لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
حين وطئت قدماي كلية التربية بحجة، كنت أشعر أنني أبدأ فصلًا جديدًا في حياتي، محمّلًا بآمال كبيرة ومثقلًا بتحديات لم أكن أتخيل حجمها. دخلت المعامل بين أروقة الكلية، وكانت من نصيبي عدة مقررات عملية، اقتربت فيها من الطلاب أكثر مما يتيحه أي درس نظري. للحق، لم يكن هؤلاء الطلاب عاديين؛ كانوا مثالًا في الخلق والجدية والالتزام، وقد لاحظت منذ البداية أنهم يحملون شيئًا نادرًا: مزيجًا من الاحترام العميق، والفضول العلمي، والإصرار على تجاوز واقعهم القاسي. بعضهم اليوم صار دكتورًا جامعيًا وزميل مهنة، وآخرون اختطّوا لأنفسهم طرقًا مهنية مشرّفة. كان مؤلمًا أن أرى كيف يعيش كثير منهم حالة فقر مدقع، ومع ذلك، لم يتركوا لليأس منفذًا إلى عزيمتهم.
كنت في تلك الفترة حديث عهد بالزواج وأسكن في صنعاء، لكن العمل في حجة فرض عليّ طقسًا أسبوعيًا شاقًا. كنت أغادر بيتي قبل الفجر متجهًا إلى "الفرزة"، أستعد لركوب "البيجو"، ذاك الذي كان اليمنيون يلقبونه ساخرين بـ "تابوت الموت"، إذ لا ينجو راكبه من عناء ولا من خطر. ننطلق قبيل شروق الشمس، والبرد يعض أطرافنا، نمرّ بهمدان، ثم نعبر عمران التي كنّا نتوقف فيها لفطور دافئ وشهي، يعيد للروح شيئًا من الدفء قبل أن نواصل السير. ومن هناك يبدأ الطريق يزداد وعورة: منحدرات الأشمور، مصانعها الباردة، نقيل الخذالي الشاهق، وصولًا إلى كُحلان عفار حيث تنفتح الطريق على مسالك شديدة الانحدار والالتواء، كأنها اختبار حقيقي لصبر المسافرين.
كنت أصل الكلية بين الثامنة والتاسعة صباحًا، منهكًا من الرحلة الطويلة، لكن بلا مجال للراحة؛ ثلاث محاضرات متتالية كانت تنتظرني، أؤديها بروح المثابرة أكثر من أي شيء آخر. بعد انتهاء عملي، كنت أصعد إلى مدينة حجة لأتدبر أمر السكن، وقد سكنت في أكثر من مكان هناك، كل واحد منها ترك في ذاكرتي أثرًا مختلفًا.
راتبي آنذاك لم يكن يتجاوز 28 ألف ريال، وهو مبلغ بالكاد يغطي تكاليف السفر ذهابًا وإيابًا أربع مرات في الشهر، فضلًا عن السكن والمصاريف الأساسية. حتى حين ارتفع الراتب لاحقًا إلى 34 ألفًا، ظل الغلاء يبتلع الزيادة قبل أن تصل إلى يدي. كنت أعيش في شظف حقيقي، أحاول أن أوازن بين مسؤولياتي الجديدة كزوج وكمحاضر، وبين أحلامي المؤجلة.
آنذاك كانت فكرة الدراسات العليا تلاحقني بإلحاح. كنت محتارًا: هل أبحث عن منحة خارجية، أم أواصل دراستي هنا في اليمن؟ كان كل من يعرفني ويحبني ينصحني بالسفر لنيل منحة، غير أنهم لم يكونوا يعرفون أن قلبي كان أسيرًا لالتزام أعمق: والدتي المريضة. كنا نسكن معًا، وكانت بحاجة لرعاية مستمرة. حين فاتحتها ذات يوم بموضوع السفر، باغتتني بكلمة مزّقتني من الداخل: "ولمن تتركني؟" كانت جملة قصيرة لكنها حاسمة؛ شعرت أني لا أملك خيارًا آخر. قررت البقاء، مهما كانت التضحيات، ورسمت لنفسي طريقًا جديدًا نحو الماجستير في الداخل.
كنت أحيانًا أميل للتفكير في ماجستير تربوي باعتباري خريج كلية التربية، لكنه كان يعني أن أبتعد عن الفيزياء، تلك العشيقة التي صارت تسكن وجداني. وبعد حيرة طويلة، انتصرتُ لشغفي القديم، وقررت أن أخوض الماجستير في الفيزياء. لكن المشكلة أن قانون جامعة صنعاء لم يسمح لي بدخول التمهيدي مباشرة؛ كان عليّ أن أدرس سنة "مقاصة" في كلية العلوم.
وهكذا وجدت نفسي موزعًا بين جهتين: مطلع الأسبوع أدرس في كلية العلوم بصنعاء، ونهايته أعود إلى حجة للتدريس. كانت تلك السنة من أصعب ما مررت به؛ ضغوط مالية خانقة، مسؤوليات متشابكة، وضغط ذهني يكاد يسحقني. لكن الله لطف بي، واجتزت المقاصة بدرجات مبهرة، لأجد نفسي أخيرًا مؤهلًا لدخول تمهيدي الماجستير بقسم الفيزياء.. خطوة صغيرة نحو حلم أكبر، لكنها كانت بالنسبة لي نصرًا مبينًا