لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
لم أكن أؤمن بأن الحيوانات تتحدث، أو لعلني كنت أؤمن، لكنني مثل معظم البشر لم أكن أملك الصبر الكافي لأسمعها.
نحن نعتقد أن الكلام هو ما يخرج من الفم في صورة كلمات، مع أن العيون تتكلم، والآثار التي تتركها الأقدام تتكلم، والجسد المرتعش تحت المطر يقول أشياء لا تستطيع الخطب الطويلة قولها.
بدأت حكايتي في صباح بارد من شتاء ألمانيا.
كنت أسير في حديقة واسعة تتوسط إحدى المدن، وقد غطى الضباب الأشجار، فيما بدت البحيرة كمرآة رمادية نسيها أحدهم في العراء. كان الناس يمرون في هدوء، يقود بعضهم كلابًا ترتدي سترات صغيرة، بينما حمل آخرون في أيديهم أكياس الطعام وقوارير الماء.
جلست على مقعد خشبي أراقب المشهد. وعلى بعد خطوات مني كان كلب بني ضخم يجلس إلى جوار امرأة مسنّة. وضعت المرأة أمامه وعاءً من الماء، ثم انحنت تمسح رأسه برفق.
نظر الكلب إليّ طويلًا.
ثم قال:
— صباح الخير أيها الغريب.
التفتُّ حولي ظانًّا أن شخصًا يقف خلفي، لكنني لم أر أحدًا.
قال الكلب:
— لا تتعب نفسك. أنا من يتحدث إليك.
حدقت فيه مذعورًا.
— أنت تتكلم؟
هز ذيله وقال:
— نحن نتكلم دائمًا. المشكلة أن البشر لا يسمعون إلا أنفسهم.
اقترب مني بعد أن سمحت له المرأة المسنّة بالابتعاد قليلًا. جلس أمامي في وقار، وقال إن اسمه أوتو.
سألته:
— كيف ترى البشر؟
رفع أذنيه بدهشة، كأن سؤالي ساذج للغاية.
— البشر مخلوقات طيبة في الغالب. لقد سخرهم الإله لخدمتنا.
ضحكت، فعبس أوتو.
— لماذا تضحك؟
قلت:
— لأن البشر يعتقدون أن الحيوانات خُلقت لخدمتهم.
أطلق نباحة قصيرة تشبه القهقهة.
— يبدو أن الإله ترك لكل مخلوق نسخة مختلفة من القصة.
ثم أشار برأسه إلى المرأة المسنّة.
— انظر إليها. تستيقظ كل صباح قبل شروق الشمس، لا لأنها تحب البرد، بل لأنني أحتاج إلى المشي. تعمل ساعات طويلة كي تشتري لي الطعام. تحمل مظلة إذا أمطرت، وتأخذني إلى الطبيب إذا مرضت، وتعتذر لي إذا تأخرت عن موعد عودتها. فمن منا يخدم الآخر؟
قلت:
— ربما تفعل ذلك لأنها تحبك.
أجاب:
— وهل الخدمة التي تصدر عن الحب تفقد معناها؟
لم أعرف بماذا أجيبه.
في تلك اللحظة وصلت كلبة بيضاء صغيرة اسمها لونا، تتبع رجلًا شابًا يحمل في يده كرة حمراء. توقفت قربنا وقالت:
— لا تصدق أوتو في كل شيء. إنه مدلل إلى درجة تجعله يظن أن الكون بُني من أجله.
احتج أوتو:
— وهل لديك دليل على العكس؟
قالت لونا:
— لدي دليل اسمه ملجأ الحيوانات. ليس كل كلب هنا ينام على وسادة ناعمة. بعضنا تركه أصحابه حين كبر أو مرض أو أصبح أكثر كلفة مما توقعوا.
سألتها:
— أتعنين أن البشر هنا ليسوا طيبين دائمًا؟
قالت:
— لا يوجد مخلوق طيب دائمًا أو شرير دائمًا. حتى الذئب يحنو على صغاره، وحتى الإنسان الرحيم قد يمر بجانب ألم لا يريد أن يراه.
أضاف أوتو:
— لكن لديهم قوانين تحمينا.
قالت لونا:
— القانون يمنع اليد من الضرب، لكنه لا يجبر القلب على الرحمة.
جلسنا نحن الثلاثة تحت شجرة عارية. كان المارّة يبتسمون حين يرونني، لاعتقادهم أنني أتحدث إلى نفسي.
سألت أوتو:
— ما الذي يعجبك في البشر أكثر؟
فكر قليلًا ثم قال:
— قدرتهم على الندم.
قالت لونا:
— وأنا تعجبني قدرتهم على إنقاذ مخلوق لا يعرفونه.
قلت:
— وما أكثر ما تخشونه منهم؟
تبادل الكلبان نظرة صامتة.
قال أوتو:
— قدرتهم على تبرير كل شيء.
وأضافت لونا:
— الإنسان يستطيع أن يقنع نفسه بأن القسوة واجب، وأن الطمع حق، وأن الخوف حكمة، وأن الصمت حياد. هذه موهبة خطيرة لا نملكها نحن الكلاب.
سألتها:
— ألا تتقاتلون أنتم أيضًا؟
قالت:
— نتقاتل من أجل الطعام أو الأرض أو الخوف. لكننا لا نكتب كتبًا لإثبات أن الكلب الآخر أقل استحقاقًا للحياة.
ظللت أتردد على الحديقة أيامًا طويلة. وتعرفت إلى كلاب كثيرة.
كان هناك برونو، وهو كلب بوليسي متقاعد، أخبرني أن البشر يستخدمون حاسة الشم التي منحها الله له للبحث عن المفقودين والمخدرات والمتفجرات.
قال لي:
— خدمتهم سنوات، لكنني لم أفهم لماذا يصنعون الأشياء الخطيرة، ثم يدربوننا على العثور عليها.
وسألته:
— هل ترى نفسك بطلًا؟
أجاب:
— البطولة كلمة بشرية. كنت أفعل ما تعلمته، وأثق بمن يقف بجانبي. الكلاب لا تحتاج إلى الأوسمة، بل إلى ألا يتخلى عنها رفاقها بعد انتهاء المهمة.
وكان هناك كلب صغير يدعى ماكس يعيش مع رجل وحيد. قال لي:
— يظن الناس أن صاحبي أنقذني من الملجأ، لكنني أنا الذي أنقذته من وحدته. قبل أن أصل إلى منزله كان يعود من العمل فلا يجد سببًا للكلام. الآن يحدثني عن يومه، وأنا أنصت دون أن أقاطعه أو أحاكمه.
قلت:
— إذن البشر ضعفاء؟
أجاب:
— كل مخلوق يحتاج إلى مخلوق آخر. الضعف ليس في الحاجة، بل في إنكارها.
في ألمانيا بدا لي أن الكلاب تنظر إلى الإنسان بوصفه كائنًا عجيبًا، قادرًا على صناعة الدفء في الشتاء، وتخصيص الحدائق للحيوانات، وإنفاق المال لعلاج كلب مريض، لكنه في الوقت نفسه قد يشتري كائنًا حيًا لمجرد أن شكله أعجبه، ثم يتخلص منه حين تتغير ظروفه.
وفي آخر لقاء لي مع أوتو، سألته:
— هل تعتقد حقًا أن الإله خلق البشر لخدمتكم؟
تثاءب وقال:
— ربما لم يخلق أحدًا لخدمة أحد. ربما خلقنا ليمتحن كل واحد منا في الطريقة التي يعامل بها من هو أضعف منه.
بعد أيام غادرت ألمانيا متجهًا إلى اليمن.
حين هبطت الطائرة شعرت أنني انتقلت من عالم مصقول الحواف إلى عالم تتكسر فيه الأشياء قبل أن تكتمل. كان الغبار يملأ الهواء، والمباني تحمل آثار سنوات قاسية، والوجوه تمضي وهي مثقلة بهموم لا تظهر في الصور.
في مساء يومي الأول، خرجت أمشي في أطراف المدينة. رأيت كلبًا نحيلًا ينبش كومة من القمامة. كان جلده ملتصقًا بعظامه، وفي عنقه جرح قديم.
اقتربت منه بحذر وقلت:
— مساء الخير.
استدار فجأة وكشر عن أنيابه.
— ابتعد أيها البشري.
قلت:
— لن أؤذيك.
ضحك ضحكة جافة.
— هذه العبارة يقولها البشر عادة قبل أن يؤذوا أحدًا.
تراجعت خطوة وجلست على حجر بعيد. أخرجت قطعة خبز ووضعتها على الأرض، ثم ابتعدت عنها.
ظل يراقبني حتى تأكد أنني لا أخدعه. اقترب من الخبز والتهمه بسرعة.
قال:
— ما الذي تريده؟
— أريد أن أتحدث إليك.
— البشر لا يتحدثون معنا. يصرخون، يرمون الحجارة، يطلقون النار، أو يمرون كأننا غير موجودين.
قلت:
— ما اسمك؟
— لم يمنحني أحد اسمًا. لكن الكلاب الأخرى تدعوني وردان.
سألته السؤال نفسه الذي سألته لأوتو:
— كيف ترى البشر؟
نظر وردان إلى المدينة، ثم قال:
— البشر مخلوقات عدوانية ومضرة. يقتلوننا أحيانًا دون أن يأكلونا، ويطاردوننا دون أن نقترب منهم. لم أفهم لماذا خلقهم الإله، ولا ما الفائدة منهم.
شعرت بوخزة في صدري.
قلت:
— في بلاد أخرى، يطعم البشر الكلاب ويعالجونها ويعتبرونها أفرادًا من أسرهم.
حدق بي طويلًا، ثم قال:
— يبدو أنك تتحدث عن نوع آخر من البشر.
في اليوم التالي عدت إليه ومعي طعام وماء. وجدته مع ثلاثة كلاب أخرى: كلبة سوداء تدعى رشمة، وكلب أشيب بعين واحدة يدعى شبح، وجرو صغير لم يسموه بعد.
قال وردان:
— هذا هو البشري الذي يزعم أن هناك بلادًا يخدم فيها الناس الكلاب.
اقترب شبح مني وشم ملابسي.
— رائحتك غريبة. هل جئت من تلك البلاد؟
أجبته:
— نعم.
قال:
— أخبرنا، هل يشبع كل البشر هناك؟
قلت:
— لا.
— وهل ينام كل إنسان في بيت دافئ؟
— لا.
— وهل يتوقفون عن قتل بعضهم؟
— لا.
هز شبح رأسه وقال:
— إذن لا تنخدع بكثرة الأوعية النظيفة.
اعترضت:
— لكن العناية بالحيوان علامة على الرحمة.
قالت رشمة:
— الرحمة لا تتجزأ. من يرحم كلبه ويكره الإنسان الغريب لم يفهم الرحمة، بل وسّع حدود أسرته قليلًا.
قال وردان:
— ومع ذلك، من يرحم كلبًا واحدًا أفضل ممن لا يرحم أحدًا.
بدأ الحوار يحتد بين الكلاب، فجلست أستمع.
قال شبح:
— البشر لا يكرهوننا لأننا فعلنا شيئًا. يكرهوننا لأنهم خائفون. الإنسان الخائف يبحث عن مخلوق أضعف ليشعر أنه قوي.
قالت رشمة:
— وبعضهم يكرهنا لأنه تعلم منذ طفولته أننا نجسون أو خطرون، ولم يحاول يومًا أن يختبر ما تعلمه.
قلت:
— الأديان تدعو إلى الرحمة.
أجابت رشمة:
— لا أعرف الأديان، لكنني أعرف الأيدي. اليد التي تسقيني رحيمة، واليد التي تضربني قاسية. الكلمات التي يقولها صاحب اليد لا تغير الألم.
احتج وردان:
— لكنني رأيت رجالًا يضعون لنا الماء في أيام الحر.
قال شبح:
— ورأيت رجالًا يضعون السم في الطعام.
قلت:
— لا يمكن الحكم على البشر جميعًا بالطريقة نفسها.
اقترب شبح مني حتى صار وجهه قريبًا من وجهي.
— وأنتم، هل تتوقفون عن الحكم على كلب كامل بسبب عضة كلب واحد؟
صمتُّ.
كانت المدينة من حولنا تمتلئ بأصوات السيارات والمولدات والباعة. وفي مكان بعيد دوى انفجار مكتوم، فارتجف الجرو الصغير واختبأ تحت بطن رشمة.
سألت:
— هل تخافون الحرب؟
قال وردان:
— نحن لا نعرف أسماء الحروب. لا نعرف من بدأها ولا من انتصر فيها. نعرف فقط أن البيوت تسقط، وأن الطعام يقل ويزاحمونا بعض البشر على القمامة، وأن الأصوات العالية تقتل الطيور وتخيف الصغار.
قال شبح:
— البشر يرسمون خطوطًا على الخرائط، ثم يموت من لا يعرف شيئًا عن الخطوط.
قالت رشمة:
— حين يتشاجر الكلاب، يقال إنها حيوانات. وحين يدمر البشر مدينة، يسمون ذلك سياسة.
سألتهم عن الجوع.
قال وردان:
— الجوع ليس ألمًا في البطن فقط. الجوع يجعل العالم كله يبدو عدوًا. حين تجوع طويلًا، تنسى أنك كنت لطيفًا.
قالت رشمة:
— لهذا لا أحاكم الكلب الذي يخطف الطعام من صغاري بسرعة. ربما لديه صغار ينتظرونه أيضًا.
سألت:
— وهل يعذر الجوع الإنسان إذا صار قاسيًا؟
قالت:
— يفسر القسوة، لكنه لا يجعلها خيرًا.
في الأيام التالية صرت ألتقي الكلاب كل مساء. كنا نتحدث عن أشياء لم أتوقع يومًا أن أناقشها مع حيوانات الشوارع.
تحدثنا عن الحرية.
قال وردان:
— كلاب ألمانيا مقيدة بحبال، لكنها آمنة. ونحن أحرار في الشوارع، لكننا قد نموت في أي لحظة. فأي الفريقين حر؟
قال شبح:
— الحرية دون أمان مطاردة طويلة، والأمان دون حرية قفص واسع.
تحدثنا عن الملكية.
قالت رشمة:
— البشر يقولون: هذا كلبي. هل يقول الكلب يومًا: هذا إنساني؟
قلت:
— ربما يشعر بذلك.
قالت:
— الحب علاقة، أما الملكية فادعاء.
تحدثنا عن النظافة.
قال شبح:
— يصفوننا بالقذارة، مع أن القمامة التي ننبشها من صنعهم. لم ننتج علبة واحدة، ولم نصنع كيسًا بلاستيكيًا واحدًا، ثم يلوموننا لأننا نعيش بين مخلفاتهم.
وتحدثنا عن الوفاء.
قلت لهم:
— يشتهر الكلب بالوفاء للإنسان.
قال وردان:
— هذه دعاية بشرية تجعل وفاءنا واجبًا، بينما تجعل وفاءهم لنا فضلًا.
قالت رشمة:
— الكلب يظل قرب صاحبه لأنه لا يفهم معنى التخلي بسهولة. الإنسان يفهمه جيدًا، ولذلك يمارسه بمهارة.
وتحدثنا عن الموت.
قال شبح:
— رأيت كلابًا تموت في الطرقات، تمر السيارات بجوارها كأنها أكياس ممزقة. ربما يموت الإنسان مرتين، مرة حين يتوقف قلبه، ومرة حين يعتاد الآخرون رؤيته ملقى على الطريق.
سألته:
— وهل تخاف الموت؟
قال:
— أخاف الألم الذي يسبقه. الموت نفسه قد يكون أكثر رحمة من بعض الأيام.
ذات مساء، جاء صبي صغير يحمل كيسًا من الخبز اليابس. كان اسمه سالم. وزع الخبز بين الكلاب، وجلس قرب الجرو الصغير يداعب رأسه.
همس وردان:
— هذا واحد من البشر الذين لا أفهمهم.
قلت:
— ماذا تقصد؟
— هو نفسه يجوع أحيانًا، لكنه يقسم طعامه معنا. إن كان البشر أشرارًا، فمن أين جاء هذا؟
قال شبح:
— ربما أخطأنا حين قلنا إن البشر لا فائدة منهم.
قالت رشمة:
— أو ربما الفائدة منهم أنهم يمنحوننا الأمل، ثم يمتحنون قدرتنا على الاحتفاظ به.
سأل سالم عن سبب جلوسي كل مساء بين الكلاب.
قلت:
— أتعلم منها.
ضحك وقال:
— أبي يقول إن الكلاب لا تفهم.
نظر وردان إليّ، ثم قال:
— قل له إن البشر يريحهم الاعتقاد بأن من يظلمونه لا يفهم.
لم أترجم العبارة لسالم. اكتفيت بأن قلت له:
— ربما تفهم أكثر مما نظن.
في آخر ليلة لي في اليمن، اجتمعت الكلاب حولي. كان القمر شاحبًا، والمدينة غارقة في انقطاع الكهرباء.
قلت لهم:
— في ألمانيا سألت كلبًا لماذا خلق الإله البشر، فقال إنهم ربما خلقوا لخدمة الكلاب. وهنا سألتم أنتم ما الفائدة من وجود البشر. ماذا أكتب حين أعود؟
قال وردان:
— اكتب أن الكلاب لا تملك رأيًا واحدًا في الإنسان.
قالت رشمة:
— اكتب أن صورة الإنسان تتغير بحسب اليد التي تمتد نحونا.
قال شبح:
— اكتب أن الحضارة لا تقاس بارتفاع المباني، بل بانخفاض مقدار الخوف في قلب أضعف مخلوق يمشي تحتها.
قلت:
— لكن الناس سيقولون إن الفقر والحرب يجعلان العناية بالحيوانات ترفًا.
أجاب وردان:
— نحن لا نطلب أسرّة ناعمة. نطلب ألا يقتلونا بلا سبب.
وقالت رشمة:
— الرحمة لا تحتاج دائمًا إلى المال. أحيانًا تحتاج فقط إلى حجر لا يُرمى، وباب لا يُغلق، ووعاء ماء يُترك في الظل.
سألت شبح:
— وبعد كل ما رأيته، هل ما زلت تعتقد أن البشر بلا فائدة؟
نظر إلى سالم النائم قرب جدار، وقد وضع رأس الجرو الصغير فوق ساقه.
قال:
— لا. لكن فائدتهم لم تثبت بعد.
ودعتهم قبل الفجر.
عدت إلى ألمانيا بعد أسابيع، وذهبت مباشرة إلى الحديقة. وجدت أوتو قرب البحيرة، يرتدي معطفًا جديدًا، وأمامه وعاء من الماء النظيف.
فرح برؤيتي وسأل:
— هل قابلت كلاب اليمن؟
قلت:
— نعم.
— وهل أكدوا لك أن البشر خلقوا لخدمتنا؟
جلست بجانبه وقلت:
— قالوا إنهم لا يعرفون لماذا خلق البشر أصلًا.
ساد الصمت.
حكيت له عن وردان ورشمة وشبح والجرو الصغير وسالم. حدثته عن الحجارة والجوع والخوف، وعن الأوعية الفارغة في البلاد الحارة، فيما تمتلئ أوعية كثيرة هنا بماء لا يشربه أحد.
خفض أوتو رأسه.
قال:
— لم أكن أعرف.
قلت:
— معظم النعم تبقى غير مرئية لمن وُلد داخلها.
سألني:
— وهل كان البشر هناك جميعًا قساة؟
— لا. كان بينهم سالم.
ابتسم أوتو.
— إذن ما زال هناك أمل.
قلت:
— الأمل موجود، لكنه ضعيف كجرو ينام في شارع مظلم.
في أثناء حديثنا، مرت امرأة تحمل كيسًا من الطعام، فأخذ أوتو يقفز حولها فرحًا. ضحكت المرأة وأعطته قطعة صغيرة.
قال أوتو وهو يمضغ:
— ما زلت أرى أن البشر مخلوقات طيبة.
قلت:
— لأنك تنظر إليهم من يد تحمل الطعام.
ثم تذكرت وردان وقلت:
— وهناك من يراهم من يد تحمل حجرًا.
نظر أوتو إلى البحيرة طويلًا، ثم قال:
— ربما لا يعرف أحد حقيقة البشر كاملة، لا الكلاب التي أحبوها ولا الكلاب التي قتلوها.
قلت:
— وربما تكون الحقيقة مجموع الشهادتين.
عندما غادرت الحديقة أدركت أنني لم أعد أستطيع النظر إلى الإنسان بالطريقة القديمة.
فالإنسان في عين الكلب الألماني خادم عطوف، يفتح الأبواب ويملأ الأوعية ويقود صاحبه إلى الحدائق.
والإنسان في عين كلب يمني جائع صياد غامض، يملأ الطرقات بالخوف ثم يتساءل لماذا تنبح الكلاب.
لكن الإنسان نفسه يستطيع أن يكون الاثنين معًا.
يستطيع أن يربت على رأس كلبه في الصباح، ثم يمر في المساء بجوار مخلوق يتألم دون أن يراه. يستطيع أن يبني مستشفى للحيوانات في مدينة، ويصنع حربًا تجعل البشر والحيوانات بلا دواء في مدينة أخرى. يستطيع أن يتحدث طويلًا عن الرحمة، ثم يغضب من أول مخلوق يطالبه بأن يحولها إلى فعل.
ومنذ ذلك اليوم، كلما سمعت كلبًا ينبح، لم أعد أقول إنه يصدر ضجيجًا.
كنت أتساءل:
أي صورة من صور الإنسان رآها هذا الكلب؟
هل رأى اليد التي تحمل الطعام، أم اليد التي تحمل الحجر؟
وهل كان نباحه تحية، أم استغاثة، أم شهادة أخيرة ضد عالم لم يمنحه فرصة للكلام؟
لقد تعلمت من الكلاب أن الله ربما لم يسخر البشر لخدمتها، ولم يخلقها لخدمة البشر.
ربما وضع المخلوقات الضعيفة في طريق الإنسان لتكون مرآته.
فمن أراد أن يعرف مقدار إنسانيته، لا يسأل الأقوياء عنه، ولا ينظر إلى الطريقة التي ينحني بها أمام من يخشاه أو يحتاج إليه.
عليه أن يسأل كلبًا جائعًا قابله في طريق مظلم.
فالضعفاء وحدهم يعرفون الحقيقة الكاملة عن أخلاقنا.
14.07.2026
=الحوار افتراضي وخيالي ولا يمت إلى الواقع بصلة