لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
بعد التخرج، كان أمامي طريقان متوازيان، كأنهما سطران على صفحة جديدة من حياتي: إما أن ألتحق بوزارة التربية والتعليم، فأصير معلماً للفيزياء في مدارس الثانوية، أو أن أبقى في كنف وزارة التعليم العالي، حيث الجامعات، وأحلام البحث والتدريس الأكاديمي.
في الجامعة، قال لي العميد آنذاك بابتسامة الواثق: "ستكون لك وظيفة معيد، متعاقد الآن.. ورسمي حين تتوفر الدرجة. أنت الأول على دفعتك، ولن تذهب الفرصة لغيرك".
قبلت، فقد كان الأمل يضيء لي الطريق، وبقيت أعمل في الجامعة، ولأن الراتب كان مقاربا ل 12000 ريالا فقد اضطررت أن أعمل في مدرسة خاصة بالتزامن وبالتالي كنت لا أملك يومين إجازة وإنما يوم واحد فقط وهكذا بقيت طوال العام 2005م، لكن سرعان ما انطفأت الشعلة. جاءت الدرجات الوظيفية لكلية التربية جامعة صنعاء، فإذا بها تُخصص فقط للأقسام التربوية وحتى اللحظة لا أدري لماذا ؟ فقسم الفيزياء كان لا يملك أي معيد رسمي حينها بينما الاقسام التي نزلت لها وظائف كان لديهم معيدين،! ربما هناك أسباب حزبية أو محسوبية غيرها الله أعلم وإليه رفعنا كل الملفات سبحانه، لحظتها كأن أحدهم سحب البساط من تحت قدمي. أحسستُ بمرارة، وأنا أواصل عملي براتب زهيد، مؤملاً أن ينصفني الغد.
لكني لم أستسلم. أخذت أتابع الصحف يومياً، عسى أن أجد فرصة أستحقها في أي جامعة. وذات صباح، وقعت عيناي على إعلان لجامعة صنعاء عن حاجتها لمعيد فيزياء في فرعها بكلية التربية – حجة. قررت أن أخوض التجربة، جمعت ملفي، وذهبت إلى نيابة الشؤون الأكاديمية. وبعد فترة، تحدد موعد المفاضلة. لم أكن وحدي.. المتقدمون كانوا ثمانية تقريباً، كلهم أوائل دفعات الفيزياء من جامعات مختلفة: صنعاء، ذمار، تعز، وحتى من كلية التربية – حجة نفسها.
كنت متوجساً؛ فهم أبناء الكلية، يعرفون لجانها وأروقتها، بينما أنا غريب لا يعرف المكان ولا أحداً فيه. لكن ما طمأنني أن رئيس الجامعة حينها، البروفيسور صالح باصرة – رحمه الله – كان شديد الحرص على النزاهة. وجّه بعقد مفاضلات عادلة لا يجرؤ أحد على التدخل فيها.
شدتني الرحلة إلى حجة. لم أزرها من قبل، لكن في الطريق تصادف أن رافقني بعض الزملاء: أصدقاء من دفعة الكيمياء، وحتى الأول على دفعة الفيزياء السابقة. كنا مجموعة من الحالمين، نحمل حقائبنا الصغيرة وقلوبنا الثقيلة ومنحشرين في بيجوت متهالك وهي تمخر الطريق شديد الإلتواء والإنحدار نحو مدينة حجة المتربعة في قمم الجبال. بتنا في فندق متواضع، نقتسم قلقنا وابتساماتنا المرتبكة، وننتظر صباح الامتحان.
وعلى مدى يومين كاملين، عشنا سباقاً حقيقياً ونزيها بقيادة العميد وطاقم من هيئة التدريس العراقية: اختبارات في اللغة العربية، والإنجليزية، والحاسوب، ثم مقابلات شخصية في التخصص. جلسنا في القاعات كأننا على صفيح ساخن وكلما مضت ساعة، ازداد التوتر.
وحين انتهينا، اجتمعنا جميعاً في قاعة كبيرة، ننتظر النتيجة. كان الصمت يثقل الهواء. قلبي يخفق بقوة، ويدي تقبض على القلم الذي رافقني طيلة التصحيح الذهني. وفجأة، بينما كنت أجمع درجاتي الأخيرة، أدركت أنني الأعلى مجموعا. سقط القلم من يدي دون أن أشعر. لحظة انكسار القلم كانت لحظة انتصار حلمي.
أُعلن اسمي أولاً، كمعيد رسمي في قسم الفيزياء بكلية التربية – حجة، التابعة لجامعة صنعاء آنذاك. صدرت بعدها القرارات من رئاسة الجامعة. لم أنس وجوه الزملاء من حولي؛ خليط من الدهشة والخيبة. تمنيت لو كان هناك أكثر من درجة، ليذوقوا جميعاً طعم الفرح. فأقسى لحظة يعيشها المرء هي حين يبذل جهده كاملاً ولا يحصد ثمرته. ومع ذلك، كان عزائي أن معظمهم حصلوا على وظائف لاحقاً، مع إنشاء جامعة عمران، التي ضمت كلية التربية – حجة، وفتحت أبواباً جديدة أمامهم.
لكن لتلك الجامعة قصة أخرى معي، فقد فوتت عليّ دفع رسوم الماجستير، وهو ما سأحكيه في الحلقات القادمة.
عدتُ إلى صنعاء، والقلب يرفرف كطائر نجا من عاصفة. ما إن دخلت البيت حتى استقبلني أبي بالسؤال: "ماذا صنعت؟" ابتسمت، وكأنني طفل يعود بغنيمة، وأجبت: "حصلت على الدرجة". رأيت في عينيه لحظتها بريقاً لن يمحى من ذاكرتي. نظرة مزيج من الفخر والحب والامتنان. كان يشعر أن غرسه قد أينع وأثمر.
أما أمي.. فكانت في كل خطوة سندي، بدعائها الذي يذلل العقبات، ويمنحني يقيناً عجيباً أن هناك قوة خفية تدفعني للأمام. رحمة الله عليهما، فقد كانا جدارين من نور أحاطا بي طوال حياتي. ولولاهما، ما كنت ولا وصلت.
ملاحظة:
هذه المنشورات هي لتوثيق جزء من ذاكرتي الشخصية لي ولأولادي ولمن يهمه معرفة تجاربي ، لا أدعي أنها رائعة ولكنها بالنسبة لي هي ما عايشته وتعبت فيه وجزء من طريقي، وهناك مالا نستطيع قوله ولا نحصيه .