لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
بعد تخرجي من الثانوية من مدرسة هايل سعيد أنعم في أمانة العاصمة عام 97/1998م، بمعدل مرتفع، كانت دفعتنا آخر دفعة تؤدي خدمة "الدفاع الوطني" أو ما عُرف بالتجنيد الإجباري. قُسِّمنا حينها إلى فئتين: من هم دون 80% التحقوا بالخدمة العسكرية، أما من تجاوزوا ذلك المعدل فكانت خدمتهم الإلزامية في التدريس. وكان قدري أن أبدأ مسيرتي مع التدريس.
وبما أنني من أبناء مديرية السلفية – ريمة، وهي من المناطق الريفية التي كانت بحاجة ماسة إلى المعلمين، فقد تم توزيعي إلى مدرسة موسى بن نصير في قرية كزومة بجبل بني قشيب اسمها حاليا (مجمع الشهيد عاطف).
أتذكر أول يوم لي هناك: انطلقتُ ظهرًا، والشمس في كبد السماء، صاعدًا من قريتي نحو المدرسة التي تنتصب على قمة جبل بني قشيب. كنت قد ابتكرت طريقًا مختصرًا يكاد يكون بدرجة شبه قائمة، أقطع صعوده في 25 دقيقة، وأعود نزولاً في 15 دقيقة جريًا عبر منحدرات مخيفة، لم أكن أعير للسلامة أي اهتمام، ربما لثقة بعنفوان الشباب الذي كنت أحمله يومها.
وصلت المدرسة للمرة الأولى، لا أعرف أحدًا سوى اسم المدير الأستاذ عنان الشبلي، والوكيل الأستاذ إبراهيم قحطان. وكلّفوني يومها بتدريس القرآن الكريم والتربية الإسلامية للمرحلتين الإعدادية والثانوية ورياضيات الثانوية الأدبي، إذ كانت بقية المواد يتولاها مدرسون آخرون.
كان الراتب حينها زهيدًا – نحو 2400 ريال شهريًا – لا نستلمه إلا في نهاية العام، ولا يكاد يكفي حتى لمصاريفي الشخصية. ومع ذلك، فقد كانت تلك الفترة من أجمل أيام حياتي. المدرسة كانت مسائية، وكنت أصعد إليها كل يوم ظهرًا، أستعين بمظلّة صغيرة وجهاز راديو بحجم الكف، أرافق به رحلتي اليومية وأنا أستمع لبرنامج منوعات رائع من إذاعة الإمارات (لا أذكر اسمه الآن).
أما الطلاب، فكانوا من أنبل من عرفت: احترام والتزام، وأهالي القرية كانوا أهل كرم وتعاون. وزملائي المعلمون إخوة أعزاء، ما زلت أحتفظ بصداقات بعضهم حتى اليوم. وكم يسعدني أن يتواصل معي أحد طلاب تلك الفترة، فقط وفاءً لمعلمٍ حاول أن يبذل ما استطاع في سبيل تعليمهم.
لقد أحببت التدريس منذ زمن، ولا زلت وفيًّا لهذه المهنة حتى اليوم. فبعد أن حصلت على شهادة الدكتوراه في فيزياء الليزر، واصلت التدريس في عدد من الجامعات الحكومية والأهلية داخل اليمن وخارجها. علاقتي بالتدريس علاقة متجذّرة، قوية جدًا، أشعر أنها أشبه بإرث حيّ ورثته عن والدي رحمه الله.
شكرًا لكل من جمعني القدر به في تلك الأيام، وشكرًا لمن التقط هذه الصورة مروان السلفي التي أعادت إليَّ أجمل الذكريات ..
تلك حكاية مختصرة جدا عن أول سنة تدريس في الخدمة الإلزامية ، أما السنة الثانية فسوف اتركها لذكرى في وقت لاحق