تَعْرِيف الْكَلِمَة وأقسامها
قال ابن هشام: (الْكَلِمَة قَول مُفْرد، وهِيَ اسْمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ، فَأَمَّا الاسْمُ فَيُعْرَفُ باَلْ كَالرَّجُلِ، وبالتَّنْوِينِ كَرَجُلٍ وبالحَدِيثِ عَنْهُ كَتَاءِ ضَرَبْتُ)
ولخص ذلك الشيخ عبد الله الفوزان:
قوله: (الْكَلِمَةُ قَوْلٌ مُفْرَدٌ)
بدأ المصنف - رحمه الله تعالى - بتعريف الكلمة. لأنها موضوع هذا العلم، ولأن الكلمة جزء الكلام، والجزء مقدم على الكل.
والقول: هو اللفظ الدال على معنى مفيدٍ أو غير مفيد، مفرداً كان أم مركباً نحو: خالد، ونحو: خرج الغلام. ونحو: إن خرج.
وخرج بقوله: (مفرد) الجملة، لأنها وإن كانت قولاً إلا أنها من المركب، وليست من المفرد.
فـ (الكلمة): لفظة واحدة تدل على معنى مفرد. مثل: باب. كتاب.
وقد تستعمل أحياناً بمعنى: الكلام المفيد نحو: ألقيت في المسجد كلمة. قال تعالى: {كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا} (1) إشارة إلى قوله: {رَبِّ ارْجِعُون..}، وقال - صلى الله عليه وسلم - (الكلمة الطيبة صدقة) متفق عليه
قوله: (وهِيَ اسْمٌ وفِعْلٌ وحَرْفٌ) لما عَرَّف الكلمة ذكر أنواعها وأنها ثلاثة: الاسم، والفعل والحرف والدليل على انحصار أنواعها في هذه الثلاثة:
١- الاستقراء والتتبع لكلام العرب.
فإن الكلمة إما أن تدل على معنى في نفسها أو في غيرها. فإن دلت على معنى في نفسها فإما أن تشعر بهيئتها بأحد الأزمنة الثلاثة فهي الفعل: كقام، أو لا تشعر بزمن فهي الاسم مثل: عاصم. وإن دلت على معنى في غيرها فهي الحرف، نحو (في) فإنه لا يفيد معنى يستقل بالمفهومية، بل لابد من وضعه في جملة.
٢- أما نحو: (أمس) (الآن) فهذا يدل على الزمن بذاته لا بهيئته فليس بفعل.
قوله: (فَأَمَّا الاسْمُ فَيُعْرَفُ باَلْ كَالرَّجُلِ، وبالتَّنْوِينِ كَرَجُلٍ وبالحَدِيثِ عَنْهُ كَتَاءِ ضَرَبْتُ)
اقتصر المصنف على علامات الاسم دون تعريفه. لأن هذا هو الذي يفيد الطالب المبتدئ. ليميز بين الأسماء والأفعال، واتضاح ذلك بالعلامات أكثر من اتضاحه بالتعاريف.
وقوله: (باَلْ) (3) أي من علامات الاسم التي تميزه على الفعل والحرف دخول (ال) عليه. مثل: قدم المسافر. فكلمة (مسافر) اسم بدليل دخول (ال) عليها.
وقوله: (وَبالتَّنْوِينِ) هذه العلامة الثانية وهي التنوين. وهو: نون زائدة ساكنة تلحق الآخر لفظاً لا خطاً لغير توكيد، مثل: جاء خالدٌ، رأيت خالداً. مررت بخالدٍ. ومعنى (زائدة) أي: ليست من أصل بنية الكلمة ولا من حروفها الأصلية.
وقولنا: لفظاً لا خطا أي: للاستغناء عن النون بتكرار الحركة، فيكون آخر الاسم ضمتين أو فتحتين أو كسرتين.
قوله: بالحدِيثِ عَنْهُ) أي تتحدث عن الاسم وتضم إليه ما تتم به الفائدة، كقولك: دخل عاصم. فـ (عاصم) اسم لأنك قد حدثت عنه بالدخول. فأي كلمة تتحدث عنها فهي اسم، وهو معنى قولهم: (الإسناد إليه) بمعنى أن تنسب إليه ما تحصل به الفائدة.
وهذه العلامة من أنفع العلامات للاسم وبها اسْتُدِلَّ على اسمية الضمائر كالتاء في نحو: قمتُ، لأن الضمائر لا تقبل أيَّ علامة من علامات الاسم الأخرى.
وقد اقتصر المصنف - رحمه الله - على هذه العلامات الثلاث لأنها أشهر وأوضح من غيرها. (4)
(١) للاسم علامات أخرى منها مجيء الكلمة مجرورة سواء بالحرف أو الإضافة أو التبعية نحو: ذهبت لزيارةِ عالم جليل. أو مناداة نحو: يا خالد تمهل في سيرك. أو مضافة نحو: كتاب طالب العلم جديد. أو مجموعة نحو: أبواب الرزق كثيرة. أو مصغرة نحو: حسين أشجع من أخيه. وإنما تعددت علامات الاسم لتعدد الأسماء، فالعلامة قد تصلح لبعض منها ولا تصلح لآخر كما ذكرنا في الشرح.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة المؤمنون، آية: ١٠٠.
(٢) المراد بالهيئة: الحالة التصريفية نحو (قام) للماضي. و (يقوم) للحاضر والمستقبل. (وقم) للمستقبل.
(3) هذا التعبير أولى من (الألف واللام) فإنه لا يقال في (هل): الهاء واللام. ولا في (بل) الباء واللام فكذا هنا.
(4) للاسم علامات أخرى منها مجيء الكلمة مجرورة سواء بالحرف أو الإضافة أو التبعية نحو: ذهبت لزيارةِ عالم جليل. أو مناداة نحو: يا خالد تمهل في سيرك. أو مضافة نحو: كتاب طالب العلم جديد. أو مجموعة نحو: أبواب الرزق كثيرة. أو مصغرة نحو: حسين أشجع من أخيه. وإنما تعددت علامات الاسم لتعدد الأسماء، فالعلامة قد تصلح لبعض منها ولا تصلح لآخر كما ذكرنا في الشرح.
♦️الحرف
لما فرغ المصنف من القول في الاسم والفعل، شرع في الكلام على الحرف، فذكر أنه يعرف بأنه لا يقبل شيئا من علامات الاسم ولا علامات الفعل، نحو: (هل) و (بل) .
فعلامة الحرف عدمية. وهي كونه لا يقبل شيئا من علامات الاسم ولا شيئا من علامات الفعل.
قوله: (وليس منه (مهما) و (إذ ما)، بل (ما) المصدرية و (لما) الرابطة في الأصح) .
هذا في بيان أن هذه الكلمات الأربع مختلف في اسميتها و حرفيتها.
فأما (مهما) فهي اسم شرط جازم على الأرجح. والدليل على اسميتها قوله تعالى: {وقالوا مهما تأتنا به من آية} (1) فـ (الهاء) من (به) عائدة على (مهما). والضمير لا يعود إلا على الأسماء. (2)
وأما (إذ ما) فهي اسم شرط جازم - كذلك - على ما رجحه المصنف. وتفيد الزمان مثل: (متى) لأنها قبل دخول (ما) اسم. والأصل بقاء الشيء على ما كان عليه. نحو: إذ ما تقم أقم.
وقيل: إنها حرف بمنزلة (إن) الشرطية وهذا هو الأصح، كما ذكر المصنف نفسه في (أوضح المسالك). وسنذكر ذلك - إن شاء الله - في جوازم المضارع.
وأما (ما) المصدرية: فهي التي تسبك مع ما بعدها بمصدر، نحو: سرني ما فعلت. أي: سرني فعلك. وهي حرف على الأصح بمنزلة (أن) المصدرية. (3)
وأما (لما) فإن كانت نافية فهي حرف جزم بمنزلة (لم) وإن كانت إيجابية فهي بمنزلة (إلا) وهي في هذين المعنيين حرف باتفاق.
مثال النافية: لما تشرق الشمس، أي: لم تشرق الشمس. ومثال الإيجابية قوله تعالى: {إن كل نفس لما عليها حافظ (4)} (4) أي: إلا عليها حافظ.
ف (إن) نافية و (كل) مبتدأ و (لما) حرف للحصر مبني على السكون (عليها) خبر مقدم (حافظ) مبتدأ مؤخر. والجملة خبر (كل).
وأما (لما) الرابطة التي بمعنى: حين أو إذا. وتفيد وجود شيء لوجود آخر. فهي حرف على الأصح. نحو: لما جاءني أكرمته. والدليل على حرفيتها جواز أن يقال: لما أكرمتني أمس أكرمتك اليوم. لأنها إذا قدرت ظرفا - كما يقول بعض النحاة - فلابد لها من عامل يعمل في محلها النصب.
وكون العامل (أكرمتني) مردود بأن القائلين بأنها اسم يزعمون أنها مضافة إلى ما يليها، والمضاف إليه لا يعمل في المضاف. وكون العامل (أكرمتك) مردود - أيضا - لأن الواقع في اليوم لا يكون في الأمس.
والقول الثاني: أن (لما) الرابطة اسم، وهي ظرف زمان. والناصب لها جوابها. (5)
قوله: (وجميع الحروف مبنية) هذا في بيان حكم الحرف
وهو أن الحرف مبني لاستغنائه عن الإعراب. لأن الحرف لا يتوارد عليه معان (6) يحتاج في التمييز بينها إلى إعراب، كما في الاسم
فالتبعيض مستفاد من الحرف (من) في مثل: أخذت من الدراهم. بدون حاجة إلى إعراب.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الأعراف، آية: 132.
(2) يقابل هذا القول الراجح، القول بأنه حرف شرط بمنزلة (إن) بدليل أنه لا محل لها من الإعراب في قول الشاعر: -
ومهما تكن عند امرئ من خليقة ……وإن خالها تخفى على الناس تعلم
لأنها لو كانت اسما لكانت إما مبتدأ وإما مفعولا مقدما، وكلاهما ممتنع في هذا البيت. أما الأول فلعدم الضمير العائد عليها في (تكن) وأما الثاني فلأن الفعل (تكن) لا ينصب المفعول به، وهذا الإعراب مردود، بل هي إما خبر (تكن) و (خليقة) اسمها. وإما مبتدأ واسم تكن ضمير راجع إليها. والظرف خب
(3) وقيل: إنها اسم بمعنى (الذي) لغير العاقل. والتقدير: سرني الذي فعلته. وهذا مردود لأنه يؤدي إلى حذف العائد وهو خلاف الأصل فإنه لم يسمع: أعجبني ما قمته وما قعدته. بذكر العائد مع أنه الأصل.
(4) سورة الطارق، الآية: 4.
(5) استحسن ابن هشام في المغني (369) القول بأن (لما) اسم بمعنى: (إذ) وعلل لذلك بأنها مختصة بالماضي والإضافة إلى الجمل، كما هو شأن (إذ) وعليه فعاملها جوابها كما ذكرت
(6) المقصود المعاني الطارئة بالتركيب كتركيب الاسم مع الفعل نحو: قام خالد، رأيت خالدا، مررت بخالد: أما المعاني الإفرادية مثل مجيء (من) لابتداء الغاية، والتبعيض ونحوهما فلا يرد هنا، لأنها معاني إفرادية لا تؤثر في الإعراب.
قوله (والكلام: لفظ مفيد. وأقل ائتلافه من اسمين كـ “زيد قائم"، أو فعل واسم كـ"قام زيد)
تعريف الكلام
قوله: (والكلام لفظ مفيد) لما أنهى المصنف - رحمه الله - القول في الكلمة وأقسامها، شرع في تفسير الكلام، وقدم الكلمة لأنها جزء والجزء مقدم على الكل. ومن يبدأ بتفسير الكلام فلأنه المقصود بالذات، ولأنه الذي يقع به التفاهم والتخاطب بخلاف الكلمة.
وعرف الكلام بقوله: (لفظ مفيد) واللفظ هو: الصوت المشتمل على بعض الحروف الهجائية تحقيقا كـ (زيد) فإنه لفظ، لأنه صوت مشتمل على بعض الحروف وهي الزاي والياء والدال. أو تقديرا كالضمير المستتر في نحو: اكتب. المقدر بقولك: أنت. ويخرج بـ (اللفظ) الكتابة والإشارة ونحوهما فإنها ليست كلاما عند النحاة.
وقوله (مفيد) أي يصح الاكتفاء به. نحو: القراءة مفيدة. فهذا كلام. لأنه لفظ يصح الاكتفاء به. لأن السامع لا ينتظر شيئا آخر يتوقف عليه تمام الكلام. ويحسن - أيضا - سكوت المتكلم. والمفيد بهذا المعنى يستلزم التركيب. (1)
ويخرج بذلك غير المفيد نحو: كتاب خالد. من غير إسناد شيء إليه، ونحو: إن حضر صالح، فإن تمام الفائدة فيه يتوقف على ذكر الخبر في الأول وجواب الشرط في الثاني، فكل واحد من المثالين لا يسمى كلاما عند النحاة.
قوله: (وأقل ائتلافه من اسمين كـ (زيد قائم) أو فعل واسم كـ (قام زيد)).
لما ذكر أن التركيب الذي يفيد فائدة تامة يسمى (كلاما) ذكر أن أقل ما يتألف منه الكلام المفيد هو: اسمان، أو فعل واسم، نحو: الحياة متاع.
فهذا التركيب تألف من اسمين أحدهما: (الحياة) والثاني (متاع)، ولو أخذنا كل كلمة على حدة لم نفهم إلا معنى مفردا لا يكفي للتخاطب.
ونحو: استفاد الطالب.
تركيب مؤلف من فعل وهو (استفاد) واسم وهو (الطالب)، وقد يتألف الكلام من أكثر من ذلك. (2)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المركب: ما تركب من كلمتين فأكثر، والمفرد: ما لفظ به مرة واحدة.
(2) أعلم أن الكلام والجملة بمعنى واحد. والجملة عند النحاة ثلاثة أنواع:
أ-جملة أصلية: وهي التي تقتصر على ركني الإسناد كالمبتدأ والخبر والفعل والفاعل...
ب-جملة كبرى: وهي ما تركب من مبتدأ خبره جملة اسمية نحو: الإسلام آدابه عالية. أو فعلية نحو: الإسلام يسمو بتعاليمه.
ج- جملة صغرى: وهي الجملة الواقعة خبرا كما في المثالين السابقين.