لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
خلال عامين قضيتُهما في التدريس الإلزامي، كنت أُعدّ نفسي لهدفي الأسمى: اختبار القبول في كلية الطب. كنت أعيش على يقين أن مكاني هناك محفوظ، وأن أحلامي ستُفتح أبوابها مع أول إعلان للنتائج.
لكن.. قبل تلك اللحظة، وقعت الحادثة المشؤومة التي هزّت أروقة كلية الطب، والتي ارتكبها المجرم محمد آدم (يمكن الرجوع لتفاصيلها في الإنترنت). ورغم ذلك، ما إن أُعلن عن فتح باب التنسيق للعام الجديد حتى سارعت بالتسجيل، وكلي عزيمة أن أمضي في طريقي.
كانت المفارقة أن اختبارات القبول لكلية الطب والهندسة جاءت متزامنة في اليوم نفسه. لم أملك إلا أن أختار، فتركتُ الهندسة خلفي وأعلنت ولائي لحلمي الكبير: الطب. دخلت قاعة الامتحان، أديتُ بثقة، وخرجت وأنا على يقين أن النجاح مجرد تحصيل حاصل.
ثم جاء يوم النتيجة.. لحظة الحقيقة. ذهبتُ لأرى اسمي في الكشوفات، وإذا بي أصطدم بالصدمة: ترتيبي 235، بينما آخر طالب تم قبوله كان 234. خطوة واحدة فقط حالت بيني وبين حلمي!
لماذا انتهت القائمة عند اسمي بالضبط؟ لماذا لم يضيفوا مقعدًا آخر؟ لماذا جاءت درجتي أقل بكثير مما توقعت؟ أسئلة لا تزال تطاردني حتى اللحظة.
بدأت رحلة النضال في أغسطس ذلك العام.. بين أبواب العميد والبحث عن وساطة، أطرق هذا وأرجو ذاك. العميد الجديد – لم يفتح لي إلا مرة واحدة، وكانت إجاباته كالسهم في صدري:
"معك 1200 دولار؟ نسجلك نفقة خاصة، فأنت أول واحد في الاحتياط".
يا دكتور.. من أين لي بهذا المبلغ؟ طلبتُ منه أن يعمل لي "إزاحة" في الكشف، فقال:
"أعدك، إذا خرج أي طالب فأنت أول من سيُقبل".
خرجتُ من مكتبه محطمًا.. حلمي يتفتت بين يديّ.
ولأن خيارات التنسيق كانت قد أُغلقت تقريبًا، لم يبقَ أمامي سوى كلية الزراعة وكلية التربية. توجهتُ إلى الأخيرة، وهناك استقبلني الدكتور عبدالله النهاري (كان رئيس لجنة التنسيق حينها) بابتسامة عريضة حين رأى معدلي في الثمانينات وقال لي:
"أنت مقبول مباشرة.. اختر أي تخصص".
اخترتُ الفيزياء، لا اعتباطًا، بل لأن قلبي كان قد مال إليها.. كنت في تلك الأيام أقرأ كتاب الكون للعالم العظيم كارل ساجان، وقد أسرني بكلماته، أشعل في داخلي حب الفيزياء والدهشة من أسرار الكون. ومن هنا بدأت رحلتي معها.. رحلة لم تنتهِ حتى اليوم.
بعدها فقط علمت الحقيقة المرة: تم إدخال أكثر من 20 طالبًا بوساطات إلى كلية الطب، بعضهم بمعدلات في السبعينات! والمقاعد "المحجوزة" كانت أكثر مما يُتخيل. لم يخبرني أحد، لم يكن لي سند يرشدني، ولا وساطة تدفع عني هذا الظلم.
هل ما وصلتُ إليه اليوم أفضل أم أسوأ؟ لا أعلم.. لأنني لم أجرب الطريق الآخر. لكنني أعلم شيئًا واحدًا: أن الحمد لله على خيرته، فقد ساقني القدر إلى الفيزياء، ومنها وجدت نفسي وعالمي.
الصورة لكلية الطب جامعة صنعاء مأخوذة من الانترنت.