ج5 - ف46

أَنَا هُوَ

ماريا فالتورتا

L'EVANGELO COME MI È STATO RIVELATO

THE GOSPEL AS REVEALED TO ME

بالفرنسية: {الإنجيل كما أوحي به إليّ}

L' ÈVANGLE TEL QU’IL M’A ÈTÈ RÈVÈLÈ

MARIA VALTORTA

الترجمة إلى اللغة العربية: فيكتور مصلح.

 

الجزء الخامس/ القسم الثاني

 

46- (يسوع يتّجه صوب جدرة)

 

10 / 12 / 1945

 

يسوع الآن في منطقة الضفّة الأخرى لنهر الأردن. وحسبما أُدرِك، فإنّ تلك المدينة التي تُرى مِن أعلى إحدى الهضاب هي جدرة. وهي كذلك المدينة الأولى التي يبلغونها بعد أن يرسوا على الضفّة الجنوبيّة الشرقيّة لبحيرة الجليل، لأنّهم رَسوا هناك لتحاشي النـزول في إيبو حيث كانت تَسبقهم الـمَراكِب التي تنقل الأشخاص المعادين ليسوع. أظنّهم، إذن، أنّهم رَسوا تماماً في مقابل تريشة، حيث يَجري نهر الأردن مِن البحيرة.

 

«تَعرِف الدرب الأقصر للذهاب إلى جدرة، أليس كذلك؟ هل تذكره؟» يَسأَل يسوع.

 

«وكيف! عندما نصل إلى الينابيع الحارّة فوق اليرموك، لا يبقى لنا إلاّ أن نتبع الطريق.» يُجيب بطرس.

 

«والينابيع، أين تَجِدها؟» يَسأَل توما.

 

«آه! يكفي أن يكون لكَ أنف لِتَجِدها. يشمّها المرء مِن على بُعد ميل!» يقول بطرس وهو يغضّن أنفه تقزُّزاً.

 

«لم أكن أدري أنّكَ تُعاني مِن آلام...» يُعلِّق يهوذا الاسخريوطيّ.

 

«آلام، أنا؟ ومتى إذن؟»

 

«هيه! إذا كنتَ تعرف جيّداً الينابيع الحارّة فوق اليرموك، فهذا يَفتَرِض أنّكَ قَصَدتَها.»

 

«لم أَحتَج يوماً للينابيع، أنا، لأستعيد الصحّة! فسموم العظام قد خَرَجَت منّي مع عرق العمل النـزيه... فيما عدا ذلك، كوني عرفتُ ممارسة العمل أكثر مِن المتعة، فنادراً ما دَخَلَت فيَّ السموم...»

 

«الملاحظة لي، أليس كذلك؟ طبعاً! فأنا المذنب في كلّ شيء!...» يقول يهوذا غاضباً.

 

«ولكن أنتَ مَن لَدَغَكَ؟ أنتَ تَسأَل، وأنا أجيبكَ كما أجيب المعلّم أو أحد الرفاق. ولا أخال أحداً منهم قد استاء، ولا حتّى متّى الذي... كان شهوانيّاً.»

 

«حسناً أنا أستاء!»

 

«لم أكن أعرفكَ بهذه الحساسيّة. ولكنّني أرجوكَ أن تَعذُرني على التلميح الذي تَفتَرِضه. حبّاً بالمعلّم، هل تَعلَم؟ المعلّم الحزين جدّاً بسبب بعض الغرباء، ولا حاجة له ليحزن بسببنا نحن كذلك. انظر إليه، بَدَل جريكَ وراء تخيّلاتكَ، وسترى أنّه في حاجة إلى سلام وحبّ.»

 

يسوع لا يتكلّم. يكتفي بالنَّظَر إلى بطرس، ويبتسم له عرفاناً بالجميل. يهوذا لا يُجيب على ملاحظة بطرس الصائبة. ينطوي على ذاته غاضباً. يريد أن يَظهَر مهذّباً، ولكنّ الغَيظ والمزاج السيّئ، وخيبة الأمل التي في قلبه، تتنفّس مِن نظرته، مِن نبرة صوته، مِن سحنته، وحتّى مِن مشيته الممتلئة مِن إرادة امتلاك السلطان. إنّه يضرب الأرض بغضب بنعليه، كما ليفسح المجال لكلّ ما يغلي في داخله لأن يتحرّر.

 

ولكنّه يُحاوِل الظهور بالهدوء والتهذيب؛ فلا ينجح، ولكنّه يحاول... يَسأَل بطرس: «وإذن كيف تعرف ذلك المكان؟ قد تكون قَصَدتَه مِن أجل زوجتكَ؟»

 

«لا، لقد مررتُ هناك في شهر إيتانيم (سبتمبر-اكتوبر)، عندما أتينا مع المعلّم إلى حورانيطس [حوران]، اصطحبتُ الأُمّ آنذاك مع النساء التلميذات إلى أراضي خُوزي. وهكذا، لدى العودة مِن بصرى، مررتُ مِن هناك.» يُجيب بطرس بكلّ نزاهة وكلّ حرص.

 

«هل كنتَ بمفردكَ؟» يَسأَل يهوذا بسخرية.

 

«لماذا؟ أتظنّني لا أساوي عدداً كثيراً، عندما يتعلّق الأمر بالقيام بعمل يتطلّب ثقة، وأكثر مِن ذلك يتطلّب القيام به بحبّ؟»

 

«آه! يا للكبرياء! ليتني رأيتُكَ!»

 

«لكنتَ رأيتَ رَجُلاً جادّاً يُرافِق نساء قدّيسات.»

 

«ولكن هل كنتَ حقّاً بمفردكَ؟» يَسأَل يهوذا بأسلوب مُحقِّق حقيقيّ.

 

«لقد كنتُ مع إخوة الربّ.»

 

«آه! هاك! بَدَأَت الاعترافات!»

 

«وأنتَ بدأتَ تثير أعصابي! هل يمكننا معرفة ما بكَ؟»

 

«حقّاً. إنّه لأمر مخجل.» يقول تدّاوس.

 

«وآن أن ننتهي مِن هذا.» يزيد عليه يعقوب بن زَبْدي.

 

«لا يجوز لكَ أن تسخر مِن سمعان.» يقول برتلماوس بلهجة اللّائِم.

 

«وعليكَ أن تتذكّر أنّه رئيسنا جميعاً.» يُنهي الغيور القول.

 

يسوع لا يتكلّم.

 

«آه! أنا لا أسخر مِن أحد، لا شيء لديَّ. ولكنّني أتسلّى قليلاً بمناكدته...»

 

«هذا ليس صحيحاً! إنّكَ تكذب! أنتَ تطرح أسئلة مخادعة لأنّكَ تريد الوصول إلى إثبات أمر ما. فَمَن كان ماكراً يظنّ العالم كلّه مثله. وهنا، لا أسرار. كنّا هناك جميعنا، وكلّنا فعلنا الشيء ذاته: الذي أَمَرَ به المعلّم. ولا شيء آخر. هل تفهم؟» يقول يوضاس الغاضب حقّاً.

 

«صمتاً. أنتم كالنساء اللواتي يتشاجرن. جميعكم على خطأ، وأنا خجول بكم.» يقول يسوع بصرامة.

 

صَمْت عميق أثناء توجّههم إلى المدينة التي على الرابية. ويقطع توما الصمت قائلاً: «يا للرائحة الكريهة!»

 

«إنّها الينابيع. ذاك هو اليرموك وتلك الأبنية هي الحمّامات الرومانيّة. أَبعَد قليلاً، هناك طريق جميلة مرصوفة كلّها، تقود إلى جدرة. يريد الرومان التنقّل في ظروف جيّدة. جدرة مدينة جميلة!» يقول بطرس.

 

«وستكون أكثر جمالاً لأنّنا لن نَجِد هنا بعض... الناس، على الأقلّ، بكثرة.» يُدمدِم متّى بين أسنانه.

 

يَعبُرون الجسر فوق النهر وهُم يستنشقون روائح المياه الكبريتية غير المستَحَبَّة. يَمرّون قرب الحمّامات بين العربات الرومانيّة ليَسلكوا طريقاً جميلة مرصوفة بحجارة عريضة تقود إلى المدينة في أعلى الرابية، الرائعة في سورها.

 

يدنو يوحنّا مِن المعلّم: «هل صحيح أنّه في موضع هذه المياه قد طُرِح أحد المحكومين يوماً في باطن الأرض؟ كانت أُمّي تقول لنا ذلك، عندما كنّا صغاراً، لِتُفهمنا أنّه ينبغي لنا ألاّ نُخطئ، وإلاّ فجهنّم تنفتح تحت أقدام الملعون مِن الله، وتبتلعه. وبعد ذلك، وبغية التذكير به وكإنذار، تبقى صدوع تنبعث منها تلك الروائح، تلك الحرارة، وتلك المياه الجهنّمية. أنا أخشى أن أستحمّ فيها...»

 

«مِن أيّ شيء تخاف، يا صغيري؟ لن تَفسَد منها. إنّه لأسهل أن يَفسَد المرء مِن الناس الذين يحملون الجحيم في داخلهم، مِن حيث تنبعث النتانة والسموم. إنّما لا يَفسَد إلاّ الذين لديهم الميل إلى ذلك في ذواتهم.»

 

«هل يمكن أن أَفسَد أنا؟»

 

«لا. حتّى ولو كنتَ ضمن قطيع مِن الشياطين، لا.»

 

«لماذا؟ ما الذي فيه، هو، يختلف عن الآخرين؟» يَسأَل يهوذا الاسخريوطيّ مباشرة.

 

«الذي فيه هو أنّه طاهر مِن كلّ النواحي، وبالنتيجة فهو يرى الله.» يُجيب يسوع، ويضحك يهوذا بخبث.

 

يعود يوحنّا إلى سؤاله: «إذاً فهذه الينابيع ليست أفواه جهنّم؟»

 

«لا. على العكس، إنّها أشياء صالحة أَوجَدَها هنا الخالق مِن أجل أبنائه. جهنّم ليست في باطن الأرض. بل هي فوق الأرض، يا يوحنّا. في قلوب البشر. وتكتمل في مكان آخر.»

 

«ولكن هل هناك جحيم حقّاً؟» يَسأَل الاسخريوطيّ.

 

«ولكن ما الذي تقوله؟» يَسأَل رفاقه سَاخِطِين.

 

«أقول: هل هي موجودة حقّاً؟ أنا لا أؤمن بوجودها، ولستُ الوحيد في ذلك.»

 

«كافر!» يَصرُخون بِهَلَع.

 

«لا. بل أنا إسرائيليّ. نحن كثيرون في إسرائيل لا نؤمن بهذه التفاهة.»

 

«ولكن إذن، كيف تؤمن بالجنّة؟»، «وبعدل الله؟»، «أين تضع الخطأة؟»، «كيف تُفسِّر وجود الشيطان؟» يهتف كثيرون.

 

«أقول ما أُفكِّر به، منذ لحظات اتُّهِمتُ بأنّني كاذب، وأنا أُبيّن لكم أنّني صادق، حتّى ولو كنتم تَشكُّون، وحتّى لو جَعَلَني ذلك ممقوتاً في نظركم. فيما عدا ذلك، لستُ الوحيد في إسرائيل بهذا الرأي، منذ أن تَطوَّرَ إسرائيل في ميادين العِلم بحكم علاقاته مع الهلنستيّين والرومان. والمعلّم، وهو الوحيد الذي أُجِلُّ وأحترم حكمه، لا يمكنه أن يأخذ ذلك عليَّ ولا على إسرائيل، وهو الذي يَحمي اليونان والرومان، وله صداقة علنيّة معهم... أنا أنطلق مِن هذه المقولة الفلسفيّة: إذا كان الله يتحكّم بكلّ شيء، فكلّ ما نفعله نحن هو نتيجة لمشيئته، وبالتالي عليه أن يكافئنا جميعاً بنفس الطريقة، لأنّنا لسنا سوى أشخاص مُسيَّرين يُحرّكنا هو. نحن أشخاص مَسلوبو الإرادة. المعلّم يقولها كذلك: "مشيئة العليّ، مشيئة الآب". تلك هي المشيئة الوحيدة. وهي لا محدودة لدرجة أنّها تَسحَق وتَفني إرادة المخلوقات المحدودة. وبالتالي، فالخير كما الشرّ، الذي يبدو أنّنا نفعله، إنّما الله هو الذي يفعله، ذلك أنّه هو الذي يَفرِضه. وبالتالي فإنّه لا يعاقبنا على فِعل الشرّ، وهكذا يُمارِس عدله لأنّ أخطاءنا ليست إراديّة، بل مفروضة مِن الذي يريد أن نفعلها حتّى يكون هناك خير وشرّ على الأرض. الشرّير يُساهِم في التّكفير عَمَّن هُم أقلّ منه. ويتألّم بذاته لعدم إمكانيّة اعتباره صالحاً، وهكذا يُكفِّر عن حصّته في الخطأ. يسوع قالها. جهنّم على الأرض وفي قلب الناس. الشيطان، أنا لا أشعر به. هو غير موجود. كنتُ أؤمن بذلك سابقاً، ولكنّني، ومنذ بعض الوقت، أنا على يقين أنّ كلّ ذلك هراء. وعندما يقتنع المرء بذلك يبلغ إلى السلام.»

 

يَسرد يهوذا... نظريّاته بثبات قَطَعَ أنفاس الآخرين... يسوع يَصمُت، ويهوذا يمازحه: «ألستُ على حقّ، يا معلّم؟»

 

«لا.» وجاءت الـ "لا" منه جافّة إلى حدّ أنّها بَدَت وكأنّها انفجار.

 

«ومع ذلك فأنا... لا أُحِسُّ بوجود الشيطان ولا أُسلِّمُ بحريّة الإرادة، الشرّ. وكلّ الصدوقيّين يوافقونني الرأي، ومعي كثيرون آخرون، مِن إسرائيل ومِن خارجها. لا. لا وجود للشيطان.»

 

ويَنظُر إليه يسوع نَظرَة، على درجة مِن التعقيد لا يمكن معها تحليلها. نَظرَة قاضٍ، طبيب، نظرة متألِّم أو نظرة مَشدوه... إنّها كلّ تلك معاً…

 

يهوذا، الذي ما يزال مُندَفِعاً، يَختم بالقول: «وهذا، بدون شكّ، يعني أنّني أفضَل مِن الآخرين، أكثر كمالاً منهم، وأنّني تجاوزتُ هَلَع الناس مِن الشيطان.»

 

ويَصمت يسوع. ويستثيره هو: «ولكن تكلّم! لماذا انتفى الهَلَع لديَّ؟»

 

ويَصمت يسوع.

 

«ألا تُجيب يا معلّم؟ لماذا؟ هل أنتَ خائف؟»

 

«لا. بل أنا المحبّة. والمحبّة تُمسِك حُكمها حتّى تُصبِح مُرغَمَة على إطلاقه... دعني وابتعد.» يقول أخيراً، لأنّ يهوذا يُحاوِل عِناقه، وينتهي به الأمر بنَفَس، وقد هَصَرَه المجدِّف بقوّة بين ذراعيه.

 

«أنتَ توحي لي بالاشمئزاز! فأنتَ لا ترى الشيطان ولا تحسّ به لأنّكما، هو وأنتَ، لستما سوى واحد. إليكَ عنّي يا شيطان!»

 

يهوذا، وبكلّ وقاحة، يُقبِّله ويضحك، كما لو أنّ المعلّم قال له في السرّ بعض المديح. يعود إلى الآخرين الذين وَقَفوا مَذهولِين، ويقول لهم: «أرأيتُم؟ عرفتُ كيف أفتح قلب المعلّم، وأنا أجعله سعيداً لأنّني أُظهِر له ثقتي، وأتلقّى تعليماً. أنتم، على العكس!... لا تجرؤون أبداً على الكلام. هذا لأنّكم متكبّرون. آه! أنا أتعلّم منه أكثر مِن الجميع. وسوف أتمكّن مِن الكلام...»

 

يَصِلون إلى أبواب المدينة. يَدخُلون، جميعهم، معاً، ذلك أنّ يسوع قد انتظرهم. ولكنّهم، بينما هُم يجتازون المدخل، يأمرهم يسوع: «فليتقدّم أخواي وسمعان إلى الأمام لجمع الناس.»

 

«لماذا ليس أنا يا معلّم؟ ألن تكلّفني بعد بمهمّات؟ ألأنّها لم تَعُد ذات أهميّة الآن؟ لقد أوكلتَ إليَّ اثنتين متتاليتين وقد دامتا أشهراً...»

 

«ولقد تذمّرتَ لذلك مدّعياً أنّني كنتُ أريد إبعادكَ. والآن تتذمّر لأنّني أريد إبقاءكَ إلى جانبي؟»

 

لا يعرف يهوذا بما يُجيب، ويَلزَم الصمت. يتقدّم مع توما والغيور ويعقوب بن زَبْدي وأندراوس. يتوقّف يسوع ليسمح لفليبّس وبرتلماوس ومتّى ويوحنّا بالمرور، كما لو أنّه يريد أن يبقى بمفرده. فيفسحون له المجال لذلك.

 

ولكنّ قلب يوحنّا المحِبّ، الذي دَمَعَت عيناه مرّات كثيرة، وقد لَمَعَت دموعه أثناء حوار وتجديف يهوذا، جَعَلَه يعود في الوقت المناسب ليرى يسوع غير عارف أن يُحافِظ على خطّ سيره في الدرب الموحش والمظلم بسبب القناطر (الأقواس) المتتالية التي تغطّيه، وقد وَضَعَ يديه على جبهته في حركة ألم، وانحنى كَمَن يُكابِد الكثير مِن الألم. يوحنّا الأشقر يترك رفاقه ليعود صوب المعلّم: «ما بكَ يا ربّي؟ ألا زلتَ تتألّم كثيراً، كما حينما وجدناكَ في أَكزِيب؟ آه! ربّي!»

 

«لا شيء، يا يوحنّا، لا شيء! ساعدني بحبّكَ، وحافِظ على صمتكَ مع الآخرين، وَصَلِّ مِن أجل يهوذا.»

 

«نعم يا معلّم. إنّه بائس جدّاً، أليس كذلك؟ إنّه في الظلمات، ولا يدري أنّه فيها. يظنّ أنّه وَجَدَ السلام... هل السلام هو هذا الذي له؟»

 

«إنّه بائس جدّاً.» يقول يسوع وهو مُنهَك.

 

«لا تكن مُنهَكاً هكذا، يا معلّم. فَكِّر في جموع الخطأة الغفيرة، المتصلّبين في الخطيئة، والذين عادوا إلى الصَّلاح. هكذا سيكون الأمر بالنسبة إلى يهوذا. آه!، بالتأكيد سوف تُخلِّصه! سوف أُمضي ليلي هذا في الصلاة مِن أجله. سأقول للآب أن يجعل منّي إنساناً يعرف فقط أن يحبّ، لم أَعُد أبغي سِوى هذا. كنتُ أفكّر في أن أقدّم حياتي مِن أجلكَ، أو أن أجعل سلطانكَ يَسطَع مِن خلال أعمالي. أمّا الآن فلا شيء مِن ذلك. لقد تجرَّدتُ مِن كلّ هذا، وإنّني أختار الحياة الأكثر تواضعاً والأكثر جماعيّة، وأطلب مِن الآب أن يُعطي كلّ ما لديَّ إلى يهوذا... لإرضائه... وكي يلتفت هكذا إلى القداسة... ربّي... عليَّ أن أقول لكَ أشياء... أظنّني أعرف لماذا يهوذا هو هكذا.»

 

«تعال هذه الليلة. سنصلّي معاً ونتكلّم.»

 

«وهل سيسمعني الآب؟ هل سيقبل تضحيتي؟»

 

«سوف يبارككَ الآب. ولكنّكَ سوف تتألّم مِن ذلك...»

 

«آه! لا! يكفيني أن أراكَ مسروراً... وأنّ يهوذا... وأنّ يهوذا...»

 

«نعم يا يوحنّا. إنّهم ينادوننا. فلنجرِ.»

 

الدرب يؤدّي إلى طريق جميلة. والطريق تصبح شارعاً رئيسيّاً مزيّناً بالأروقة والينابيع، وبساحات كلّ منها أجمل مِن الأخرى. ويتقاطع مع شارع رئيسيّ آخر مُشابِه، وبالتأكيد هناك في نهايته مُدرَّج. وأناس مُصابون بأمراض شتّى هُم الآن متجمّعون في إحدى زوايا الأروقة في انتظار الـمُخلِّص.

 

أتى بطرس لملاقاة يسوع: «لقد حفظوا الإيمان بما قلناه لهم عنكَ، في شهر إيتانيم (سبتمبر-اكتوبر). ولقد أتوا في الحال.»

 

«وأنا آتٍ حالاً لأكافئ إيمانهم. هيّا بنا.»

 

وفي الغسق المتقدّم الذي صَبَغَ الرخام بالأحمر، مَضى ليشفي الذين ينتظرونه بإيمان.