لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
في قريتي الصغيرة ، بين مدرجات خضراء وطرقات ضيقة، بدأت حكايتي. هناك أنهيت الصف الأول الإعدادي بمدرسة الفوز بـ عرون النوبة، قبل أن تدفعنا الظروف إلى الرحيل. كانت الهجرة الأولى في حياتي.. صوب البحر.
انتقلتُ إلى الحديدة حيث كان أخي الأكبر عبد الملك يعمل، وهناك بدأت مرحلة جديدة من عمري. ما زلتُ أذكر اللحظة الأولى: وصلت إلى منطقة السلخانة – شارع النجدة، يومها كانت طرقاتها رملية بالكامل، تُعد من الأحياء الجديدة، بينما اليوم صارت تكاد تكون في قلب المدينة. سكنا أنا ووالدي أولًا، قبل أن تلتحق بنا الأسرة. ومنذ تلك الأيام بدأت الذاكرة تكتظ بالمشاهد الأولى: مذاق الماء الذي لم يرق لي في البداية، ورائحة البحر الممزوجة بالملوحة، وحرارة شمس المدينة الساحلية التي لا ترحم.
الطريق إلى المعهد
سُجّلتُ في معهد مصعب بن عمير العلمي، الذي كان يديره الأستاذ علي عبد الرحيم الشميري، ومعه طاقم من أبناء شمير الذين مثّلوا ركيزة إدارة المعاهد العلمية في الحديدة. كان الطريق إلى المعهد بحد ذاته تجربة. كنتُ أقطع المسافة سيرًا على الأقدام بين أكوام الرمل، بينما الرياح تعبث بوجهي وتملأ فمي بالرمل دون أي استئذان – طعمٌ ما زلتُ أشعر به كلما تذكرت. الناس في الشارع كانوا يتصببون عرقًا، بقع بيضاء من أثر الملح تكسو ثيابهم، وروائح متباينة تلتصق بالذاكرة أكثر مما تلتصق بالأنوف. أضحك اليوم وأنا أستعيد تلك التفاصيل، لكنها كانت جزءًا من التكوين.
صدمة المناهج الجديدة
دخلتُ المعهد لأجد نفسي أمام منهج مختلف تمامًا عمّا عرفته في المدارس الحكومية. التربية الإسلامية تحوّلت إلى مواد متشعبة: الحديث من سبل السلام، الفقه من فقه السنة لسيد سابق، الفرائض، التوحيد، الحفظ والتلاوة والتجويد، السيرة النبوية. أما اللغة العربية فقد تشظّت إلى: النحو من كتاب تقريب قطر الندى، الصرف، البلاغة، النصوص، الخط، الإنشاء، وحتى الأناشيد. وكان هناك أيضًا التاريخ، مختلفًا في مضمونه، يتناول الدولة الأموية والعباسية بقراءة تحليلية جديدة علينا.
كان الجدول الدراسي طويلاً ومكثفًا، لكنني تأقلمت سريعًا، وأصبحت من المتفوقين الذين حظوا باهتمام المدرسين.
المسجد الصفيح
في الحارة التي سكناها كان هناك مسجد صغير (أبو عبيدة) بُني من ألواح الصفيح. كان حرّه خانقًا، لا يخفف من وهجه سوى مراوح متعبة. ومع ذلك، كنتُ مواظبًا على الصلاة فيه. ومع مرور الوقت، وبتفوقي الدراسي، أصبحتُ بعد عام فقط إمامًا لذلك المسجد، ثم معلمًا لتحفيظ القرآن فيه. كان الأمر يفوق سنّي الصغيرة، لكنه كان يُشعرني بمسؤولية ورسوخ مبكر.
تفاصيل الحياة اليومية
كنتُ أصغر إخوتي، ولهذا وقع على عاتقي جزء من المهمات اليومية. كنتُ أخرج لجلب الطحين أو شراء بعض الحاجيات من البقالات. ورغم قسوة الشمس، كنت أعتبر نفسي الأوفر حظًا، إذ كنتُ أتنقل أكثر من غيري، وأحتك بالناس، وأتعرف على المجتمع الجديد.
كان جيراننا من مناطق مختلفة: تهامة، حجة، البيضاء، ريمة.. خليط بشري لطيف وبسيط. ارتبطتُ بأقراني، ولعبنا كثيرًا معًا، لكن مع مرور السنوات تفرقت بنا السبل وانقطعت الصلات، كما يحدث دائمًا في المدن.
البحر.. الدهشة الأولى
أكثر ما ترك بصمته في تكويني كان البحر. أوّل مرة وقفت أمامه شعرت بدهشة لا توصف: مياه بلا نهاية، ملوحة تلسع الشفتين، ورائحة خاصة لا تشبه شيئًا آخر. الأمواج كانت تقترب وتبتعد في إيقاع مهيب، كأنها درس في الإصرار والصبر. ذلك البحر لم يكن مجرد مشهد طبيعي؛ كان مدرسة في الانفتاح على اللانهائي، وقد شكّل جزءًا من شخصيتي اللاحقة.
ليالي الاعتكاف
لم تكن الحياة في المعهد مقتصرة على الكتب والدروس، فقد عشنا أنشطة لا صفية عديدة: رحلات إلى مشرافة بوصاب وغيرها ، صيام جماعي، مبيت ليلي، اعتكاف. وأذكر العشر الأواخر من رمضان التي قضيناها في جامع الأسودي، حيث امتزجت حرارة الصيف بروحانية القيام، وتخللتها فعاليات متنوعة. في إحدى تلك الليالي حضر الأستاذ مفضل إسماعيل الأباره، ضيفًا على المعتكفين، فأنشد بصوته العذب أنشودة تركت في قلبي أثرًا لا يزول.
خاتمة
كانت تلك السنوات مزيجًا من الكفاح المبكر والدهشة الأولى: دهشة المناهج الجديدة، دهشة البحر، دهشة الانتقال من الجبال إلى الساحل، ومن الطفولة إلى المسؤولية. واليوم، حين أعود بالذاكرة إلى تلك المرحلة، أجدها من أجمل أيام عمري، لأنها صنعت مني ما أنا عليه، وعلّمتني أن الحياة، مهما كانت صعبة أو مليئة بالرمل والعرق، تظل دائمًا قادرة على أن تمنحنا لحظات من الدهشة والصفاء.