لا مستحيل مع الشغف بالمعرفة.. حتى الضوء ينحني حين نفهمه
في طفولتي كان للحلم اسم واحد: الطب.
كل مرة كنت أعود فيها من المدرسة متوَّجًا بالمرتبة الأولى، كان صدى كلمة "دكتور" يتردد في أذني. لم تكن مجرد لقبٍ يطلقه الآخرون، بل كانت بذرة تُزرع في داخلي. أبي –رحمه الله– كان أول الساقين لها، وأخوتي –حفظهم الله– ظلوا يغذونها بعبارات التشجيع والفخر.
كبر الحلم معي. بدا الطب وكأنه بوابة المجد، لا يعبرها إلا من حمل معدلاً استثنائيًا. وهكذا رسخت في ذهني فكرة أنني لا أعيش إلا للتحديات، وأن نفسي لا ترتوي إلا إذا صوبت نحو هدفٍ صعب المنال. لكن الحياة لا تعطيك دائمًا ما خططت له، أحيانًا تدفعك إلى مسارات لم تفكر بها من قبل.
حين لم أُقبل في كلية الطب، لم يكن الأمر هينًا. شعرت أنني فقدت ما بُنيت عليه سنوات من الطموح. لكنني كنت مؤمنًا أن النهاية لا تُكتب عند باب مغلق، بل عند من يستسلم للخيبة. كنت قد عودت نفسي أن أجد خطة بديلة مهما كلفني الأمر. وهكذا التفت إلى الفيزياء.
قد يظن البعض أن الفيزياء كانت خيارًا أدنى. لكنني رأيتها معركة أخرى، ليست أقل شرفًا. فمنذ طفولتي كان سؤال "لماذا؟" رفيقي الدائم. لماذا يحدث هذا؟ ولماذا يتكرر ذاك؟ (ومن يعرف طفولتي يعرف ذلك) كنت مشغولًا دومًا بالبحث عن الأسباب والعلل، والفيزياء بدت لي الجواب الطبيعي لهذا العطش. الكون الكبير بكل أسراره، بكل ظواهره، بدا مغريًا بقدر إغراء دراسة الجسد البشري.
دخلت عالم الفيزياء كمن يدخل معركة وهو يوقن أن الطريق طويل ومرهق. لكن صوت أخي الأكبر العميد الركن عبدالملك الهجري حفظه الله ظل يرن في أذني: "لا تتوقف حتى تضع أمام اسمك حرف الدال.. مهما طال الزمن". فكان الهدف أوضح من الشمس.
خلال أربع سنوات من الدراسة، أنجزت ما يقارب (135) مقررًا، معظمها في الفيزياء، وبعضها في الرياضيات والتربية، إذ كان تخصصي فيزياء فرعي رياضيات، لم أرسب في أي مقرر بل لم احصل على مقبول قط بعضها الدرجة الكاملة والباقي توزعت بأغلبيه بين الممتاز والجيد جدا ونادرا جيد والحمدلله. لم تكن المناهج سهلة ولا الأساتذة جميعهم ملائكة. درست على أيدي عراقيين ومصريين ويمنيين، ومن بينهم من غرس فينا العلم والأخلاق معًاوأصبحوا قدوة لنا، ومنهم من علّمنا ـ دون أن يقصد ـ كيف نتجنب سلوكيات التحيز الحزبي أو المناطقي حين نصبح نحن في موقع التعليم. فقد أدركت مبكرًا أن إدخال السياسة والفئوية في قاعات الدرس جريمة بحق التعليم، وخيانة بحق وطنٍ من المفترض أن يكون للجميع.
زملائي كانوا عالَماً آخر. وجدت بينهم من يرفعك بهمته، ومن يعلمك بالصمت أو الخطأ كيف تتجاوز العقبات. بعضهم رافقني حتى اليوم، ما زلت على تواصل معهم، أتابع أخبارهم وأستعيد معهم الذكريات. تلك الرفقة الطيبة كانت واحدة من أجمل عطايا تلك السنوات، فقد خففت وطأة التعب وأعطت للحلم مذاقًا إنسانيًا دافئًا.
عاشرنا أصدقاء ورفقاء تقاطعت طرقنا معهم وأجبرتنا الحياة على العيش معهم منهم من تعلمنا منهم كيف نتغاضى عن صغار العقول حتى لا نعقر الحلم الكبير وأن نضحي في سبيل تحقيق أحلامنا.
لكن الطريق لم يكن مفروشًا بالورود. كنت أمشي يوميًا إلى الجامعة على قدميّ، أربع سنوات كاملة لم أركب فيها وسيلة مواصلات إلا نادرًا. لم أتذوق رفاهية وجبات الكافتيريا إلا في القليل، ولم أجلس إلى تخزينة فاخرة كما كان يفعل غيري. بينما كان زملائي ينامون في صباحات الخميس، كنت أشد الرحال إلى مكتبات الجامعة، أو إلى مركز الحاسوب، أفتش عن كتاب أو معلومة. وإن لم أجد، واصلت طريقي إلى مكتبة كلية الهندسة في جامعة العلوم والتكنولوجيا، حيث صار العاملون يعرفونني ويستقبلونني كأحد أبناء المكان.
الضغط النفسي كان كبيرًا، لكني كنت أراه وقودًا. كنت أعلم أن عليّ أن أحرز المرتبة الأولى، فهذا كان مفتاحي الوحيد لأصبح معيدًا، ولأفتح باب الماجستير والدكتوراه فيما بعد. وهكذا، بين تعب الجسد وسهر العقل، ناضلت حتى توجت في نهاية الرحلة بالمرتبة الأولى على دفعتي دفعة الصدارة 2004م.
في تلك اللحظة أيقنت أنني لم أخسر حين لم أدخل الطب، بل كسبت كونًا كاملًا فتح لي أبوابه. فبين النجوم والمعادلات والمختبرات الجافة، اكتشفت أن لذة السعي وراء الحلم لا تقل جمالًا عن الحلم نفسه.
كانت تلك السنوات الأربع مليئة بالمرارة واللذة معًا، لكنها تركت في داخلي يقينًا واحدًا: أن الحلم الكبير هو أجمل ما يمكن أن يحرك الإنسان. الحلم ليس ترفًا، بل طاقة تشعل فيك الإصرار، وتُحوِّل كل تعبٍ إلى عسل، وتمنحك القدرة على أن تعيش برأس مرفوع، لأنك اخترت غاية تليق بجهدك وطموحك وسموك.