الدفاتر: 20 / 07 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(20 / 07 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«اكتبي إذاً. في الفائق الطبيعة، يجب عدم الخوف على الإطلاق. مَن يُملي عليكِ يعرف ما يقال، ومَن يقرأكِ يفهم لأنّني وضعتُه في ظروف الفهم. فضعي جانباً كلّ التحفّظات البشريّة. تذكّري أنّكِ الناطقة باسمي، وبالتالي عليكِ قول ما أمليه عليكِ دون التفكير، بشرياً، بالانطباع الّذي يمكن أن يتكوّن لدى الآخرين بشأنه.

 

إذاً: الأسباب الّتي لأجلها جعلتُ مِن بطرس رئيس الكنيسة، بدلاً مِن جعل يوحنّا الحبيب رئيساً لها، هي أسباب متعدّدة وكلّها صائبة. فلا تضعوا حبّ بطرس وحبّ يوحنا في الميزان لاستنباط السبب الموجب لاختياري. فأوزانكم ومقاييسكم لا يُعتدّ بها في السماء. لقد كانا حبّين مختلفَين كما كانت خصالهما، عمرهما، شكل الحبّ مختلفة. حبّان مختلفان إنّما متّجهان نحو الهدف ذاته، أنا، وكانا عزيزين في عينيّ بنفس الدرجة. احذفوا إذاً الـ (لكن) والـ (إذا) مِن الحبّ من هذا الأمر.

 

كان بطرس الأكثر نضجاً بين الرُّسُل، وكان محترماً بالفعل كرئيس مِن قِبَل الصيّادين الآخرين، الّذين أصبحوا رُسُلاً فيما بعد؛ هو، كما قلتُ (في الإملاء السابق)، كان عارفاً الحياة في كلّ ثناياها المنيرة والمظلمة؛ كان متمتّعاً بقوّة الشخصيّة، بالجسارة وبنَزَق كان ضروريّاً في تلك الظروف. لقد عرف، مِن خلال تجربته القاسية، ضعف ساعة، وأمكنه إدراك ضعفات الآخرين في ساعات الشكّ والخطر.

 

لقد سبق أن قلتُ: لم يكن هو من أحبّني بالأكثر. كان قد أحبّني بكلّ قدرته على الحبّ، كما جميع الاثنيّ عشر، بما فيهم يهوذا إلى أن أعار أذنه للمُغوي.

 

كان يجب أن يكون للكنيسة، الّتي كانت تتشكّل وسط معارك وفخاخ كثيرة، شخص يعرف فرض نفسه على الآخرين بالعمر، بالسُّلطة، بالتجربة وبالشدّة. ومَن كان أفضل مِن بطرس في هذه الصفات الأربع الضروريّة لتشكيل كنيستي؟

 

يوحنّا كان الأصغر سنّاً. بنَفْس زهرة، كان يجهل شرّ الحياة. كان زنبقة ما تزال زرّاً مغلقاً على بياض خالٍ مِن الدَّنَس في داخله. تفتّحت في اللحظة الّتي نزل نظري في قلبه ولم يعد يرى سواي. كان طفلاً بقلب بطل وحمامة. بطرس كان الدعامة لقلبي الّذي كان يرى الحاضر والمستقبل، ولكنّ يوحنّا كان التعزية لي. كم مِن تعزية كانت في ابتسامته العذبة وحدها، نظرته النقيّة، كلماته القليلة جدّاً إنّما الـمُحِبّة على الدوام! أن أكون بالقرب مِن يوحنّا كان بالنسبة إليّ كالاستراحة في انتعاش بئر، مُظلَّلاً بالنبات، على سجّادة مِن الزهور. كان ينضح سلاماً.

 

ولكن هل كان مِن الحكمة والعدل أن أفرضه على الآخرين الأكبر سنّاً؟ كان يجب أن آخذ بعين الاعتبار أنّهم كانوا بشراً، مُعدّين للكمال، إنّما ما يزالون بشراً. هاكِ لماذا حكمتي فَضَّلَت بطرس، الراشد، العارف المآسي الروحيّة، صاحب السُّلطة، النَّزِق، على يوحنّا الوديع، الحالم، الفتيّ، جاهل الحياة.

 

كان بطرس هو ’البُعد العملي‘، العبقري العملي، وكان يوحنا هو ’البُعد الشعري‘، العبقري الشعري. إنّما في الأزمنة القاسية، لا تكفي أقلام الشعراء وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى قبضات حديديّة لتثبيت مقبض الدفّة.

 

بالمقابل، منحتُ لمحبوبي رؤية الأزمنة الآتية بعد أن أفصحتُ له عن أعمق أسراري وعهدتُ إليه بأُمّي. يمكنني القول بأنّ يوحنّا هو الأخير في ترتيب الزمن، والأوّل في ترتيب المستقبل، بين الأنبياء العظام. لأنّه يختم الحلقة الّتي ابتدأت بموسى في ما يتعلّق بالحَمَل الّذي، بتضحيته، خَلَّصَ العالم، ولأنّه يرفع الستار الّذي يغلّف اليوم الأخير.

 

لكن ثقوا، أنّ تألّقي في السماء، يكلّل جبهة بطرس وجبهة يوحنّا بالنور ذاته، وسيكون أمراً حسناً بالنسبة لكم ألاّ تقارنوا، بشرياً، الكائنات فوق البشريّة.»

***

يقول يسوع أيضاً:

 

تأمّلي جمالي وتألُّقي بالنسبة لبشاعة الوحش الكالحة.

 

لا تخافي مِن النَّظَر حتّى ولو كان المشهد منفّراً. أنتِ بين ذراعيّ. هو لا يستطيع الاقتراب وأذيّتكِ. أترينه؟ هو حتّى لا ينظر إليكِ. فلديه بالفعل فرائس كثيرة يلاحقها.

 

أتظنّين أنّه يستحقّ عناء تركي لاتّباعه؟ ومع ذلك، العالم يتبعه ويتركني لأجله.

 

انظري كم هو منتفخ وواجف. إنّها ساعة عيد له. ولكن انظري كذلك كم يبحث عن الظلمة ليعمل. هو يمقت النور، هو الذي كان اسمه لوسيفر!1 أترين كيف يفتن مَن هم غير موسومين بدمي؟ إنّه يحشد كل قواه لأنّه يعلم أنّها ساعته وأنّ ساعتي تقترب حيث سيُهزَم إلى الأبد.

 

إنّ خبثه الجهنّميّ وذكاؤه الشيطانيّ هما في دأب شرّ دائم، بمواجهة صنيعة خيرنا، نحن الواحد والثالوث، كي يزيد فرائسه. ولكنّ الخبث والذكاء لا يفيدان إذا ما كان دمي يسري في البشر وكانوا يمتلكون إرادة نزيهة. أمور كثيرة يفتقر إليها البشر لامتلاك أسلحة للتصدّي للوحش، وهو يعلم ذلك، ويعمل علانيةً، حتّى أنّه ما عاد يتستّر خلف أيّة مظاهر كاذبة.

 

لتدفعكِ بشاعته الـمُقزِّزة إلى اجتهاد أكبر وتوبة أشد، لأجلكِ ولأجل إخوانكِ البؤساء الّذين لهم نفوس عمياء أو مضلَّلة، الّذين لا يرون أو الّذين، إذ يرونه، يهرعون لملاقاة الشرّير، للحصول على عون لساعة يدفعون عنها دينونة أبديّة.»

***

ينبغي لي الشرح، وإلّا فحضرتكَ (الأب ميغليوريني) لن تفهم مِن ذلك شيئاً.

 

منذ مساء الثامن عشر يُريني يسوعي الصالح وحشاً مريعاً، مريعاً لدرجة تجعلني أشمئزّ وأرغب بالصراخ. اسمه معروف جدّاً. ويسوع الصالح يجعلني أدرك أنّ مظهره هذا هو أدنى مِن الحقيقة، ذلك أنّ ما مِن واقعية بشرية يمكنها التوصّل إلى تجسيد الجمال الفائق والبشاعة الفائقة بدقّة.

 

الآن سوف أصف لحضرتكَ الوحش المخيف.

 

يبدو لي أنّني أرى ثقباً شديد السواد وعميقاً للغاية. أُدرِك أنّه عميق للغاية، ولكنّني لا أرى سوى الفتحة، الّتي يملأها كلّياً وحش مريع. ليس حيّة، ولا تمساحاً، ولا تنّيناً، ولا وطواطاً، إنّما له شيء ما مِن الأربعة جميعاً.

 

رأس طويل وحادّ دون أذنين وبعينين مراوغتين ووحشيّتين في بحث دائم عن فريسة، فم واسع جدّاً ذو أسنان حادّة جدّاً، متأهّب لالتقاط أي مخلوق غافل يقترب مِن متناول فكّيه. بالاختصار، الرأس له الكثير مِن شكل رأس الأفعى والأسنان مِن التمساح. عنق طويل وليّن يمنح الكثير مِن المرونة للرأس المخيف.

 

جسد ضخم دبق مغطى بجلد يشبه جلد الأنقليس (لإعطاء فكرة)، بمعنى دون حراشف، بلون يتراوح بين الصدأ والبنفسجيّ والرمادي الداكن... لستُ أدري. حتّى إنّ له لون العلق (دودة تمصّ الدم).

 

على مستوى الكتفين والوركين (أقول ’الوركين‘ لأنّ عندهما ينتهي البطن المرتجف والمنتفخ مِن الفرائس ويبدأ الذنب الطويل المنتهي بطرف مدبّب)، أربعة قوائم قصيرة راحيّة الشكل كتلك الّتي للتمساح. عند الكتفين جناحا وطواط.

 

لا يحرّك الحيوان جسمه الضخم المقزّز. لا يحرّك إلاّ الذنب، الّذي يتحرك على شكل حرف ’S‘، والرأس المريع ذو العينين الفتّانتين والفكّين الفتّاكين.

 

أيا أيّتها الرحمة الإلهيّة! يا له مِن وحش قميء! مِن جحره كالح السواد تنبعث الظلمات والهول. أؤكّد لحضرتكَ أنّ أمس، حين كنتُ أراه بوضوح شديد -ولم أكن أفهم ما الذي كان يفعله هناك- كانت تنتابني رغبة بالصراخ مِن شدة الاشمئزاز. ولحسن الحظ كنتُ أرى أنه لم يكن ينظر نحوي أبداً، كأنّ بيني وبينه نفوراً. نفور متبادل إن صحّ القول. إذا كانت هذه مجرد صورة باهتة عن الشيطان، فكيف يكون إذن؟ إنّه أمر يبعث على الموت مرتين متتاليتين لمجرد رؤيته!

 

لحسن الحظّ كذلك أنّه، إذا كان الوحش في زاوية، فإنّ يسوعي، الأبيض، الجميل والأشقر كان قريباً جدّاً منّي... نور في النور! وبمقارنة شخص المسيح المنير والمعزّي مع شكل الآخر، ونظرته الوديعة، المشرقة، مع النظرة الزوراء للآخر، فهناك حقّاً ما يدعو إلى الإشفاق على الخطأة التعساء الذين سيؤول مصيرهم إلى الآخر لأنّهم رفضوا يسوع.

 

حسناً، الآن وقد رأيتُه... أودّ ألاّ أعود أراه ثانية لأنّه شديد القبح. سأصلّي كي ينتهي أقلّ ما يمكن مِن البؤساء بين مخالبه، وسوف أصلّي إلى الله الصالح أن يرفع عنّي هذه الرؤيا.

 

اليوم، الرؤيا أقلّ حيويّة وأنا ممتنة جداً للرب على ذلك. وأنا ممتنّة أكثر بعد لأنّ الصوت المحبوب جعلني أدرك لماذا كانت هذه الرؤيا الّتي كانت ترهبني في الأمس، ذلك أنّني كنتُ أظنّ أنّها كانت معدّة لي بمثابة الإنذار.

----------

1- اسم لوسيفر يعني حامل النور، وقد كان أجمل الملائكة.