الدفاتر: 17 / 06 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(17 / 06 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«أريد أن أتحدّث إليكِ عن الفطنة البشريّة.

 

الفطنة فائقة الطبيعة هي فضيلة عظيمة. أمّا الفطنة البشريّة فليست فضيلة. أنتم أيّها البشر قد استعملتم هذا الاسم، كسمة مزيّفة، لمشاعر غير صالحة وغير فاضلة، تماماً كما تسمّون الصدقة الّتي تمنحونها للفقير محبّة.

 

فإذا قدّمتم صدقة، وإن تكن ذات شأن، وإذا فعلتم ذلك ليراكم العالم ويصفّق لكم، فهل تظنّون أنّكم قمتم بفعل محبّة؟ لا. عودوا إلى رشدكم. المحبّة تعني المحبّة. المحبّة هي إذاً التحلّي بالرحمة والمحبّة تجاه كلّ المحتاجين على الأرض. المال ليس ضروريّاً للقيام بفعل محبّة. فنصيحة، كلمة تعزية، كلمة لطيفة، مساعدة ماديّة، صلاة، تلك هي محبّة. إنّ صدقة مقدّمة دون كياسة تذلّ الفقير، الّذي لا تعرفون أن تروني فيه، ليست محبّة.

 

الأمر ذاته بالنسبة إلى الفطنة. فأنتم تسمّون فطنة جبنكم، رغبتكم بالعيش بطمأنينة، أنانيّتكم، أمور ثلاثة ليست فضائل بالتأكيد.

 

حتّى في علاقاتكم بالديانة، فأنتم تحبّون الحياة المطمئنّة. عندما تعلمون أن اعترافاً صريحاً بالإيمان، أنّ عبارة، يهمس بها لكم روح الحقّ، تزعج السلطات، أصحاب العمل، الزوج، الأولاد، الأهل، أولئك الّذين تنتظرون منهم عوناً ماديّاً، ففطنتكم البشريّة الّتي تجعلكم تتقوقعون بصمت هي ليست بفطنة، بل هذا جبن، إن لم يكن خطيئة، ذلك أنّكم تصلون إلى حدّ النفي، الإنكار، الغدر بمشاعركم الأكثر روحانيّة.

 

بطرس كان أوّل مَن، بفطنة بشريّة، توصّل إلى إنكار معرفته بي في ساعة الخطر. لقد سمحتُ أن يحدث هذا، لكي، وقد تاب، يشفق ويغفر للإخوة والأخوات الجبناء. ولكن كم مِن ’بطرس‘ منذ ذلك اليوم إلى اليوم! فلكم دائماً في أعماقكم بعض المنافع الخسيسة: تجعلونها في المقدّمة وتدافعون عنها على حساب المنفعة الأبديّة الّتي تجلبها لكم الحقيقة الجريئة المعترف بها بشجاعة.

 

أمام بعض تجلّيات الله، أنتم، البشر المساكين، لن تكون لكم بالتأكيد شجاعة نيقوديموس ويوسف، اللذين في ساعة رهيبة بالنسبة للناصريّ وتلاميذه عرفا أن يقفا، ليفكّرا بي، بوجه عداء أورشليم كلّها. أنتِ نفسكِ أحياناً، تبقين متردّدة قليلاً أمام بعض عباراتي الّتي تودّين جعلها أقلّ حدّة.

 

الفطنة البشريّة تقودكم. إنّكم تحملونها في كلّ مكان، حتّى في المطرانيّات، حتّى في الأديرة. كم أنتم مختلفون عن المسيحيّين الأوائل الّذين لم يكونوا يقيمون وزناً لشيء بشريّ ولم يكونوا ينظرون إلاّ إلى السماء!

 

صحيح أنّني قلتُ لكم أن تكونوا حكماء كالحيّات، إنّما ليس بحكمة بشريّة. لقد قلتُ لكم كذلك أنّ اتباعي يتطلّب الشجاعة في مواجهة الجميع وكلّ شيء، في مواجهة حبّ الذات، في مواجهة السلطة عندما تضطهدكم لأنّكم تلاميذي؛ في مواجهة الأب، الأُمّ، العروس، الأولاد عندما هؤلاء، بعاطفة بشريّة واهتمامات أرضيّة، يريدون منعكم مِن اتّباع طريقي. ذلك أنّ أمراً واحداً فقط هو الضروريّ: خلاص النَّفْس، حتّى بفقدان حياة الجسد لنيل الحياة الأبديّة.»