الدفاتر: 23 / 06 / 1943
دفاتر 1943
ماريا فالتورتا
I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS
MARIA VALTORTA
الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.
(23 / 06 / 1943)
الساعة التاسعة والدقيقة العاشرة
يقول يسوع:
«في اللقاء الإفخارستيّ الآخر (إملاء 20 / 06)، جعلتُكِ ترين ما هي الإفخارستيا. اليوم سأريكِ حقيقة إفخارستيّة أخرى. إذا كانت الإفخارستيا هي قلب الله، فمريم هي كأس القربان لهذا القلب.
انظري إلى أُمّي، كأس القربان الأبديّ الحيّ الّذي نزل فيه الخبز الآتي مِن السماء. مَن يبغي أن يجدني، وأن يجدني في ملء صفاتي، عليه البحث عن عَظَمتي، قدرتي، ألوهيّتي، في وداعة، في طهارة، في محبّة مريم. فهي الّتي تجعل مِن قلبها كأس القربان لقلب إلهها وإلهكم.
جسد الربّ صار جسداً في أحشاء مريم، وأُمّي هي الّتي تمنحكم إيّاه مع الابتسامة كما تمنحكم طفلها الصغير المحبوب المودع في مهد قلبها الأموميّ الفائق الطُّهر. إنّها مسرّة لمريم، في السماء، أن تمنحكم ابنها وأن تمنحكم ربّها. ومع ابنها تمنحكم قلبها البلا دنس، هذا القلب الّذي أحبّ وتألّم لدرجة لا نهائيّة.
هناك ظنّ شائع أنّ أُمّي لم تتألّم سوى معنويّاً. لا.. إنّ أُمّ الفانين قد عرفت كلّ أنواع الألم. ليس لأنّها استحقّت ذلك -كانت بريئة مِن الخطيئة ولم تكن تحمل تركة آدم المؤلمة- إنّما لأنّها، كونها الشريكة بالفداء وأم لكلّ الجنس البشريّ، كان عليها استنفاذ التضحية كاملة وبكلّ أشكالها. لذلك عانت، كونها امرأة، الآلام الحتمية الّتي لا بدّ منها لامرأة تحبل بولد: عانت مِن تعب الجسد المثقل بوزني، عانت1 وهي تجعلني أرى النور، عانت أثناء الهروب المستعجل، عانت مِن قلّة الطعام، مِن البرد، مِن الحرارة، مِن العطش، مِن الجوع، مِن التعب، ومِن الفقر. لماذا لا تتألّم إذا ما كنتُ أنا، ابن الله، قد خضعتُ للآلام الخاصّة بالبشريّة؟
أن يكون الناس قدّيسين لا يعني إعفاءهم مِن شقاءات المادّة. علاوة على ذلك، أن يكونوا فاديين، يعني أن يكونوا خاضعين على وجه الخصوص لشقاءات الجسد الحسّاس ضدّ الألم. يتمّ إنجاز وبلوغ القداسة والفداء بكلّ السُّبل، حتّى مع آلام الأسنان، على سبيل المثال. يكفي أن يجعل المخلوق مِن الشقاء الجسديّ أداة استحقاق لذاته وليس أداة خطيئة.
أنا ومريم جعلنا مِن شقاءات الطبيعة البشريّة أحمال فداء لكم. والآن أيضاً أُمّي تتألّم عندما تراكم متمرّدين عليَّ، صامّين آذانكم للغاية عن النعمة. إنّ القداسة، أكرّر، لا تعني الاستبعاد عن الألم، بل على العكس، فرض الألم.
اشكري إذاً مريم، الّتي تعطيكِ إيّاي مع ابتسامة أُمّ، مقابل كلّ الألم الّذي فرضته عليها حقيقة كونها أُمّي. لا تفكّرون أبداً أن تقولوا شكراً لمريم الّتي صرتُ جسداً في أحشائها! هذا الجسد الذّي أمنحكم إيّاه الآن غذاء للحياة الأبديّة.
هذا كافٍ: تأمّليني واعبديني، مشعّاً في الإفخارستيا، في العرش الحيّ الّذي هو حضن مريم، أُمّي وأُمّكم الكلّيّة الطُّهر.»
----------
الآن أشرح أنا. الأحد، لا، الجمعة 18، كان يبدو لي أنّني أرى يسوع إلى جانب سريري؛ لقد نوّهتُ لحضركَ (الأب ميغليوريني) عن ذلك. ولكنّه لم يكن يفعل شيئاً. الأحد 20 ، قبل مجيئكَ، وأثناء وجودكَ وبعد مجيئكَ مِن أجل المناولة، كان يبدو لي أنّني أرى يسوع، ليس بعد بجانب سريري، إنّما عند آخر السرير، حيث كان هو يقدّم لي القربانة. ولكن لم يكن هناك قربانة في يديه: كان يمسك بقلبه الّذي كان يمنحني إيّاه كقربانة نازعاً إيّاه مِن الصدر. كان مهيباً وبالغ العذوبة. ثمّ، شرح لي معنى تلك الرؤيا. مِن المؤكّد أنّكَ وجدتَه في الدفتر بتاريخ 20 / 06.
هذا الصباح شاهدتُ السيّدة العذراء. كانت تبدو جالسة، تبتسم بحبّ، إنّما بحزن. تضع رداء داكن ينسدل مِن الرأس، مفتوح على ثوب داكن أيضاً، يبدو بنّياً. حول خصرها حزام داكن. وكأنّها درجات ثلاث للّون البنّيّ. على رأسها، تحت الرداء، المفروض أنّها كانت تضع وشاحاً أبيضاً لأنّني أستشفّ منه خطّاً أبيض.
في وسط صدرها تشعّ قربانة كبيرة وبهيّة جدّاً. و -الأمر الّذي يشكّل الجانب الأكثر إدهاشاً في الرؤيا- يبدو أنّ طفلاً جميلاً جدّاً يظهر مِن خلال مادّة القربانة (الّتي تشبه بلّوراً صخرياً رائعاً: إنّه خبز ولكنّه يشبه بلّوراً صخريّاً ساطعاً). الطفل-الإله الذي صار جسداً.
السيّدة العذراء، الّتي أبقت ذراعيها مفتوحين لتبقي الرداء مفتوحاً، تنظر إليّ، ثمّ تحني وجهها ونظرها المتعبّدين للقربان الّذي يتلألأ في صدرها. في صدرها وليس على صدرها. وكأنّني، بأشعّة X فائقة الطبيعة، كان بإمكاني رؤية ما بداخل صدر مريم، أو بالأحرى، كما لو أنَّ أشعّة X كانت تجعل ما بداخل مريم يظهر إلى الخارج. يكاد يكون الأمر كما لو كان لها جسداً بلا عتامة. لا أُحسِن شرح ذلك.
بالمختصر، إنّني أرى ذلك ويسوع يشرحه لي (في إملاء 20 / 06). العذراء لا تتكلّم. تبتسم فقط. ولكنّ ابتسامتها معبّرة كما ألف كلمة، بل وأكثر بعد.
كم وددتُ أن أُحسِن الرسم لنسخ رؤياي وإظهارها لكم. وبالأخصّ، أودّ جعلكم ترون السطوعات المختلفة. إنّها ثلاثة سطوعات: السطوع الأوّل، ذو عذوبة هادئة، تَتَشكَّل مِن جسد مريم؛ إنّه الغلاف الخارجيّ والحافظ للسطوع الثاني، الحيّ والمشعّ، المتأتّي مِن القربانة الكبيرة. أقول، لاستخدام العبارات البشريّة، نوراً ظافراً، الذي يشكّل كما غلاف داخليّ للجوهرة الإلهيّة الّتي تتلألأ مثل لهب سائل ذي جمال لا يوصف، والّذي، بجماله اللامتناهي، هو بالغ العذوبة: إنّه الطفل يسوع المبتسم بجسده الغضّ والبريء، بطبيعته كإله وعمره الطفوليّ على السواء.
التألّق الثالث، تحت ستار التألّقين الآخرين، لا يمكن وصفه بأيّة مقارنة. يجب التفكير بالشمس، القمر، النجوم، أخذ كلّ الأنوار المختلفة للكواكب ومنها جعل دوّامة واحدة فقط مِن النور الّذي مِن الذهب المسال، مِن الماس المسال، وهذا يعطي صورة باهتة عمّا يراه قلبي في هذه الساعة مِن الغبطة. فما يكون يا ترى الفردوس المغلّف بهذا النور؟
كذلك، ما مِن مقارنة مؤهّلة للتعبير عن عذوبة ابتسامة مريم، الملكيّة، المقدّسة، العفيفة، الـمُحِبّة، الحزينة، الداعية، الـمُشفِقة... هي كلمات تعبّر عن عن أمر والمفروض أن تعبّر عن ألف للتقريب ممّا تكون هذه الابتسامة البتوليّة، الأموميّة، السماويّة.
----------
1- مِن المفروض أن يُفهم ذلك على ضوء إملاءات (07 و 15 و 27 / 09 ، 07 و 20 / 11 ، 20 / 06) ، وإملاءات (08 و 18 و 25 و 29 / 12). علاوة على ذلك، في العمل العظيم حول حياة الربّ الّذي كتبته ماريا فالتورتا [أنا هو]، يمكن قراءة أنّ الأمومة الإلهيّة للعذراء لم تحمل في ذاتها أيّ ألم جسديّ، فهذا هو ثمرة الخطيئة الأصليّة، الوصمة الّتي عُصمت منها؛ ولكن كون مريم الشريكة بالفداء فقد عانت كلّ أنواع الألم، الّتي يسبّبها البشر والظروف، حتّى فيما له صلة بالحمل والولادة البتوليّان.