لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
كانت السنة الأولى من خدمتي في التجنيد الإلزامي بمثابة تمرين أولي على التحدي، فقد قضيتها في مدرسة موسى بن نصير في بني قشيب أدرّس طلابًا رائعين، أتعلم وأعلّم في الوقت ذاته. لكن ما إن أشرقت شمس السنة الثانية حتى حملت حقيبتي إلى وجهة جديدة، حيث صدر قرار نقلي إلى مدرسة الفوز الثانوية بعرون النوبة، التي تُعرف اليوم باسم مجمع الشهيد طيار/ شمسان مصلح رحمه الله (وبالمناسبة كان الشهيد طيار / شمسان مصلح زميلي في نفس المدرسة قبل أن أسافر إلى الحديدة مع أسرتي وإكمال بقية تعليمي هناك وهذه قصة أخرى ستروى في يوم ما).
لم يكن الأمر نقلاً عادياً؛ لقد أُوكل إليّ أن أكون واحدًا من أوائل المدرسين لطلاب القسم العلمي في منطقتنا، وهي التجربة الأولى من نوعها هناك. كان عليّ أن أدرّس الفيزياء والرياضيات والأحياء لطلاب في مقتبل شبابهم، بينما لم أكن أنا نفسي سوى خريج حديث من الثانوية العامة. تصوّروا المفارقة: شاب لم يبتعد كثيرًا عن مقاعد الدراسة يجد نفسه أمام صف كامل من التلاميذ يفتحون عيونهم عليه مترقبين أن يُفكك لهم ألغاز العلوم الثقيلة التي يهابها المتخصصون أنفسهم.
دخلت الفصل أول مرة وقلبي يخفق، لكن شيئًا ما في داخلي كان يدفعني إلى الأمام. قلت لنفسي: "إذا لم أبذل كل جهدي، فمَن سيبذله لهؤلاء؟". كنت أحمل في صدري همّ المنطقة كلها، إذ كانت متأخرة تعليمياً، ولم يكن في سجلها أي دفعة علمية من قبل. شعرت أنّ مصير مستقبلها مرهونٌ بجِدّ هؤلاء الشباب وجِهدي معهم.
هكذا اندفعت بكل طاقتي. كنت أشرح الدروس بصدق، أحيانًا أستهلك يومي كله في المذاكرة لهم، وأحيانًا أخرى أفتح بيتي أو نذهب الى مكان مشترك لمن يسكنون قريبًا مني، فنقضي الأمسيات بين جلسات الشرح وجلسات التخزينة، نتناقش ونضحك ونتبادل الآمال. كان الفارق العمري بيني وبينهم ضئيلاً، لا يتجاوز سنتين أو ثلاثًا، وهذا جعل العلاقة أقرب إلى الصداقة منها إلى العلاقة التقليدية بين معلم وتلميذ.
ومع مرور الأيام، نسجت خيوط صداقة عميقة ليس فقط مع الطلاب، بل مع زملاء التدريس أيضاً. صرنا نتشارك المتاعب الصغيرة، والفرح القليل الذي كان يزورنا. المدرسة نفسها كانت تقع على طريق طويل؛ عشرون دقيقة مشيًا على الأقدام تفصلني عنها، وأحيانًا كانت تسعفنا سيارات عابرة متجهة نحو مدينة الشرق، المركز التجاري الحيوي الذي يتقاطع فيه أبناء ريمة وذمار. كل صباح كنت أقطع هذا الطريق وأشعر أنّ خطواتي تُمهّد مستقبلًا لمئات الطلاب الذين سيأتون من بعد.
اليوم، وبعد سنوات طويلة، ما زال يدهشني أمر غريب: طلاب السنة الأولى الذين درّستهم ما زالوا يتواصلون معي أكثر من طلاب السنة الثانية، رغم أنني مع هؤلاء بذلت أضعاف الجهد. إنها مفارقة لم أجد لها تفسيرًا حتى الآن، ولعلها تحتاج إلى دراسة نفسية أو اجتماعية لفهم طبيعة الروابط التي تُبنى بين المعلم وطلابه.
لكن الأهم من كل ذلك هو ما حدث لاحقًا. كلما التقيت أحد طلاب تلك السنتين ورأيته يحمل لقب "طيار"، أو "أستاذ جامعي"، أو "إعلامي"، أو "مهندس"، أو "مدرس" أو ضابطا أو ناجحا في أي مجال ، شعرت بفرحة تفيض في قلبي. كنت أقول لنفسي: "ما أجمل أن ترى بذور الأمس وقد صارت أشجارًا باسقة تظلل الوطن!". إن رؤية ثمرة الجهد أكبر من أي مكافأة مادية.
غير أنّ الحياة لا تتركنا للاحتفال طويلاً. ففي نهاية تلك السنة، حين ذهبت لاستلام راتبي الضئيل، كان أبي –رحمه الله– يرقد في المستشفى بانتظار عملية مستعجلة. لم أتردد لحظة؛ وضعت كل ما جمعته رغم ضآلته في حساب المستشفى، ولم أفكر في شيء سوى أن حياة أبي أغلى من أي تعب. لم يكن المال يومًا هو ما يحركني، بل كانت تلك اللحظة درسًا آخر في أن العطاء لا يُقاس بالوفرة، بل بالصدق.
لم تنتهِ القصة هنا. فما بعد ذلك كان أشبه بمعركة جديدة.. أبواب كلية الطب كانت بانتظاري، ومعها اختبار القبول الصعب، ثم قصة أخرى بسبب مجرم اسمه محمد آدم.. لكن تلك الحكاية سأتركها لوقت آخر، كي لا أفقد متعة روايتها حين يحين أوانها.
صورة المدرسة من صفحة منير الرماح