لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
في صيف عام 2004، كان الهواء مشبعاً برائحة النهاية والبدايات. نهاية مرحلة طويلة من السهر والكد والاجتهاد، وبداية طريق جديد لا أعرف إلى أين سيمتد. ذلك اليوم لم يكن يوماً عادياً، كان يوماً استثنائياً بكل ما تحمله الكلمة من معنى.. يوم التخرج من جامعة صنعاء بكالوريوس التربية – قسم الفيزياء الدفعة 24 دفعة الصدارة. خلال أربع سنوات اجتزت أكثر من 135 اختبارا نهائيا ومثلهم نصف نهائي وواجبات وتقارير وغيرها.
استيقظت باكراً، وقد غمرني شعور لا يوصف. شعور الطالب الذي حمل سنوات من المعادلات والتجارب والاختبارات، ليضعها أخيراً في ميزان الإنجاز. ارتديت أجمل ما لديّ، وكنت أنظر في المرآة محاولاً أن أصدّق أنني وصلت إلى هذه اللحظة التي طالما تخيلتها.
عند قاعة الاحتفال، كان المشهد مهيباً: مقاعد ممتلئة بالزملاء، وضيوف جاءوا من أماكن مختلفة لمشاركة أبنائهم وبناتهم هذه اللحظة الفارقة. كان والدي هناك، بوجهه الوقور الذي يختزن ملامح الفخر والتعب معاً. وكان إلى جانبه إخوتي وابناهما، وجيراني وبعض أقاربي الذين حرصوا أن يكونوا حاضرين في هذا اليوم. كل هؤلاء جلسوا ينتظرون تلك اللحظة التي يُنادى فيها اسمي، ليصفقوا ويشعروا أن تعب السنين لم يذهب سدى.
لكن.. لم يكن كل شيء يسير كما توقعت. ففي كواليس الحفل، كان لرئيس القسم ومندوب اتحاد الطلاب كلمة أخرى. كانا ينتميان إلى حزب سياسي بعينه، وحين تبيّن لهما أن المراتب الأولى – الأول والثاني والثالث – ليست من حصتهم ولا من "لونهم الحزبي"، قرروا في لحظة أن يغيروا نظام الإعلان. لم يعد هناك قائمة مرتبة للأوائل، بل أسماء تُذكر عشوائياً. وهكذا، قُدّم أصدقاؤهم إلى الواجهة، فيما نحن – أصحاب المراتب الحقيقية – تُركنا في منتصف القائمة وكأننا مجرد أسماء عابرة.
جلست هناك، أصفق على مضض، وأتظاهر بالهدوء. لكن في داخلي كانت نار تشتعل. لم يكن الأمر مجرد ترتيب أسماء، بل كان اغتيالاً للحظة انتظرتها أنا وأهلي طويلاً. كنت أريد أن يسمع والدي وزملائي وأقاربي اسمي يُعلن كالأول على الدفعة، أن يشار إليّ باعتزاز، أن يُصفق لي الجمهور. لكن السياسة حين تتسلل إلى قاعات العلم، تسرق من الطلاب أحلامهم الصغيرة وتترك جرحاً لا يندمل.
ومع ذلك.. لم أستسلم للخذلان. كنت أعلم في داخلي أن تفوقي لم يكن وهماً، ولم يأتِ من فراغ. لم آخذه بالاحتيال ولا بالواسطة ولا بالفهلوة والمجاملات، بل بالجهد والإصرار والتعب والتوكل على الله. كنت الأول حقاً، حتى لو حاولوا أن يطمسوا ذلك بالصخب والعشوائية. تلك الحقيقة لم يستطع أحد أن يسلبها مني، ولا أن ينتزعها من ذاكرة من عرفوني.
انتهى الحفل، خرجت بين التهاني والابتسامات، وفي قلبي خليط عجيب من المشاعر. فرح الإنجاز كان يملأني. كنت أقول لنفسي: "ربما لا يسرقون منك سوى لحظة الإعلان، لكنهم لا يستطيعون أن يسرقوا سنوات تعبك، ولا ما زرعته في نفسك من ثقة أنك قادر على الوصول".
مرت السنين، لكن ذلك اليوم ظل محفوراً في ذاكرتي. صورة والدي وهو يبتسم بفخر لم تفارقني، وصورة الأقرباء والأصدقاء والزملاء الذين ارتسمت على وجوههم علامات الفرح والفخر . لقد تعلمت من تلك التجربة الكثير وأولها أن النجاح ليس حظا بل هو رحلة مليئة بالتحديات والعوائق والصعوبات ولكن الإصرار والإجتهاد عقباه جميلة تستحق كل ما بذل من أجله وتعلمت أيضا أن الحزبية حين تدخل قاعات العلم تُفسدها، وأن على الجامعات أن تبقى منارات للمعرفة، لا ساحات للصراع السياسي أو الفئوي أو أي تجاذبات أخرى .
ذلك اليوم، بفرحه وجماله، ظل حاضراً في قلبي.. يوماً علّمني أن الإنجاز الحقيقي لا تحدده قائمة عشوائية، بل تحدده مسيرة عمر من الجهد والصدق مع النفس. كان يوماً عظيماً، جميلاً .. يوماً لا يمكن أن يُنسى، لأنه جمع في طياته أجمل الانتصارات وأقسى الخيبات.
الموجودون في الصورة ضيوفي الأعزاء من شاركوني فرحتي يومها (هناك من حضر أيضا لكنه لم يتواجد في هذه الصورة):
والدي الأديب الأستاذ/ عبدالله الهجري رحمه الله
أخي العميد الركن/ عبدالملك عبدالله الهجري
أخي التربوي الأستاذ/ عبدالحكيم عبدالله الهجري
ابن عمي رجل الأعمال/ محمد غالب الهجري رحمه الله
القاضي سعد جبران
القاضي أحمد سعد البرار
الأستاذ محمود علي عمر الهجري
ابن اخي الدكتور عماد الدين عبدالملك الهجري
ابن اخي العزيز مروان عبدالملك الهجري
ابن اخي العزيز مفضل أحمد غالب الهجري رحمه الله
ابن أخي العزيز بسام أحمد غالب الهجري
الأستاذ العزي جبران
الأستاذ ياسر أمير النبهاني
الدكتور عبدالله أحمد الدقري
الأستاذ مجيب قحطان العزي
الأستاذ عبده سعد جبران
الأخ العزيز حسام سعد جبران
الأخ العزيز بشير أحمد سعد البرار
الشحص الأخير لا أتذكره