تمهيد:
شهد القضاء العسكري في الجزائر 03 مراحل: 1/ المرحلة الأولى: فترة الاستعمار الفرنسي (تطبيق القانون الفرنسي) .2/ المرحلة الثانية: صدور القانون رقم 64-242 مؤرخ في 22/08/1964، يتضمن 98 مادة. 3/ المرحلة الثالثة: صدور الأمر رقم 71-28 المؤرخ في 22/04/1971 الساري المفعول حاليا. هذا الأخير يكاد يكون مطابقا للقانون الفرنسي لسنة 1965.
إن قانون القضاء العسكري ليس قانونا يطبق في حالة الحرب فحسب، كما أنه ليس قانونا يطبق على العسكريين فقط، ولا يتعلق بجرائم ذات صفة عسكرية بحتة بل يتعلق بجرائم منصوص عليها في قانون العقوبات، ورغم أن جرائم خطيرة مثل الجرائم الإرهابية تبقى منظورة أمام القضاء العادي مع احترام كافة الضمانات فكأن استحداث قانون عسكري يستند فقط إلى وجود فئة العسكريين أي معيار وظيفي، أو بسبب السر العسكري.
نلاحظ أن وجود قانون عسكري وقضاء عسكري يفيد من بين ما يفيد أن القضاء العادي والمحكمة العليا ليس لها الحق في مراقبة هذا القضاء لكن المادة الأولى من قانون القضاء العسكري أشارت إلى خضوع أحكام هذا الأخير للنقض من طرف المحكمة العليا، وهو خضوع شكلي.
مما جاء به قانون القضاء العسكري من أحكام تسترعي الانتباه هو أن الهيئات القضائية في هذا النوع من القضاء تتشكل من عسكريين عاديين ليس لديهم تكوين خاص، أو لا يشترط فيهم تكوين خاص كل ما يشترط هو مسائل تتعلق بالرتب، فهؤلاء القضاة من جهة يحوزون على صفتين: صفة القضاة وصفة العسكريين، فمن حيث صفة القضاة يلاحظ أنهم لا يخضعون للقانون الأساسي للقضاء، ومن حيث صفة العسكريين فهم يخضعون لوزير الدفاع أي السلطة التنفيذية لوزير الدفاع.
أفرد قانون القضاء العسكري للقضاة العسكريين حيزا هاما حيث جاء الحديث تبعيتهم لوزير الدفاع الوطني فيما يتعلق بمسيرتهم المهنية من تعيين ونقل وإنهاء مهام، إلا أن الفرق بين القضاءين المدني والعسكري هو عدم اشتراط التخصص أو حتى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى القاضي العسكري المساعد، مما قد يهدر حق المتهم في محاكمة عادلة. إذ من غير المستساغ أن يتحقق للمتهم عدل مع تشكيلة أغلبيتها من العسكريين دون أن يطلب منهم توفر عنصر التخصص القانوني ولا حتى المستوى العلمي الذي يمكنهم من إدراك حقائق الأمور والفصل في القضايا بنظرة المتعلم. فاختيار القضاة العسكريين المساعدين يعود لوزير الدفاع الوطني عملا بنص الفقرة الأولى من قانون القضاء العسكري:" يضع وزير الدفاع الوطني قائمة برتب وأقدمية الضباط وضباط الصف المدعوين للاشتراك في جلسات كل محاكمة عسكرية".
الإجراءات الجزائية العسكرية
الجهات القضائية العسكرية
عددها: هناك محاكم عسكرية دائمة (في زمن السلم) عددها ثلاثة، إحداها في الناحية العسكرية الأولى (الجزائر) والثانية (وهران، ويمتد اختصاصها إلى الثالثة أي بشار) والخامسة (قسنطينة، ويمتد اختصاصها إلى الرابعة أي ورقلة) [المادة 4]
ملاحظة: يمكن أن تنعقد في أي مكان في دائرة اختصاصها.
أما في زمن الحرب فتنشأ في مقر كل ناحية عسكرية محاكم عسكرية دائمة إذا اقتضت حاجة المصلحة ذلك [ المادة 19]، وتحدد مقراتها بموجب مرسوم يصدر بناء على تقرير وزير الدفاع الوطني، وفي هذه الحالة يكون أعضاء النيابة والتحقيق الذين يلحقون بها في وضعية مجندين طبقا للقوانين سارية المفعول.
تشكيلتها: تتشكل من رئيس وقاضيان مساعدان [المادة 5]
يتولى الرئاسة قاض من المجالس القضائية.
يعين بموجب قرار مشترك من وزير العدل ووزير الدفاع قضاة رسميون وآخرون احتياطيون لمدة سنة، يستمرون في أداء مهامهم بالنسبة للقضايا التي شاركوا في جلستها الأولى،ويحل الاحتياطيون محلهم.
بالنسبة للرتب المطلوبة في التشكيلة فهي تختلف حسب رتبة المتهم أيضا (وقت حصول الوقائع [المادة 7 ف 3])، فإذا كان الأخير جنديا أو ضابط صف يتعين أن يكون أحد القاضيين المساعدين ضابط صف [المادة 7]
وعندما يكون المتهم ضابط يتعين أن يكون القاضيان المساعدان ضابطان من نفس رتبته على الأقل.
إذا تعدد المتهمون تراعى الرتبة الأعلى والأقدمية.
طبعا تكون هناك قائمة من هؤلاء الضباط وضباط الصف الذين يكونون كقضاة مساعدين توضع من طرف وزير الدفاع الوطني، تعدل وتوضع في كتابات ضبط المحاكم العسكرية.
مهمة النيابة يقوم بها وكيل دولة عسكري، كل محكمة عسكرية لها وكيل دولة عسكري واحد، ويمكن تعيين وكيل مساعد واحد [المادة 10] بموجب قرار ممن وزير الدفاع،
ملاحظة على هذه التشكيلة: هي أشبه بنظام المحلفين المعروف في القضاء الجنائي العادي.
القضاة العسكريون
القضاة العسكريون ليس لهم نفس الحقوق التي يتمتع بها القضاة المدنيون، فهم غير خاضعين للقانون الأساسي للقضاء، وليس لديهم قانون أساسي خاص بهم يضمن استقلاليتهم(من ناحية التعيين والتأديب ...)، فهم بحكم كونهم عناصر في الجيش يخضعون لنظام الخدمة في الجيش، مع ما قد يترتب على ذلك من إمكانية المساس بحرية القاضي ذاتها عن طريق احتجازه بسبب إخلاله بالنظام والذي يتمثل في الانضباط والسلوك اللذان يفرضهما نظام الخدمة في الجيش.
إن الفرق بين القضائين المدني والعسكري يتضح أولا من خلال عدم اشتراط قانون القضاء العسكري للتخصص أو حتى الإلمام بالقراءة والكتابة لدى القاضي العسكري المساعد مما قد يهدر حق المتهم في
محاكمة عادلة . وثانيا أن اختيار القضاة العسكريين المساعدين يعود لوزير الدفاع الوطني عملا بنص الفقرة الأولى من المادة 9 من قانون القضاء العسكري :" يضع وزير الدفاع الوطني قائمة برتب وأقدمية الضباط وضباط الصف المدعويين للاشتراك في جلسات كل محاكمة عسكرية ".
في قرار صادر عن الغرفة الجنائية للمحكمة العليا مؤرخ في يوم 20 فيفري 1968 تم نقض حكم شارك فيه محلف لا يتوفر فيه شرط معرفة القراءة والكتابة:" من الشروط الواجب توافرها في المساعد المحلف أن يكون ملما بالقراءة والكتابة كما تفرضه المادة 261 من قانون الإجراءات الجزائية لذلك يكون باطلا ويستوجب النقض الحكم الصادر عن هيئة تضمنت محلفا أميا لا يحسن القراءة و الكتابة".
المادة 261 من قانون الإجراءات الجزائية :" يجوز أن يباشر وظيفة المساعدين المحلفين الأشخاص ذكورا كانوا أو إناثا جزائريي الجنسية البالغين من العمر ثلاثين سنة كاملة الملمون بالقراءة والكتابة والمتمتعون بالحقوق الوطنية والمدنية والعائلية والذين لا يوجدون في أي حالة من حالات فقد الأهلية أو التعارض المعددة في المادتين 262 و 263"