ج7 - ف230

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء السابع / القسم الثاني

 

230- (يسوع ويهوذا الإسخريوطيّ في الطريق إلى أورشليم)

 

25 / 11 / 1946

 

الفجر ينير الأفق. حرج الزيتون الّذي يكسو التلّة، يُنار شيئاً فشيئاً ويخرج مِن العتمة، وفيما الجذوع، الّتي لا تزال في العتمة، تبدو غير مرئيّة، فإنّ الأوراق الفضّية قد أضحت مرئيّة. يبدو كأنّ ضباباً قد انتشر على التلّة، لكنّها ليست سوى رماديّة الورق في نور الصباح المبهم.

 

يسوع وحده تحت أشجار الزيتون. لكنّه ليس بستان جَثْسَيْماني. لأنّ بستان جَثْسَيْماني، إلى حدّ ما، هو متوازٍ مع جبل موريا. فيما هنا فجبل موريا مواجه لحرج الزيتون. وبالتالي فنحن إلى شمال أورشليم، إلى ما وراء قبور الملوك. يسوع ما يزال يصلّي، ولا يكفّ عن ذلك حتّى عندما تُعلِمه زقزقات الطيور بأنّ النهار قد أقبل. وفقط حينما أوّل شعاع للشمس، الّتي ارتفعت الآن، ينير نقطة ذهبيّة في ذهب قُبَب الهيكل، الباهت حتّى الآن، فإنّه يقف، ينهض وينفض رداءه، الّذي عليه آثار تراب وبضع وريقات يابسة عالقة بالقماش الثقيل، يسرّح لحيته وشعره بيده، ومِن ثمّ يسوّي ثوبه وحزامه، يتفحّص رباطيّ نعليه، يعاود لبس ردائه وينزل مِن التلّة عبر مَسلَك هو بالكاد ظاهر بين الجذوع. ربّما يتوجّه صوب ذاك المنزل الصغير عند منتصف المنحدر، الّذي يتصاعد مِن سطحه القليل مِن الدخان. لكن لا. إنّه ينعطف عبر درب أوسع، يهبط صوب الطريق الرئيسيّة الّتي تقود إلى المدينة.

 

خلفه يتدحرج يهوذا عن التلّة. أقول يتدحرج لأنّه يركض مثل مجنون كي يلحق بالمعلّم. وإذ يصل إلى الحدّ الّذي يكون فيه مسموعاً، فإنّه يناديه. يسوع يتوقّف. يهوذا يدركه لاهثاً: «يا معلّم… حسناً فعلتُ أنّني فكّرتُ بالبحث عنكَ! أكنتَ تذهب هكذا مِن دوني؟ قد قلتَ لي مساء أمس أن أنتظركَ في المنزل، حيث ستأتي بالتأكيد. على العكس...»

 

«ألم أقل لكم جميعاً بأن تنتظروني عند باب هيرودس فجراً؟ وهو الفجر. وأنا ذاهب إلى باب هيرودس.»

 

«نعم، إنّما… كان ذلك للآخرين. فنحن الاثنان كنّا معاً.»

 

«معاً؟» يسوع صارم للغاية.

 

«ولكن نعم يا معلّم. لقد جئنا معاً. أنتَ أردتَ ذلك. ومِن ثمّ فضّلتَ الذهاب وحدكَ كي تصلّي. لكنّني كنتُ على استعداد للمجيء معكَ.»

 

«لقد أظهرتَ على نحو جليّ في نوبة بأنّكَ لم تكن مُرحِّباً بقضاء الليل في الصلاة مع معلّمكَ. وأنا قد جنّبتكَ القيام بعمل فضيلة قسريّ. فما كان ليجدي نفعاً. ينبغي أن نُحسِن فِعل الخير عفويّاً كي يكون عَطِراً ومثمراً. وبخلاف ذلك لن يكون سوى… عرضاً إيمائيّاً، وفي بعض الأحيان أسوأ مِن عرض إيمائيّ.»

 

«إنّما أنا… لماذا أنتَ قاسٍ معي منذ بعض الوقت؟ ألم تعد تحبّني؟»

 

«بأكثر صوابيّة، لي أنا أن أسألكَ: ألم تعد تحبّني؟ لكنّني لا أسألكَ عن ذلك. لأنّ هذا السؤال أمر عديم الجدوى، وأنا لا أفعل أموراً عديمة الجدوى.»

 

«آه! أجل! لأنّكَ تعلم جيّداً أنّني أحبّكَ!»

 

«أودُّ أن أعلم ذلك، يا يهوذا الاسخريوطيّ. وأودُّ التمكّن مِن أن أقول لكَ: أعلم بأنّكَ تحبّني. لكن بما أنّني لا أفعل أبداً أموراً عديمة الجدوى، فكذلك لا أقول أبداً كلاماً كاذباً. لذلك لا أقول لكَ أنّني أعلم بأنّكَ تحبّني.»

 

«إنّما كيف يا معلّم! ألا أحبّكَ؟ ألا أعمل لصالحكَ؟ أيمكنكَ أن تشكّ بذلك؟ إنّ ذلك يحزنني. أنا الّذي، بمجرّد أن أُدرِك أنّ أمراً ما يحزنكَ، فلا أعود أفعله وأجهد كي لا يُفعَل! أُنظر: لقد أدركتُ بأنّه كان غير مستحبّ بالنسبة لكَ… خروجي ليلاً، فما عدتُ خرجتُ. لقد أدركتُ أنّ مناقشات خصومكَ ترهقكَ إلى أبعد الحدود، فذهبتُ -ولم أسلم مِن الإهانات- كي أقول لهم بأن يكفّوا عنها، وترى أنّكَ ما عدتَ تعرّضتَ لمضايقات. وآمل بألّا تتعرّض لمضايقات كذلك في الهيكل. إنّكَ لستَ عادلاً يا معلّم، مع المسكين يهوذا!»

 

«أنتَ الأوّل، مِن بين أتباعي، الّذي تنعتني بالظلم...»

 

«آه! المغفرة! لكنّ أقوالكَ، صرامتكَ، تؤلمني إلى درجة أنّني ما عدتُ أُحسِن التفكير. إنّها تفقدني صوابي، صدّقني. هيّا، سلامي، لنتصالح. أريد أن أكون معكَ كما لو أنّني جزء منكَ. معاً على الدوام...»

 

«لقد كنّا كذلك فيما مضى. إنّما الآن قل لي يا يهوذا: متى نحن هكذا؟»

 

«أما زال السبب تلك الليلة؟ أم أيضاً لأنّني لم آتِ معكَ إلى بيت عَبرة؟ لكنكَ تعلم لماذا لم آتِ. لأجل خيركَ… وتلك الليلة… أنا شاب يا ربّ! إنّما باستثناء تلك الأوقات، حيث يمكن أن أكون قد أخطأت فيها، بل الّتي أخطأتُ فيها بالتأكيد، وأعترف بذلك، فأنا دوماً قربكَ.»

 

«لستُ أتحدّث عن التقارب الجسديّ، بل عن التقارب الروحيّ، تقارب الفكر والقلب. أنتَ بعيد يا يهوذا عن مخلّصكَ، وتبتعد عنه أكثر فأكثر.»

 

«هو ذا! كلّ اللوم لي! ومع ذلك ترى بأيّ تواضع أتلقّاه. لقد قلتُ لكَ: "اصرفني! فأبقيتني… فإذن ما الّذي تريده منّي؟»

 

«الّذي أريده!! أودُّ ألّا أكون قد تجسّدتُ لأجلكَ عبثاً! هذا ما أودُّه! إنّما أنتَ قد أصبحتَ تنتمي لأب آخر، لوطن آخر، تتكلّم لغة أخرى… آه! ما العمل يا أبتِ، لتطهير الهيكل الـمُدَنَّس لابنك وأخي هذا؟» يسوع يدمع، هو شاحب جدّاً، بينما يتحدّث إلى أبيه.

 

يهوذا أيضاً يصبح بلون التراب، ويبتعد قليلاً بصمت. يسوع يتجاوزه ببضع خطوات، وينزل محنيّ الرأس، حبيس ألمه. حينئذ يومئ يهوذا إيماءة تهكّم، تهديد، أحسبه قَسَماً قاسياً مِن وراء ظهر البريء. إنّ وجهه، الّذي كان مُـجَمَّلاً حتّى الآن بقشرة ريائيّة مِن لطف وتواضع، يستحيل بارز التقاطيع، قاسياً، قبيحاً، فظّاً. شيطانيّاً بحقّ. كلّ الكراهية، إنّما كراهية غير بشريّة، هي في نار حدقتيه السوداويّين، ونار الكراهية تلك تتركّز على شخص يسوع الطويل القامة. ثمّ، بعد رفع الكتفين وركلة غاضبة، يهوذا يضع حدّاً لتفكيره الباطنيّ. ويعاود المسير، بعد تمالكه لنفسه، كشخص قد اتّخذ فعلاً قراراً قطعيّاً.

 

المدينة بأسوارها قريبة. الناس يتزاحمون عند الأبواب. غرباء، مزارعون، سكّان بلدات مجاورة. ووسط مَن هم عند الأسوار، هناك الأحد عشر رسولاً، الّذين إذ رأوا المعلّم، فإنّهم يمضون لملاقاته.

 

«يا معلّم، بينما كنّا ننتظر هنا جاء شخص يبحث عنكَ. لقد قال بأنّ فاليريا ترجوكَ أن تذهب صوب معبد الـمُعتَقين الرومان. إنّما أن تذهب بحقّ إلى هناك. وهي ستكون هناك.»

 

«حسناً. سوف نذهب. نقصد أوّلاً يوسف سيفوريس لأنّ ثوبي ليس نظيفاً.»

 

«أين نمتَ يا ربّ؟» يَسأَل بطرس.

 

«ولا في مكان يا سمعان. لقد صلّيتُ على التلّة. وكانت الأرض رطبة وحتّى موحلة. أنتَ ترى.»

 

«لماذا الصلاة هكذا في العراء يا ربّ؟ فذلك قد يسبّب لكَ الضرر...»

 

«إنّ العناصر الطبيعيّة لا تضرّ بابن الإنسان. فصنائع الله حسنة هي… البشر هم مَن يكرهون الإنسان.»

 

بطرس يتنهّد… يبتعدان صوب منزل الجليليّ، يتبعهما الآخرون.