الدفاتر: 14 / 07 / 1943

 

دفاتر 1943

ماريا فالتورتا

 

I QUADERNI - THE NOTEBOOKS - LES CAHIERS

MARIA VALTORTA

 

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

(14 / 07 / 1943)

 

يقول يسوع:

 

«مَن يُغلِق قلبه في وجه الرحمة يُغلِق قلبه في وجه الله، لأنّ الله في إخوتكم وأخواتكم، ومَن ليس رحيماً تجاه إخوته وأخواته لا يكون رحيماً تجاه الله.

 

لا يمكن فصل الله عن أولاده، وفكّروا جيّداً، أنتم الذين تحيون، بأنّكم كلّكم أولاد الأزليّ الّذي خلقكم. أيضاً أولئك الّذين، بحسب الظاهر، ليسوا كذلك، لأنّهم يعيشون خارج كنيستي. لا تظنّوا أنّه مسموح لكم أن تكونوا قساة، أنانيّين لكون أحدهم ليس مِن جماعتكم. إنّ الأصل واحد: الآب. إنّكم جميعاً إخوة وأخوات، حتّى ولو لم تعيشوا تحت السقف الأبويّ نفسه. وكيف لا تفكّرون بالعمل على استدعاء البعيدين، التائهين، التعساء، الّذين لأسباب مختلفة هم خارج مقامي؟

 

الله ليس حكراً على الكاثوليك، وهؤلاء الكاثوليك الّذين لا يبذلون جهداً مِن أجل غير الكاثوليك يخطئون خطأ جسيماً. إنّهم لا يعملون لمصلحة الآب، إنّهم ليسوا سوى طفيليّات تعيش على الآب دون مدّه بعون بنويّ. إنّ الله ليس بحاجة لمعونة لأنّه كلّيّ القدرة، ولكنّه مع ذلك يريدها منكم.

 

إنّ الله يجري كالدم الحيويّ في أوردة جسد العالم كلّه. والكاثوليكيّة هي مركز هذا الجسد العظيم الّذي خلقه. ولكن كيف يمكن للأعضاء البعيدة أن تنال الحياة مِن الله إذا ما كان المركز منغلقاً على ذاته مع كنزه ويُقصي الأعضاء عن هذا الإنعام؟

 

الله موجود أيضاً حيث إيمان مختلف وروح مختلف يجعلان المرء يظنّ أنّه غير موجود. والحقّ أقول لكم أنّ ليس ما هو ظاهر هو الحقيقة. عدد كبير مِن الكاثوليك خلوّ مِن الله أكثر ممّا هو عليه الهمجيّ. إنّ كثيرون ليس لهم سوى اسم أولاد الله؛ بل أسوأ أيضاً، إنّهم يُسَخِّفون ويجعلون هذا الاسم يُسَخَّف بحياة مُرائية، حيث السلوكيات تُناقض وصايا شريعتي، إن لم يصلوا إلى درجة التمرّد العلني الّذي يجعل منهم أعداء لله. بينما في إيمان غير الكاثوليكيّ، المغلوط في جوهره إنّما المعزَّز بحياة مستقيمة، تكون علامة الآب حاضرة أكثر. إنّ هؤلاء ليسوا سوى خلائق بحاجة لمعرفة الحقّ. في حين أنّ الأبناء الزائفون هم خلائق ينبغي لهم تعلم، علاوة على الحقّ، احترام وحبّ الله.

 

النُّفُوس الّتي تريد أن تكون خاصّتي ينبغي لها أن تتحلّى بالرحمة تجاه هذه النُّفُوس الأخرى المسكينة. أمّا النفوس-الضحيّة فينبغي لها، بذل ذاتها، كذلك مِن أجلها. ألم أفعل هذا أنا-نفسي؟ ألم أبذل ذاتي مِن أجل الجميع؟ فإذا كان رحمة إشباع الجوع، الإلباس، الإرواء، الدفن، التثقيف، المواساة، فما يكون يا ترى، بثمن التضحية بالذات، نيل الحياة الحقيقيّة للإخوة والأخوات؟

 

ليت العالم كان رحيماً!... لكان العالم امتلك الله، ولكان ما يعذبّكم ليسقط مثل ورقة ميتة. ولكنّ العالم، وخاصّة المسيحيّين، قد استبدَل الحبّ بالكراهية، الحقّ بالرياء، والنور بالظلمات، والله بالشيطان.

 

والشيطان، حيث أنا بذرتُ الرحمة ورعيتُها بدمي، قد غرس أشواكه ونَمّاها بنَفَسه الجهنّمي. إنّ ساعة هزيمته قادمة. إنّما في هذا الوقت فهو الّذي يأتي لأنّكم تساعدونه.

 

ولكن طوبى للّذين يعرفون البقاء في الحقّ ويعملون مِن أجل الحقّ. فرحمتهم ستأخذ أجرها في السماء.»

***

 

يقول يسوع أيضاً:

 

«لا تكن لديكِ تردّدات وشكوك. ما قُلتُه لكِ صحيح.

 

كونه الخالق، فالله موجود حتّى حيث لا يبدو ذلك. أهو ليس معبوداً عبادة حقّة، أو ليس معبوداً على الإطلاق؟ إنّما هو موجود رغم ذلك.

 

مَن منح الحياة لساكن جنوب الأرجنتين البعيدة (باتاغوني)، للصينيّ، وللأفريقيّ الوثنيّ؟ مَن يحفظ حياة الكافر لكي يحظى بالوقت والوسيلة ليجد الإيمان؟ مَن هو موجود ولا شيء ينتقص منه. إنّ وجود الحياة في الخلائق، وجود كلّ شيء مخلوق، هو الشهادة الّتي أمامها كلّ حيّ، حتّى ولو أراد الإنكار، ينبغي له الانحناء.

 

الآن، إنّ اجتذاب النُّفُوس البعيدة، الّتي تستشعر بالله عفويّاً، إليه، ولكنّها لا تعرفه ولا تخدمه في الحقّ، لهو أعظم أعمال الرحمة. لقد قلتُ: ’احملوا الإنجيل إلى كلّ الخلائق‘. هل تظنّين أنّني أعطيتُ هذا الأمر للاثني عشر فقط وخلفائهم المباشرين في الكهنوت؟ لا. أنا أشاء أن تكون كلّ نَفْس، مسيحيّة بحقّ، نَفْساً رسوليّة.

 

إنّ اجتذاب النُّفُوس إليّ يُعظّم مجدي، ولكنّ ذلك يُعظّم كذلك مجد الخادم الصالح والأمين الّذي، بتضحيته، ساهم بتنامي قطيعي. إنّ القدّيسة الّتي تحبّينها (القدّيسة تيريزيا الطفل يسوع) قد أوجَدَت أكثر مِن مائة مُرسَل، ولكنّ مجدها في السماء أعظم بمائة مرّة لأنّها عرفت كمال الرحمة على الأرض وبذلت ذاتها لتمنح الحياة الحقيقيّة للوثنيّين والخطأة.

 

أنتِ تقولين لي: ’ولكن، يا ربّ، عندما يخطئ أحد إليكَ ويبقى في الخطيئة، فإنّه يكون مائت لجهة حياة النعمة‘. هذا صحيح. ولكنّني أنا المحيي، وأمام دموع الّذين يبكون الأموات لجهة حياة النعمة، أنا أبسط قدرتي اللانهائيّة.

 

في الإنجيل ثلاثة هم الأموات الذين أُعيدوا إلى الحياة لأنّني لم أقدر على مقاومة دموع أب، أُمّ، أخت. إنّ النُّفوس الضحيّة والرسوليّة ينبغي أن تكون أخوات، أُمّهات وآباء للموتى المساكين لجهة حياة النعمة، وأن تأتي إليَّ بجثمان البائس بين الذراعين، على الذراعين، كما صليبها الأكثر ثقلاً، وأن تتألّم مِن أجله إلى أن أنطق كلام الحياة.»