمون بعدم قدرتي في هذا الزمن على اجتراح المعجزات وتفعيل قدرة النعمة في أحد القلوب.

 

الإيمان هو علامة نقاء علاوة على الإيمان. الإيمان هو ذكاء إضافة إلى الإيمان. الّذي يؤمن بعقل وطهر يميّز صوتي ويتقبّله.

 

الآخرون يُماحِكون، يُجادِلون، ينتقدون، يُنكِرون. ولماذا؟ لأنّهم يعيشون في الثقالة وليس بالروح. يتعلّقون بالأشياء الّتي وجدوها وينسون أنّها صادرة عن كائنات بشريّة لم ترى دائماً بشكل صائب، وحتّى ولو رأوا بشكل صائب وكتبوا بشكل صحيح، فقد فعلوا ذلك مِن أجل زمنهم وقد فُهِموا بشكل مغلوط من الأجيال اللاحقة. هم لم يفكّروا بإمكانيّة أن تكون لديّ أمور أخرى أقولها، تلائم حاجات الأزمنة، وأنّي حرّ في قولها لمن أشاء وكيفما أشاء، فأنا الله والكلمة الأزليّة ولا أكفّ مطلقاً عن كوني كلمة الآب.

 

أقوم بمحاولاتي الأخيرة لإضرام النفوس الّتي لم تعد نفوساً حيّة، بل آليّات متحرّكة، بلا عقل ولا محبة. منذ مطلع هذا القرن، الأخير مِن الألفيّة الثانية، وعملي هو معجزة محبّة في محاولة لخلاص الجنس البشريّ للمرّة الثانية، بشكل خاص النفوس الكهنوتيّة الّتي بدونها يكون خلاص الكثيرين مستحيلاً. سأعوّض عن المنابر الخاوية أو الّتي لا يتردّد فيها سوى كلمات رنّانة بلا حياة حقيقيّة. لكن قلّة هم الذين يستحقّون أن يفهموني. قلّة حتّى بين كهنتي.

 

لذلك فليتصرّف الأبّ على هذا الأساس. فليستقِ ويسترشد بكلامي، لنفسه، وللجميع، إنّما فليعمل خاصّة على إضرام المحبّة في القلوب، كذلك في قلوب زملائه.

 

علوم أقلّ ومحبّة أكثر. كُتُب أقلّ وإنجيل أكثر. ونور في النُّفوس ذلك أنّني أنا نور. تنحية كلّ شيء لإفساح المكان للنور.

 

أيقول الأب أنّهم أرض متعذّر بلوغها؟ قليل هو هذا القول: أنّهم أرض معادية، وهذا ألم عظيم لي.»