ج7 - ف205

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء السابع / القسم الثاني

 

205- (في منزل يوسف الذي مِن سيفوريس)

 

07 / 10 / 1946

 

منزل يوسف ليس منزل يوسف الذي مِن الرّامة، إنّما هو منزل جليليّ عجوز مِن سيفوريس، هو صديق لأبناء حلفى وبشكل خاص للأكبر سنّاً، ذلك أنّه كان صديقاً، وقد يكون قريباً، لحلفى العجوز المتوفّى الآن. وإذا لم أكن على خطأ، فهو على علاقة مستمرّة كذلك مع ابنيّ زَبْدي في تجارة السمك المقدّد مِن بحيرة جنيسارت، الذي يُنقَل إلى العاصمة مع منتجات أخرى مِن الجليل، وهي عزيزة على الجليليّين المغتربين إلى أورشليم. هذا ما أستنتجته ممّا قاله ابنا زَبْدي ويوحنا لتوما.

 

يسوع، مِن جهته، متخلّف قليلاً مع مَنَاين، الذي يكلّفه بالذهاب إلى يوسف الذي مِن الرّامة ونيقوديموس ليرجوهما اللحاق به، الأمر الذي يفعله مَنَاين في الحال. بعد برهة يلتحق يسوع بالثلاثة ليطلب منهم أيضاً أن يكونوا حذرين في حواراتهم «حبّاً للاّويّ الذي جعلهم في الأمان.» ثمّ يتركهم لينطلق بخطى سريعة في أحد السبل…

 

ولكنّ يوحنا يسرع في اللحاق به.

 

«لماذا أتيتَ؟»

 

«لم يكن بإمكاننا أن نترككَ وحدكَ هكذا... وأنا أتيتُ.»

 

«وهل تظنً أنّ بإمكانكَ الدفاع عنّي، أنتَ بمفردكَ، مقابل كمّ مِن الناس؟»

 

«لستُ متأكّداً مِن ذلك. إنّما على الأقلّ، أموت قبلكَ، وهذا يكفيني.»

 

«سوف تموت بعدي بزمن طويل يا يوحنّا، ولكن لا تأسف لذلك. فإذا ما ترككَ العليّ في العالم فذلك لتخدمه وتخدم كلمته.»

 

«ولكن بعد ذلك...»

 

«بعد ذلك سوف تخدم. كم مِن الزمن عليكَ أن تعيش لتخدمني كما يشاء قلبانا. ولكن أيضاً بعد الموت ستخدمني.»

 

«كيف سأفعلها يا معلّمي؟ إذا ما كنتُ معكَ في السماء سأعبدكَ. ولكن لن أستطيع أن أخدمكَ على الأرض بعد مغادرتها...»

 

«أتظنّ ذلك حقّاً؟ حسناً، أنا أقول لكَ بأنّكَ سوف تخدمني حتّى مجيئي الثاني، الذي سيكون الأخير. أمور كثيرة ستصبح هزيلة قبل الزمن الأخير، مثل أنهار تنضب، وبعد أن تكون مجاري مياه زرقاء ناجعة، ستصبح زبلاً متترّباً قابلاً للتفتّـت وحصى جدباء. أمّا أنتَ، فستظلّ النهر الذي يُرجّع كلمتي ويعكس نوري. سوف تكون النور الأسمى الباقي ليذكّر بالمسيح، إذ إنّكَ ستكون نوراً روحيّاً بحتاً، والأزمنة الأخيرة ستكون حرباً للظلمات ضدّ النور، للجسد ضدّ الروح. والذين سيعرفون أن يثبتوا في الإيمان سيجدون القوّة، الرجاء، والعزاء فيما ستتركه بعدكَ، والذي سيكون ما يزال أنتَ... والذي سيكون أيضاً أنا، لأنّنا أنتَ وأنا متحابّان، وحيث تكون أنتَ أكون أنا، وحيث أكون أنا تكون أنتَ. لقد وعدتُ بطرس أنّ الكنيسة، التي سيكون رئيسها وأساسها صخرتي، لن تقوى عليها أبواب الجحيم في هجماتها المتكرّرة بأكثر فأكثر شراسة، أمّا الآن فأقول لكَ إنّ ما سيكون ما يزال أنا، وما ستتركه نوراً لِمَن يبحث عن النور، لن يُقَوَّض، رغم كلّ مجهودات الجحيم كي تُلاشيه. لا بل أكثر: فحتّى الذين سيؤمنون بي بشكل غير كامل، إذ عندما يقبلونني لا يقبلون بطرسي، سيكونون منجذبين على الدوام إلى منارتكَ كما قوارب دون ربّان ولا بوصلة، وهم يتوجّهون في عاصفتهم صوب النور، ذلك أنّ النور يعني أيضاً الخلاص.»

 

«ولكن ما الذي سأتركه يا رب؟ فأنا... مسكين... جاهل... لا أملك سوى المحبّة...»

 

«هاك: سوف تترك المحبّة. والمحبّة ليسوعكَ ستكون كلمة. وكثيرون، كثيرون، حتّى وسط الذين لن يكونوا مِن كنيستي، الذين لن يكونوا مِن أيّة كنيسة، إنّما الذين يبحثون عن نور وتعزية، وقد نخستهم أرواحهم غير الراضية، لحاجتهم لأن يُرثوا لمعاناتهم، سيأتون إليكَ وسيجدونني أنا.»

 

«أودّ لو يكون أوائل الذين يجدونكَ هم هؤلاء اليهود قساة القلوب، هؤلاء الفرّيسيّون والكَتَبَة... ولكننّي لا أفيد إلى هذا الحدّ...»

 

«لا يمكن الدخول حيث الامتلاء كاملاً. إنّما لا تُحبَط أنتَ... ولكن ها نحن عند منزل يوسف. أُطرق على الباب ولندخل.»

 

هو منزل ضيّق ومرتفع، وإلى جانبه متجر منخفض ذو رائحة كريهة لبضائع مكدّسة؛ وإلى جانبه باحة مظلمة بسبب جدران تشرف عليها، باحة تشبه باحة نُزُل، حسب ما كان النزل آنذاك: أروقة للبضائع، إسطبلات للحمير، وغرف صغيرة أو كبيرة للنزلاء. هنا، باحة مرصوفة بشكل سيّئ، حوض، إسطبلان منخفضان ومظلمان، عنبر ريفيّ بمثابة رواق، مستند إلى المنزل مع باب يؤدي إلى المتجر. ثمّ، زيادة على ذلك، المنزل الذي تحدّثتُ عنه، العتيق، المظلم، ذو الباب العالي والضيّق الذي يتمّ الوصول إليه عبر درجات ثلاث مِن الحجارة المستهلكة.

 

يطرق يوحنّا على الباب وينتظر إلى أن تُفتَح فتحة ضيّقة حيث يظهر وجه مجعّد لامرأة عجوز صغيرة القدّ تستقصي مِن الظلّ: «آه! يوحنّا! سأفتح في الحال. ليكن الله معكَ.» يَنطق الفم العائد لهذا الوجه المجعّد، ويُفتَح الباب بصخب مِن المزلاج.

 

«أنا لستُ بمفردي يا مريم. المعلّم معي.»

 

«السلام له كذلك، فخر الجليل، ما أسعد اليوم الذي يحمل قدميّ القدوس إلى جدران إسرائيليّ حقيقيّ. أدخل يا رب. سأذهب في الحال لإخطار يوسف. فهو ينهي عمليات التسليم الأخيرة، ذلك أن الغسق يحلّ سريعاً في شهر إيتانيم الحزين.»

 

«دعيه لعمله يا امرأة. سنبقى هنا حتّى الغد.»

 

«فرح عظيم لنا. كنا ننتظركَ منذ زمن. وحتّى منذ بضعة أيّام، أرسل أخوكَ يوسف يَسأَل عن أخباركَ. إنّما زوجي سيعرف أن يخبركَ بذلك بشكل أفضل. هاكَ، يمكنكَ البقاء هنا... وأترككَ يا ربّ، ذلك أنّني في صدد إنهاء الخَبز. يجب أن يُخبَز قبل الغروب. إذا ما أردتَ شيئاً، يوحنا يعرف أين يجدني.»

 

«إذهبي بسلام. لا يلزمنا شيء سوى الاستضافة.»

 

يبقيان وحدهما لبعض الوقت. ثمّ يظهر وجه أسمر مِن خلف الستار الذي يفصل الغرفة عن أحد الممرّات، ويلقي نظرة خوف وفضول معاً.

 

«مَن يكون هذا الولد؟» يسوع يَسأَل يوحنّا.

 

«لستُ أعلم يا ربّ. ففي المرّات الماضية لم يكن هنا. في الحقيقة منذ أن أصبحتُ معكَ لم أعد آتي هنا لصالح أبي. تعال إلى هنا يا ولد.»

 

يتقدّم الصبيّ على مهل.

 

«مَن أنتَ؟»

 

«لن أقول لكَ.»

 

«لماذا؟»

 

«لا أريد سماع كلام غير مستحَبّ. وإذا ما قلتَه فسأجيبكَ، ويوسف لا يريد ذلك.»

 

«هذا طريف! ما قولكَ في ذلك يا معلّم؟» ويضحك يوحنّا، متسليّاً بحجج الرجل الصغير.

 

يبتسم يسوع كذلك، ولكنّه يرفع يده ليسحب الصبيّ وينظر إليه. ثمّ يقول: «وأنتَ، هل تعلم مَن أكون؟»

 

«بالتأكيد أعرف! أنتَ مَسيّا. مَن ستجعل العالم كلّه تابعاً لكَ، حينئذ لن تقال الكلمات غير المرغوب بها للصغار مثلي.»

 

«أنتَ لستَ إسرائيليّاً، أليس كذلك؟»

 

«أنا مختون... وذلك قد آلمني كثيراً. ولكن... الجوع كذلك آلمني و... فقدان الأُمّ... وكل الأشخاص... إنّما مؤلم أيضاً السماع بأنّ... بأنّنا...» ويبكي، فاقداً جرأته الأوّليّة.

 

«لا بدّ أنّه يتيم غريب يا يوحنّا. وقد يكون يوسف استقبله على سبيل الشفقة، وختنه...» يسوع يشرح ليوحنّا، وقد اندهش مِن الحجج والبكاء. ويرفع يسوع الولد ويضعه على ركبتيه.

 

«قل لي ما اسمكَ يا صغيري. أنا أحبّكَ كثيراً. يسوع يحبّ كل الأطفال وبشكل خاص الأيتام. لديَّ واحد، أنا كذلك، واسمه مارغزيام وهو...»

 

«وأنا أيضاً، ذلك أنّني (والصوت الصغير لم يعد سوى همس بالكاد يُسمع) ذلك أنّني، أنا رومانيّ...»

 

«لقد قلتُ لكَ ذلك! وأنتَ يتيم، أليس كذلك؟»

 

«نعم، فوالدي لا أذكره. أُمّي نعم. لقد ماتت وأنا كبير... وبقيتُ وحيداً، ولم يكن أحد يرغب بي. ومِن قيصريّة، سيراً على الأقدام، خلف المسافرين، بعد أن سافر المعلّم إلى البعيد. وجوع هائل. وإن كنتُ أذكر اسمي، فضربات... إذ كان يُفهم مِن اسمي، إيه؟! وقدمتُ إلى هنا مِن أجل أحد الأعياد، وقد كنتُ جائعاً. دخلت إلى الإسطبلات مع إحدى القوافل، واختبأتُ في التبن كي آكل الشوفان وخرّوب الحمير. عضّني حمار فصرختُ، فهُرعوا إليَّ بهدف ضربي، ولكنّ يوسف قال: "لا. هو فعلها ويقول أن يعمل ما يتوجّب، وأنا آخذ الصبيّ وسأجعل منه إسرائيليّاً". وأخذني واعتنى بي هو ومريم، وأطلق عليَّ اسماً آخر، إذ إنّ اسمي... لقد كانت أُمّي تدعوني مارسيال...» وتعود الدموع للسيلان.

 

«وأنا سأدعوكَ مارسيال مثل أُمّك. حسن جدّاً ما فعله يوسف. ينبغي لكَ أن تحبّه كثيراً.»

 

«نعم، إنّما أنتَ أكثر. هو يقول ذلك، يقول على الدوام: "إذا ما قابلتَ يوماً يسوع الناصريّ، مَسيّا، أحببه مِن كلّ نفسكَ، فبه أُنقِذتَ مِن الخطأ". مريم كانت تقول كذلك، للخادمة، إنّ مَسيّا في المنزل وأتيتُ كي أرى الذي خلّصني.»

 

«لم أكن أعلم أنّ يوسف قد فعل ذلك. لقد كان... مُقتِّراً... للغاية... أبداً ما كان ليخطر ببالي أنّه يستطيع... المسكين يوسف! مُقتِّراً ومنبوذاً مِن أولاده. لم يحترموا شعره الأبيض.»

 

«أعلم. ولكن هل ترى؟ مِن المحتمل أنّه يتجدّد بهذا الصبيّ... وينسى. سيجازيه الله هكذا على ما فعله مِن أجل هذا الصبيّ. ما هو اسمك الآن؟»

 

«اسم قبيح. لا يروق لي إلاّ لأنّه يبدأ كما يبدأ اسمي: منسّى، هو اسمي!... ولكنّ مريم، التي تفهم، تدعوني "مان".» والصبيّ يقول ذلك بوجه حزين بحيث لم يستطع يسوع ويوحنّا الامتناع عن الابتسام.

 

ولكنّ يسوع، كي يواسيه، يشرح: «منسّى اسم له معنى عذب جدّاً بالنسبة لنا. معناه جعلني الربّ أنسى كلّ ألم. يوسف أطلقه عليكَ لأنّه شاء أن يقول أنّكَ ستجعله ينسى كلّ ألمه. وأنتَ ستفعل ذلك أيّها الصبيّ، عرفاناً بصنيعه. أنتَ نفسكَ، باسمكَ الجديد، ستقول لنفسكَ بأنّ الربّ قد أحبّكَ كثيراً بحيث أنّه قد أعاد لكَ أباً، أُمّاً ومنزلاً. أليس كذلك؟»

 

«نعم. بهذا المعنى، نعم... ولكنّ يوسف يقول لي بأنّ عليَّ نسيان حتّى منزلي. وأنا لا أريد نسيان أُمّي!»

 

ينظر يسوع إلى يوحنّا ويوحنّا ينظر إلى المعلّم، ومِن فوق الرأس الأسمر، يجري حِوار النظرات…

 

«الأُمّ لا تُنسى أيّها الصبيّ. لقد أساء يوسف التعبير، أو بالحريّ لقد أسأتَ أنتَ الفهم. بالتأكيد كان يوسف يريد القول بأنّ عليكَ نسيان كلّ ألم ماضيكَ، ألم منزلكَ، لأنّ لكَ الآن هذا المنزل وعليكَ أن تكون سعيداً.»

 

«آه! هكذا، نعم. فمريم طيّبة وتجعلني سعيداً. حتّى في هذه الآونة فهي تصنع لي الفطائر. سأمضي لأرى إذا ما نضجت وسأجلبها لكَ أيضاً.» وينزلق مِن على ركبتيّ يسوع ليجري خارج الغرفة. ويغيب صوت وقع القدمين الحافيين في الممرّ الطويل.

 

«على الدوام هذا الميل إلى القسوة، حتّى بين مَن هم الأفضل فينا! المطالبة بالمستحيل! إنّهم أكثر صرامة مِن الله، أولاد شعبه! يا له مِن صبيّ مسكين! أيمكن أن نستطيع المطالبة بأن ينسى ولد أُمّه، لأنّه أصبح الآن مختوناً؟ سأقول ذلك ليوسف.»

 

«في الحقيقة لم أكن أعلم أنّه فعل هذا. والدي، مثل جليليّين كثيرين، ينزل هنا في الأعياد، ولم يحدّثني عن ذلك كما لو أنّه لم يكن يعلم بالأمر... إنّما أنا أسمع صوت يوسف...»

 

ينهض يسوع ويقتدي به يوحنّا، مستعدّين للتحيّة، مع التكريم الواجب له، ربّ المنزل الذي يدخل والذي، بدوره، يغرق في انحناءات عميقة، وينتهي بأن يجثو عند قدميّ يسوع.

 

«إنهض يا يوسف. ترى أنّني أتيتُ.»

 

«سامحني لأنّني جعلتُكَ تنتظر. فالجمعة يوم حافل على الدوام! تحيّتي لكَ يا يوحنّا. هل لديكَ أخبار عن زَبْدي؟»

 

«لا، منذ عيد المظالّ، حيث رأيتُهم.»

 

«إذاً إعلم أنّه بخير، وكذلك سالومة. أخبار طازجة هذا الصباح، مع آخر إرساليّة سمك. ولكَ كذلك يا معلّم، يمكنني القول بأن أهلكَ جميعهم بخير في الناصرة. في غد السبت سيمضي الذين أتوا. إذا شئتَ إرسال أخبار... هل أنتما بمفردكما؟»

 

«لا. بعد قليل سيكون الآخرون هنا...»

 

«حسناً! هناك أماكن للجميع. إنّه منزل وفيّ. آسف لكون مريم منشغلة بالخبز وأنا بالمبيعات. وهكذا نترككما وحدكما... لقد قَصَّرنا في تكريمكَ ومرافقتكَ كما يليق بالضيف. وضيف مهم!»

 

«إبن لله مثلكَ يا يوسف. والذين يتبعون شريعة الله متساوون جميعاً.»

 

«هه! لا. أنتَ هو أنتَ. أنا لستُ غبيّاً كهؤلاء اليهود. أنتَ مَسيّا!»

 

«هذا حسب مشيئة الله. أمّا فيما يخصّ مشيئتي وواجبي، فأنا مثلكَ، إبن للشريعة.»

 

«هه! الذين يفترون عليكَ لا يعرفون قول وفعل ما تقوله الآن وما تفعله على الدوام!»

 

«أمّا أنتَ، فتفعل الكثير ممّا أُعلّم. لقد رأيتُ الصبيّ يا يوسف...»

 

«آه! رأيتَه؟ جاء! يعلم أنّني لا أريد! إنّما فيما يتعلّق بكَ... فأنا سعيد لذلك، ولكن كان مِن الممكن ألاّ تكون أنتَ...»

 

«وحينئذ، ما الذي كان سيحدث؟»

 

«أن... هذا لا يروق لي، هاك!»

 

«لماذا يا يوسف؟ كي لا تُمتَدح على ذلك؟ فكركَ يُثنى عليه، إنّما يمكن أن يُفكّر الصبي أنّكَ خجول مِن إظهاره...»

 

«وهذا صحيح!»

 

«هذا صحيح؟ لماذا؟ إشرح لي الأمر.»

 

«هاك: الصبيّ لم يولد يهوديّاً مِن أبوين يهوديّين، ولا حتّى مِن المتهوّدين، ولا حتّى مِن امرأة مِن بلدنا وأب وثنيّ. إنّه ابن لرومانيّين، مُعتَقَين عاشا في منزل رومانيّ في قيصريّة الساحل. وقد احتفظ بالصبيّ طالما هو بقي هناك. ولكن، لدى رحيله، لم يكترث له وبقي الصبيّ وحيداً. اليهود، بالطبع، لم يستقبلوه. الرومان... ما هم عليه الرومان، أنتَ تعلم... وهؤلاء الرومان في القيصريّة خاصّة! تحوّل الصبيّ إلى شحّاذ...»

 

«نعم، أعلم ذلك. لقد وصل هنا واستقبلتَه أنتَ. لقد سجّل الله عملكَ هذا في السماء.»

 

«وجعلتُ منه مختوناً! وغيّرتُ له اسمه. فاسمه! وثنيّ! ولكنّني لا أريد أن يظهر ويتذكّر ماضيه.»

 

«لماذا يا يوسف؟» يَسأَل يسوع بلطف، ويضيف: «الصبيّ يعاني مِن هذا. يتذكّر أُمّه. هذا مفهوم!»

 

«ولكن مفهوم كذلك أنا في رغبتي ألّا أُلام على استقبالي أحد الـ...»

 

«أحد الأبرياء. ليس إلاّ، يا يوسف. لماذا تخشى دينونة البشر، بينما دينونة أعلى، تلك التي لله، تؤيّد عملك، لأنّه مقدّس؟ لماذا أنتَ خجول، أهو حَياء بشريّ أم خشية مِن مجازاة، على فِعل صالح؟ لماذا تريد إعطاء الصبيّ مثلاً على الرياء كما ذاك الذي نتج عن تغيير الاسم، عن خنق الماضي خشية أن يحمل لكَ إجحافاً؟ لماذا تريد أن تُرسّخ في ذهن الصبيّ احتقار الأب والأُمّ؟ أترى يا يوسف، أنتَ قمتَ بعمل يستحقّ الثناء، ولكنّكَ غلّفتَه بالغبار بهذه الـ... أفكار المنقوصة. أنتَ اقتديت بأحد أفعالي. لقد تقبّلتَ كلامي. هذا حسن. ولكن لماذا لا تجعل اقتداءك بي كاملاً بإتمامكَ هذا العمل صراحة قائلاً: "نعم، الصبيّ كان رومانيّاً، وأنا لم أشمئزّ مِن ذلك لأنّه ابن للخالق، مثلنا تماماً. أردتَه فقط تحت شريعتنا وختنتَه"؟ بحقّ... الختان الحقيقيّ سيأتي وسيتحقّق على قلب البشر، جالباً الخاتم الخانق للشهوة الثلاثيّة. بالتالي، حتّى ولو كان الصبي قد بقي طفلاً حتّى هذه اللحظة... ولكنّي لا أريد أن ألومكَ على ذلك. لقد أحسنتَ فعلاً، أنتَ اليهوديّ بجعله يهوديّاً. ومع ذلك، دع له اسمه. آه! ففي المستقبل كم مِن مارسيال، مِن كايوس، مِن فيلكس، مِن كورنيليوس، مِن كلاوديوس وآخرين سينتمون إلى المسيح والسماء! كان ممكناً له أيضاً أن يكون، الطفل، الذي لا يعرف ماذا يعني يهوديّ ووثنيّ، والذي سيبلغ إلى سن البلوغ عندما ستكون الشريعة الجديدة قد تأسّست بهيكل جديد وكهنة جدد، وأنّه سيبلغ لا كما تفكّر أنتَ، إنّما مُختَبَراً مِن الله الذي يجده أهلاً لهيكله الجديد. دع له اسمه الذي أطلقتُه عليه أُمّه. فهو بالنسبة إليه ملاطفة أموميّة. أَتفهّم ما الذي كنتَ تبغيه مِن تسميته منسّى، لكن اترك له اسم مارسيال. ولِمَن يسألكَ قُل: "نعم، مارسيال. ما يكاد يشبه تلميذ المسيح الذي أطلقت عليه مريم هذا الاسم". كن شجاعاً في الخير يا يوسف، وستكون عظيماً، عظيماً جدّاً.»

 

«كما تريد يا معلّم. لا أريد أن أعارضكَ. وهل تحسب أنّني... أحسنتُ التصرّف كإنسان؟»

 

«لقد أحسنتَ التصرّف. ألمكَ جعلكَ صالحاً. كذلك حسن هو كلّ ما فعلتَ، وهذا التصرّف جيّد.»

 

طرق على الباب المطلّ على الشارع يقطع الحوار.