رفع ونصب الفعل المضارع
فصلٌ: يُرْفَعُ المضارعُ خالياً من ناصب وجازم نحو "يقومُ زيد"،
وينصب بـ"لنْ" نحو "لن نبرحَ"، وبـ"كَيْ" المصدريةِ نحو "لكَيْلا تأسوا"، وبـ"إِذَنْ" مصدرةً وهو مستقبلٌ متصلٌ أو منفصلٌ بقَسَمٍ نحو "إذن أكرمَك" و "إذن - والله - نرميَهم بحرب".وبـ"أَنْ" المصدريةِ ظاهرةً نحو أن يغفرَ لي، ما لم تسبق بعِلْمٍ نحو -علم أن سيكونُ منكم مرضى-، فإن سُبِقَتْ بِظَنٍّ فوجهانِ نحو "وحسبوا أن لا تكونَ فتنةٌ"،وبـ"أَنْ" المصدريةِ ظاهرةً نحو أن يغفرَ لي، ما لم تسبق بعِلْمٍ نحو -علم أن سيكونُ منكم مرضى-، فإن سُبِقَتْ بِظَنٍّ فوجهانِ نحو "وحسبوا أن لا تكونَ فتنةٌ"، ومضمرةً جوازاً بعد عاطفٍ مسبوقٍ باسم خالص نحو "ولُبْسُ عباءة وتقرَّ عيني"، وبعد اللامِ نحو "لِتبينَ للناس" إلا في نحو "لئَلا يعلم" "لِئَلا يكونَ للناس" فَتَظْهَرُ لا غيرُ، ونحو {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} فتُضْمَرُ لا غيرُ، كإضمارها بعد حتى إذا كان مستقبلاً نحو {حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} ، وبعد أو التي بمعنى إلى نحو "لأَسْتَسْهِلَنَّ الصعب أو أدركَ المنى" أو التي بمعنى إِلا نحو:
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قومٍ ك ... َسَرْتُ كُعُوبَها أو تستقيمَا
وبعدَ فاءِ السببيةِ أو واوِ المعيةِ مسبوقَتَيْنِ بنفي مَحْضٍ أو طلبٍ بالفعل نحو {لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} ، "ويعلمَ الصابرين"، {وَلا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} ، و "لا تأكلِ السمك وتشربَ الحليب".
قوله: (يُرْفَعُ الْمُضَارعُ خَالِيًا مِنْ نَاصِبٍ وجَازِمٍ نَحْوُ يَقُومُ زَيد)
تقدم أن المضارع له حالتان: حالة إعراب، وحالة بناء. وتقدم البحث في بنائه. وهذا بحث في إعرابه. وهو إما رفع، أو نصب، أو جزم.
وقوله: (خَالِيًا مِنْ نَاصِبٍ وجَازِمِ) أي: أن الذي رفع المضارع هو خلوه وتجرده من الناصب والجازم، نحو: يقوم خالد بواجبه.
فـ (يقوم) فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم، وعلامة رفعه الضمة الظاهرة،
والرافع للمضارع - وهو التجرد - عامل معنوي ليس له وجود في الكلام كالعامل اللفظي، فإن دخل عليه ناصب نصبه وهو عامل لفظي. أو جازم جزمه، وهو عامل لفظي. وسيأتي ذلك مفصلاً.
واعلم أن المصنف لم يقيد المضارع بكونه خاليًا من النونين: نون التوكيد ونون الإناث، لأنه يُعلم مما تقدم.
قوله: (وَيُنْصَبُ بِـ لَنْ، نَحْوُ: {لَنْ نَبْرَحَ} (١)).
شرع المصنف - رحمه الله - في الحالة الثانية للمضارع المعرب وهي النصب. فينصب إذا تقدم عليه أحد النواصب الأربعة، وهي:
الأول: (لن) وهي حرف نفي واستقبال أي: نفي الحدث في الزمان المستقبل.
لأنها إذا دخلت على المضارع صار خاصاً بالمستقبل نحو: لن يحضر الضيف.
قال تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} (١)
فـ (لن) حرف نفي واستقبال ينصب الفعل المضارع. و (نبرح) فعل مضارع ناقص. يرفع الاسم وينصب الخبر. منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. واسمه ضمير مستتر وجوبًا تقديره (نحن)، والخبر (عاكفين).
قوله: (وَبَكَيِ الْمَصْدَرِيَّةِ نَحْوُ {لِكَيلَا تَأْسَوْا} (٢)).
الناصب الثاني للمضارع (كي) المصدرية. وعلامة المصدرية أن تسبق بـ (لام) التعليل، نحو: جئت لكي أستفيدَ.
فـ (لكي) اللام حرف جر. و (كي) حرف مصدري ونصب و (أستفيدَ) فعل مضارع منصوب بـ (كي) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره (أنا) و (كي) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: جئت للاستفادة.
قال تعالى: {لِكَيلَا تَأْسَوْا} (٣) أي: تحزنوا، فـ (تأسوا) فعل مضارع منصوب بـ (كي) وعلامة نصبه حذف النون، لأنه من الأمثلة الخمسة. والواو: فاعل. و (كي) وما دخلت عليه في تأويل مصدر مجرور باللام، والتقدير: لعدم أساكم. (٤)
وإنما قال المصنف: (المصدرية) احترازاً من (كي) التعليلية وهي التي تقع بعدها (أنْ) المصدرية نحو: جئت كيما أن تزورني غداً. فيتعين أن تكون (كي) حرف جر للتعليل. و (أن) هي الناصبة للمضارع.
قوله: (وَبِإِذَنْ مُصَدَّرَةً وهُوَ مُسْتَقْبَلٌ مُتَّصِلٌ، أَوْ مُنْفَصِلٌ بِقَسَمٍ نَحْوُ: إِذَنْ أُكْرِمَكَ. وإِذَنْ والله نَرْمِيَهُمْ بِحَرْبٍ).
هذا الناصب الثالث وهو (إذن) وهي حرف جواب وجزاء غالبًا فإذا قلت لمن قال:
أزورك غدًا إن شاء الله:
(إذن أكرمك) فقد أجبته وجعلت إكرامك جزاء زيارته.
ولا تنصب المضارع إلا بثلاثة شروط ذكرها المصنف.
الأول: أن تكون مصدرة، أي: في أول الكلام. فإن كانت في وسط الكلام لم تنصب المضارع نحو: أنا إذن أكرمُك. برفع المضارع بعدها.
الثاني: أن يكون المضارع مستقبلاً. فإن كان حالاً أهملت. كما لو حدثك إنسان بحديث فقلت له: إذن أصدقك، برفع المضارع، أي أصدقك في الحال لا في المستقبل.
الثالث: أن يكون المضارع متصلاً بها لم يفصل بينهما فاصل. فإن كان فاصل أهملت، كأن يقول لك: أزورك غدًا إن شاء الله. فتقول: إذن أخي يكرمك، برفع المضارع.
وقوله: (أَوْ مُنْفَصِلٌ بَقَسَمٍ) هذا مستثنى من الفصل. والمعنى أن الفصل بالقسم لا يؤثر على عمل (إذن) نحو: أزورك غدًا. فتقول: (إذن والله أكرمَك) بنصب المضارع.
وقوله: (نَحْوُ إِذَنْ أُكْرِمَكَ) هذا مثال جمع الشروط الثلاثة.
فـ (إذن) حرف جواب وجزاء ونصب.
و (أكرم) فعل مضارع منصوب بـ (إذن) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
وقوله: (وَإِذَنْ والله نَرْمِيَهُمْ بِحَرْبٍ) هذا شطر بيت وهو بتمامه:
إذن والله نرميهم بحرب ......تُشِيبُ الطفلَ من قبل المشيب (5)
وساقه المصنف شاهدًا على أن المضارع نُصِبَ بـ (إذن) مع الفصل بينهما بالقسم وهو (والله).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة طه، آية: ٩١.
(٢) سورة الحديد، آية: ٢٣.
(٣) سورة الحديد، آية: ٢٣.
(٤) قال في المصباح: وأسِىَ أسىً من باب تَعِبَ: حزن فهو أسِيٌّ مثل حزين اهـ وجئنا في التقدير بكلمة (عدم) من (لا) النافية.
(5) إعرابه: إذن: حرف جواب وجزاء ونصب (والله) الواو: حرف قسم وجر. ولفظ الجلالة اسم مقسم به مجرور. والجار والمجرور متعلق بفعل القسم المحذوف. (نرميهم) نرمي: فعل مضارع منصوب بـ (إذن) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة. والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره: نحن. والهاء مفعول به والميم علامة الجمع. (بحرب) جار ومجرور متعلق بـ (نرمي) (تشيب) فعل مضارع مرفوع لتجرده من الناصب والجازم وعلامة رفعه الضمة الظاهرة. والفاعل ضمير مستتر جوازاً تقديره (هي) يعود إلى الحرب (الطفل) مفعول به. والجملة في محل جر صفة لـ (حرب) (من قبل) جار ومجرور متعلق بـ (تشيب) و (المشيب) مضاف إليه.
المرجع تعجيل الندى بشرح قطر الندى
﴿ذَ ٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوا۟ لَن تَمَسَّنَا ٱلنَّارُ إِلَّاۤ أَیَّامࣰا مَّعۡدُودَ ٰتࣲۖ وَغَرَّهُمۡ فِی دِینِهِم مَّا كَانُوا۟ یَفۡتَرُونَ﴾ [آل عمران ٢٤]
إعراب المفردات
(ذلك)، اسم إشارة مبتدأ والإشارة الى الإعراض..
و (اللام) للبعد، و (الكاف) للخطاب
(الباء) حرف جرّ لا محلٌ له من الإعراب. (أنّ) حرف مشبّه بالفعل لا محلٌ له من الإعراب و (هم) ضمير متّصل مبنيٌ على الضم في محلٌ نصب اسم أنّ، والميم للجمع.
(قالوا) فعل ماض مبنيّ على الضمّ.. والواو واو الجماعة ضمير متّصل مبنيٌ في محلٌ رفع فاعل.
والمصدر المؤوّل (أنّهم قالوا) في محلّ جرّ بالباء متعلّق بمحذوف خبر المبتدأ (ذلك).
(لن) حرف ناصب واستقبال لا محلٌ له من الإعراب.
(تمسّ) فعل مضارع منصوب بلن وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره
و (نا) ضمير متّصل مبنيٌ على السكون في محلٌ نصب مفعول به
(النار) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
(إلّا) أداة حصر
(أيّاما) ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة.. متعلّق ب (تمسّنا)، (معدودات) نعت لأيام منصوب مثله وعلامة النصب الكسرة
إعراب الجمل
جملة: «ذلك بأنّهم..» لا محلّ لها استئنافيّة تعليلية.
وجملة: «قالوا..» في محلّ رفع خبر أنّ.
وجملة: «لن تمسّنا النار» في محلّ نصب مقول القول.
قوله: (وبِأَن الْمَصْدَريَّةِ ظَاهِرَةً نَحْوُ: {أَنْ يَغْفِرَ لِي} (١) مَا لَمْ تُسْبَقْ بِعِلْم نَحْوُ: {عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى} (٢)، فَإن سُبِقَتْ بِظَنٍّ فَوَجْهَانِ نَحْوُ: {وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ} (٣).
🔹هذا الناصب الرابع من نواصب المضارع وهي (أن المصدرية). وهي أقوى النواصب لأنها تعمل ظاهرة ومقدرة.
وإنما أخرها المصنف لطول الكلام فيها،
و (أن المصدرية) هي المنسبكة مع مدخولها بالمصدر. نحو: يسرني أن تزورنا. فـ (أن) وما دخلت عليه في تأويل مصدر فاعل (يسر) أي: يسرني زيارتك لنا.
وقيدت بالمصدرية احترازًا من (أن) المفسِّرة. و (أن) الزائدة. و (أن) المخففة من الثقيلة.
أما المفسِّرة فهي التي تأتي لإفادة التبيين والتفسير، فتكون بمعنى (أي) المفسرة، وهي المسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، كما في قوله تعالى: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ} (٤) فجملة (إذ أوحينا ...) فيها معنى القول دون حروفه، و (ما يوحى) هو عين (اقذفيه في اليم) في المعنى.
وأما الزائدة فهي الواقعة بعد (لما) الحينية؛ كقوله تعالى: {فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ} (٥) أو قبل (لو) كقوله تعالى: {وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦)} (٦) . وهي تفيد تقوية المعنى وتوكيده.
وقوله: (ما لم تسبق ... إلخ) هذا في بيان ضابط (أنْ) المصدرية، والتفريق بينها وبين (أنْ) المخففة من الثقيلة التي تذكر في باب (إنَّ)
وللفرق بين المصدرية والمخففة نقول: اعلم أن لـ (أن) ثلاث حالات:
الحالة الأولى:
أن يتقدم عليها ما يدل على اليقين والتحقق. مثل: علم، وأيقن ونحوهما. فهذه مخففة من الثقيلة. تنصب الاسم وترفع الخبر. ولها ثلاثة أحكام:
١-أن اسمها ضمير الشأن (٧) محذوف.
٢-رفع المضارع بعدها.
٣-فصل المضارع منها - في الغالب -بحرف من حروف أربعة:
- قد
-أحد حرفي التنفيس (أي الاستقبال وهما: السين، وسوف) .
-أحد حروف النفي الثلاثة: لا، لن، لم، لو.
وهذا الفصل للتفريق بينها وبين المصدرية. وسيأتي إن شاء الله الكلام على ذلك في باب (إن وأخواتها).
🔷الحالة الثانية:
▪أن يتقدم عليها ما يدل على الظن والرجحان مثل: ظن، خال، حسب، ونحوهما. فيجوز أن تكون مخففة من الثقيلة ويرفع المضارع بعدها وتأخذ الأحكام السابقة،
▪️ وأن تكون مصدرية ناصبة للمضارع. وهو الأكثر والأرجح، لأن الأصل بقاء الظن على بابه. لأن الرفع يلزم عليه تأويل الفعل باليقين.
ومنه قوله تعالى: {وحسبوا ألا تكون فتنة} (8) فقرأ أبو عمرو وحمزة والكسائي برفع (تكون) على أنها مخففة. و (حسبوا) بمعنى (أيقنوا) ؛ لأن (أن) للتأكيد. والتأكيد لا يجوز إلا مع اليقين.
وقرأ الأربعة الباقون من السبعة بنصب (تكون) على أنها هي الناصبة للمضارع. و (حسب) بمعنى الشك. لأن (أن) الناصبة ليست للتوكيد، بل الأمر قد يقع وقد لا يقع.
وهذا معنى قوله: (فإن سبقت بظن فوجهان) أي: الرفع باعتبارها مخففة، والنصب باعتبارها مصدرية ناصبة للمضارع.
🔷الحالة الثالثة:
ألا يسبقها علم ولا ظن. بل تقع في كلام يدل على الشك أو على الرجاء والطمع (9) فهذه ناصبة للمضارع وجوبا، وهذه الحال تفهم من كلام المصنف. مثال ذلك:
أرجو أن ينتصر الحق، فـ (أن) مصدرية، والمضارع بعدها منصوب. قال تعالى: {والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين} (10).
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة الشعراء، آية: ٨٢.
(٢) سورة المزمل، آية: ٢٠.
(٣) سورة المائدة، آية: ٧١.
(٤) سورة طه، آية: ٣٨، ٣٩.
(٥) سورة يوسف، آية: ٩٦.
(٦) سورة الجن، آية: ١٦.
(٧) ضمير الشأن: ضمير يأتي في صدر جملة بعده، تفسر دلالته وتبين المراد منه. سمي بذلك لأنه يرمز للشأن. والمراد به: مضمون الكلام. ومن أحكامه: أنه يعود على ما بعده، وأنه لابد أن يكون مبتدأ أو اسماً لناسخ. وأنّ مفسره لا يكون إلا الجملة. وتكون خبرًا له أو للناسخ، وصيغته (هو) أو (هي) فلا يكون للمثنى ولا للجمع.
(8) سورة المائدة، آية: ٧١.
(9) الشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساو، والظن: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. والرجاء والطمع بمعنى: الأمل.
(10) سورة الشعراء، آية: ٨٢.
قوله: (وَمُضْمَرَةً جَوَازاً بَعْدَ عَاطِفٍ مَسْبُوق باسْم خَالِص نَحْوَ: ولُبْسُ عَبَاءَةٍ وتَقَرَّ عَيْني. وبَعْدَ اللاَّمِ) نَحْوَ }لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ { (3)
اعلم أن (أن) المصدرية تنصب المضارع ظاهرة ومضمرة، ولها ثلاث حالات:
الأولى: أن تضمر جوازًا.
الثانية: أن تظهر وجوبًا.
الثالثة: أن تضمر وجوبًا.
فيجوز إظهارها وإضمارها في موضعين:
الأول: أن تقع بعد عاطف مسبوق باسم خالص من معنى الفعل والمراد به: الاسم الجامد المحض الذي ليس في تأويل الفعل، والغالب أن يكون مصدراً، والعاطف واحد من أربعة وهي:(الواو - الفاء - ثم – أو).
مثال: (الواو) قول المرأة:
ولُبْسُ عباءةٍ وتقرَّ عيني ......أحبُّ إليّ من لبس الشفوف (4)
فـ (تقر) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة جوازًا بعد واو عاطفة على اسم خالص من معنى الفعل وهو (لُبْسُ)،
ومثال: (الفاء) إن دراستي النحو فاستفيدَ منه أحبُّ إليّ من دراسة البلاغة.
ومثال: (ثم) إن جمعي المال ثم أمسكَه دليلُ الحرمان.
ومثال: (أو) قوله تعالى: }وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا {(5) بنصب (يرسل) بإضمار (أن)، و (أن) والفعل في تأويل مصدر معطوف على (وحيًا) أي: إلا وحياً أو إرسالاً. قرأ بذلك السبعة عدا نافعًا المدني فقد قرأ برفع (يرسل) (6)
وقول المصنف: (مسبوق باسم خالص) احتراز من الاسم غير الخالص، وهو ما فيه معنى الفعل، كاسم الفاعل، نحو: المتكلم فيستفيد الطالب هو المحاضر، فـ (المتكلم) اسم فاعل فيه معنى الفعل وهو واقع موقعه، لأنه صلة لـ (ال)، والأصل في الصلة أن تكون جملة، فهو بمنزلة) يتكلم) فكأن التقدير: الذي يتكلم. فلما جاءت (ال) عُدِلَ إلى اسم الفاعل، لأن الفعل لا يصلح صلة لها، فيجب رفع الفعل (يستفيد)؛ لأنه معطوف على اسم غير خالص من معنى الفعل.
الموضع الثاني:
أن تقع (أن) بعد لام الجر، ويقع المضارع بعدها مباشرة سواء كانت اللام للتعليل - وهي التي يكون ما بعدها علة لما قبلها - نحو: حضرت لأستفيد. فـ (أستفيد) فعل مضارع منصوب بـ (أن)مضمرة جوازًا بعد لام التعليل. قال تعالى: }وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ{ (7).
أو كانت اللام لبيان العاقبة وتسمى (لام الصيرورة) - وهي التي يكون ما بعدها نتيجة مترتبة على ما قبلها - كقوله تعالى:}فَالْتَقَطَهُ آَلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا {(8) فاللام هنا ليست للتعليل؛ لأنهم لم يلتقطوه لذلك، وإنما التقطوه ليكون لهم قرة عين، فكانت عاقبته أن صار لهم عدوًا وحزنًا.
أو كانت اللام زائدة، وهي الواقعة بعد فعل متعد - وفائدتها التوكيد - كقوله تعالى: }إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرً {(9) فالفعل (يريد) متعدٍّ، ومفعوله هو المصدر المنسبك من (أن) المضمرة جوازًا بعد اللام ومن المضارع بعدها، وهذه اللام زائدة بين الفعل ومفعولة والتقدير: إنما يريد الله إذهاب الرجس عنكم.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) الشك: إدراك الشيء مع احتمال ضد مساوٍ، والظن: إدراك الشيء مع احتمال ضد مرجوح. والرجاء والطمع بمعنى: الأمل.
(٢) سورة الشعراء، آية: ٨٢.
(٣) سورة النحل، آية: ٤٤.
(٤) الشفوف جمع: شف (بفتح الشين أو كسرها) وهو الثوب الذي يشف عما تحته لكونه رقيقًا والمعنى: أن هذه المرأة تتمنى حالتها الأولى وهي أن لبس عباءة من صوف غليظ أحب إليها من الثياب الرقيقة الناعمة. وهي امرأة من أهل البادية نقلت إلى الحاضرة.
إعرابه: (ولبس) مبتدأ (وتقر) الواو عاطفة. وتقر: فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة بعد الواو. (عيني) فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. والياء مضاف إليه: (أحب) خبر المبتدأ (من لبس) جار ومجرور متعلق بـ (أحب) (الشفوف) مضاف إليه.
(5) سورة الشورى، آية 51
(6) إما على الاستئناف والقطع عما قلبه. أو أنه على إضمار مبتدأ أي: أو هو يرسل، أو أنه معطوف على (وحياً) على أنه حال لأن (وحيًا) في تقدير الحال، فكأنه قال: إلا موحيًا أو مرسلاً.
(7) سورة النحل، آية: ٤٤.
(8) سورة القصص، آية: ٨.
(9) سورة الأحزاب، آية: 33.
قوله: (إلاَّ فيِ نَحْوِ: {لِئَلَّا يَعْلَمَ} (1)، {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ} ، فَتَطْهَرُ لاَ غَيْرُ).
هذه الحالة الثانية لـ (أن) وهي إظهارها وجوبًا، وذلك في مسألة واحدة، وهي أن تقع بين (لام الجر) و (لا)، سواء كانت (لا) نافية أم زائدة.
مثال النافية: أحضر مبكرًا لئلا يفوتني الدرس. قال تعالى: {لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ} (2) فـ (لئلا) اللام حرف تعليل وجر. و (أن) حرف مصدري ونصب. و (لا) نافية. والهمزة في (لئلا) هي همزة (أن). وأما نونها فمدغمة في (لا) فلا تظهر لفظًا ولا خطًا.
و (يكون) فعل مضارع ناقص، يرفع الاسم وينصب الخبر، منصوب بـ (أن) و (للناس) خبر مقدم و (حجة) اسمه مؤخر.
ومثال الزائدة المؤكدة قوله تعالى: {لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ}. (3) أي: ليعلم أهل الكتاب. فـ (لا) حرف زائد إعراباً، مؤكد معنى، إذ لو كانت نافية لفسد المعنى.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سورة الحديد، آية: ٢٩.
(2) سورة النساء، آية: ١٦٥.
(3) سورة الأنفال، آية: ٣٣.
قوله: (وَنَحْو: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} (١) فَتُضْمَرُ لا غَيْرُ).
شرع المصنف - رحمه الله - في الكلام على الحالة الثالثة، وهي إضمار (أن) وجوبًا.
فتعمل (أن) مضمرة وجوبا في مواضع:
١ -بعد (لا الجحود) والجحود: هو النفي. وهي اللام المسبوقة بكونٍ منفي. نحو: ما كان الصديق ليخونَ صديقه، لم يكن الغِنَى ليُطغيَ كرام النفوس. (اللام) في (ليخون) و (ليطغى) لام الجحود. وتفيد توكيد النفي، لأن الأصل: ما كان يفعل. ثم أدخلت اللام لتقوية النفي، وسميت لام الجحود، لملازمتها الجحد وهو النفي. وهذا اصطلاح، وإلا فالجحد هو الإنكار.
ومنه قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ} وقوله تعالى: {لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} (٢) فـ (ليعذبهم) اللام: لام الجحود، ويعذب: فعل مضارع منصوب بـ (أن) المضمرة وجوبا بعد لام الجحود، والهاء مفعول به. والميم علامة الجمع. والجملة صلة الموصول الحرفي (أن) (٣)، والمصدر المؤول مجرور باللام. والجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر (كان) والتقدير - والله أعلم - وما كان الله مريدًا لتعذيبهم.
2- قوله: (كَإضْمَارهَا بَعْدَ (حَتَّى) إذا كَانَ مُسْتَقْبَلاً نَحْو: {يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} (٤)).
هذا هو الموضع الثاني لإضمار (أن) وجوبًا، وهو أن تقع بعد (حتى) وشرط نصب المضارع بـ (أنْ) بعدها، أن يكون الفعل مستقبلاً، نحو: لا يُمدح الولد حتى يَنالَ رضا والديه، فـ (ينال) فعل مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد (حتى)، وهو فعل مستقبل، ومنه قوله تعالى: {لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى} فـ (حتى) حرف غاية وجر، والمصدر المؤول من (أنْ) المضمرة وما بعدها في محل جر بـ (حتى)، والتقدير، - والله أعلم - حتى رجوعِ موسى.
فإن كان الفعل بعدها غير مستقبل بأن كان زمن الفعل هو زمن النطق لم ينصب المضارع، بل يرفع، وتكون (حتى) ابتدائية. وما بعدها مستأنف، نحو: يجري الماء بين الزروع حتى تشربُ، فالفعل (تشربُ) مرفوع وجوبًا، لأن معناه (وهو الشرب) حاصلٌ ابتداءً في وقت التكلم. فزمن الشرب والنطق واحد.
3- قوله:(وَبَعْدَ أَوِ التَّي بِمَعْنَى إلَى) نَحْوُ: لأَسْتَسْهِلَنَّ الصَّعْبَ أَوْ أدْرِكَ الْمُنَى. أو الَّتي بِمَعْنَى (إلاَّ) نَحْوُ: وكُنْتُ إذَا غَمَزْتُ قَنَاةَ قَوْمٍ كَسَرْتُ كُعُوبَهَا أوْ تَسْتَقِيمَا).
-الموضع الثالث الذي تضمر فيه (أن) وجوبًا: (أو) العاطفة. التي بمعنى (إلى) الغائية، أو بمعنى (إلا). الاستثنائية. فتكون (أو) بمعنى (إلى) إذا كان المعنى قبلها ينقضي شيئاً فشيئًا. نحو: تحبَّبْ إلى إخوانك أو تنالَ رضاهم. فالفعل (تنال) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبا بعد (أو) وهي بمعنى (إلى) إذ يصح أن يقال: تحبَّبْ إلى إخوانك إلى أن تنال رضاهم. والتحبب إلى الإخوان يتطلب وقتًا ولا يتم دفعة واحدة، ومنه قول الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أُدرك المنى ......فما انقادت الآمال إلا لصابر (5)
فالفعل (أُدرك) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً بعد (أو) وهي بمعنى (إلى) لأن إدراك المنى يحصل شيئًا بعد شيء.
وتكون (أو) بمعنى (إلا) إذا لم يصح وقوع (إلى) موقعها، نحو: يعاقب المسيء أو يعتذر. فالفعل (يعتذر) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد (أو) وهي بمعنى (إلا)، إذ يصح أن يقال: يعاقب المسيء إلا أن يعتذر. ولا يصح وقوع (إلى) موقعها لفساد المعنى، لأن الاعتذار لا يكون غاية للعقاب، ومنه قول الشاعر:
وكنتُ إذا غَمَزْتُ قناةَ قومٍ ... كسرتُ كُعُوبَها أوتستقيما
فالفعل: (تستقيم) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد (أو) وهي بمعنى (إلا) أي: إلا أن تستقيم فلا أكسر كعوبها. ولا يصح أن تكون بمعنى (إلى) لأن الاستقامة لا تكون غاية للكسر.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة الأنفال، آية: ٣٣.
(٢) سورة النساء، آية: ١٣٧.
(٣) الحروف المصدرية، ومنها (أن) تسمى: الموصولات الحرفية ولا بدَّ لها من صلة بعدها. ويُسبك الموصول الحرفي مع صلته سبكاً ينشأ عنه المصدر المؤول.
(٤) سورة طه، آية: ٩١.
(5) المعنى: يقول إنه يستحمل الشدائد حتى يبلغ ما يتمناه ويرجوه. فإن ما يرجى من المطالب لا يناله إلا الصابرون.
إعرابه: (لأستسهلن) اللام واقعة في جواب قسم مقدر. واستسهل: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد. ونون التوكيد حرف لا محل له من الإعراب والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا) (الصعب) مفعول به (أو) حرف عطف بمعنى إلى، (أدرك) فعل مضارع منصوب بأن المضمرة بعد أو، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره أنا، (المنى) مفعول به للفعل (أدرك) (فما) الفاء للتعليل و (ما) نافية (الآمال) فاعل. (إلا) أداة استثناء ملغاة (لصابر) جار ومجرور متعلق بـ (انقاد).
4- قوله: (وَبَعْدَ فَاءِ السَّبَبيَّةِ أوْ وَاو الْمَعِيَّةِ مَسْبُوقَتَين بِنَفْي مَحْض أَوْ طَلَب بِالْفِعْلِ نَحْو: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا}، {وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ}، {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ} ، ولاَ تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللبَنَ) .
ذكر هنا الموضع الرابع والخامس مما تضمر فيه (أن) وجوبًا. فالرابع أن تقع (أن) المصدرية بعد (فاء) السببية. إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل. فهما شرطان:
الأول: أن تكون الفاء للسببية. وهي التي يكون ما قبلها سببًا في حصول ما بعدها.
الثاني: أن تكون مسبوقةً بنفي محض، أي: خالص من معنى الإثبات، لم ينتقض نفيه بـ (إلا) ولا بنفي آخر يزيل أثره ويجعل الكلام مثبتًا، أو مسبوقةً بطلب بالفعل. أي: بصيغة الفعل، أو ما ألحق به. كما سأذكر إن شاء الله (1).
فمثال النفي: لم يُسألْ فيجيبَ. فالفعل (يجيب) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد فاء السببية. لأن السؤال سبب في الإجابة. وقد تقدم عليها نفي لم ينتقض. ومنه قوله تعالى: {لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا} (2) فـ (يموتوا) مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً وعلامة نصبه حذف النون.
وأما الطلب فهو نوعان:
١- طلب محض: وهو ما كانت دلالته على الطلب بلفظه وصيغته، وهو الأمر نحو: احترم الصديق فتدومَ لك صداقته، والنهي نحو: لا تغشَّ في البيع فتكسدَ تجارتك. ومنه قوله تعالى: {وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي} (3) فـ (يحلَّ) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا، والدعاء نحو: ربِّ وفقني فلا أنحرفَ.
٢- طلب غير محض: وهو ما كانت دلالته على الطلب تابعة لمعنى آخر يتضمنه وهو:
التحضيض نحو: هلا تزورنا فتحدثَنا، ومنه قوله تعالى: {لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ} (4) فـ (أصدق) مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً.
والتمني نحو: ليت لي مالاً فأتصدَّقَ منه، ومنه قوله تعالى: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا} (5) فـ (أفوز) مضارع منصوب بأن مضمرة وجوباً في جواب التمني.
والعرض نحو: ألا تزورنا فتحدثَنا.
والاستفهام نحو: هل تزورنا فتحدثَنا، ومنه قوله تعالى: {فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا} (6)، فـ (يشفعوا) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً في جواب الاستفهام، وعلامة نصبه حذف النون.
والترجي نحو: لعلك تتقي الله فتفوزَ برضاه، ومنه قوله تعالى: {لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ} (7) بنصب (فأطلع) على قراءة حفص عن عاصم. وهو منصوب لأنه وقع بعد فاء السببية في جواب الترجي، وقرأ بقية السبعة بالرفع على (أبلغُ).
وقوله: (وَبَعْدَ فَاء السَّبَبِيَّةِ) احتراز من العاطفة على صريح الفعل ومن الاستئنافية، فأما العاطفة فكقوله تعالى: {وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ} (8) فالفعل (يعتذرون) معطوف على (لا يؤذن) فهو مرفوع مثله. لِيدلَّ على نفي الإِذنِ والاعتذارِ أي: لا إذن ولا اعتذار. وأما الاستئنافية فنحو: ألم تسألْ عليًا فيخبرُك. برفع (يخبرك) على الاستئناف.
وقوله: (بِنَفْي مَحْضٍ) احترز من النفي غير المحض، وهو ما انتقض بـ (إلا)، نحو: ما تأتينا إلا فتحدثُنا. برفع المضارع بعد الفاء.
وقوله: (أَوْ طَلَبٍ بِالْفِعْلِ) احتراز من الطلب بالاسم نحو: صه فنحدثُك، فإنه (صه) يفيد الطلب، وهو طلب السكوت، لكنه طلب باسم وليس بفعل، لأن (صه) اسم فعل أمر. فَيُرفع المضارع بعد الفاء. (9)
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) انظر: حاشية الصبان (٣/٣٠١) النحو الوافي (٤/٣٦٥) .
(2) سورة فاطر، آية: ٣٦.
(3) سورة طه، آية: ٨١.
(4) سورة المنافقون، آية: ١٠.
(5) سورة النساء، آية: ٧٣.
(6) سورة الأعراف، آية: ٥٣.
(7) سورة غافر، آية: ٣٦، ٣٧.
(8) سورة المرسلات، آية: ٣٦.
(9) هناك قول آخر وهو للكسائي ومن وافقه وهو اعتبار الفاء للسببية ونصب المضارع بعدها وهو رأي وجيه [النحو الوافي ٤/٣٦٦] [شرح الشذوذ ص (٣٠٥)] .
٥-الموضع الخامس: أن تقع (أن) بعد (واو) المعية إذا كانت مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل، فهما شرطان: -
الأول: أن تكون الواو للمعية، وهي التي تفيد مصاحبة ما قبلها لما بعدها بمعنى أنهما يحصلان معاً في زمن واحد يجمعهما.
الثاني: أن تكون مسبوقة بنفي محض أو طلب بالفعل.
فمثال النفي: لن يأمر الناصح بالأمانة ويخونَ، فالفعل (يخون) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد واو المعية؛ لأن المنفي هو مصاحبة الخيانة للنصح بالأمانة. وقد تقدم على (الواو) نفي محض لم ينتقض، ومنه قوله تعالى: {وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} (١) فـ (يعلم) مضارع منصوب بـ (أن) مضمرة وجوبًا بعد (واو) المعية. وقد سُبِقَتْ بالنفي (ولما يعلم) (٢).
وأما الطلب فمنه:
الأمر نحو: أيها الصديق اغفر هفوتي واغفرَ هفوتك لتدوم صداقتنا.
والنهي نحو: لا تأمر بالصدق وتكذبَ.
والاستفهام نحو: هل حفظت الأحاديث وأسمعَها منك؟
والعرض نحو: ألا تزورنا ونكرمَك.
والتحضيض نحو: هلا أديت واجبك ويشكرَك أبوك.
والتمني نحو: ليت لي مالاً وأحجَّ منه، ومنه قوله تعالى: {يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآَيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} (٣) فقد قرأ حفص وحمزة (ولا نكذبَ) بالنصب جوابًا للتمني بعد واو المعية، وقرأ ابن عامر وحمزة وحفص (ونكون) بالنصب - أيضًا - ورفعهما الباقون عطفًا على (نُرَدُّ) (٤).
والترجي نحو: لعل الله يشفيني وأزورَك.
قوله: (وَلاَ تَأكُلِ السَّمَكَ وتَشْرَبَ اللبَنَ) يجوز في الفعل (تشرب) ثلاثة أوجه: -
الأول: النصب على أن الواو للمعية في جواب النهي. ويكون القصد النهي عن الجمع بينهما.
الثاني: الجزم عطفا على (تأكل) ويكون القصد النهي عن كل واحد منهما. أي لا تأكل السمك ولا تشرب اللبن.
الثالث: الرفع على أن الواو للحال أو للاستئناف (5). ويكون القصد النهي عن الأول وإباحة الثاني أي: لا تأكل السمك حال شرب اللبن. أو لك شرب اللبن.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) سورة آل عمران، آية: ١٤٢.
(٢) لما: أداة جزم (يعلم) مضارع مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين.
(٣) سورة الأنعام، آية: ٢٧.
(٤) انظر: الكشف لمكي (١/٤٢٧).
(5) الاستئناف النحوي: عدم عطف ما بعد الحرف على ما قبله إن وُجِدَ حرف العطف، وإلا فهو قطع إحدى الجملتين من الأخرى، فالأول كقوله تعالى: {لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ} والثاني كقوله تعالى: {وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا}. أما الاستئناف البياني فهو: ما وقع جواباً لسؤال مقدر معنى كقول أبي تمام.
السيف أصدق أنباءً من الكتب ...في حده الحدُّ بين الجدّ واللعب
فالشطر الثاني جواب لسؤال ناشئ عن الجملة الأولى، وتقديره: لماذا كان السيف أصدق من الكتب؟ وهذا من مباحث البلاغيين في علم المعاني.
والجملة الاستئنافية غير الابتدائية، فالابتدائية الواقعة في أول الكلام، والاستئنافية الواقعة في أثناء الكلام، ولكنها منقطعة عما قبلها، وقيل هما بمعنى واحد.
﴿ بِٱلۡبَیِّنَـٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَاۤ إِلَیۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَیِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَیۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ یَتَفَكَّرُونَ ٤٤﴾ [النحل ٤٤]
❀إعراب المفردات
(بالبيّنات) الباء حرف جرّ مبني على الكسر لا محل لها من الإعراب .
البينات اسم مجرور وعلامة جرّه الكسرة الظاهرة... والجارّ و المجرور متعلّق ب (نوحي)(١) ،
(الواو) عاطفة حرف مبني على الفتح لا محل لها من الإعراب.
(الزّبر) معطوف على البيّنات مجرور مثله.
(الواو) عاطفة حرف مبني على السكون لا محل لها من الإعراب
(أنزلنا): فعل ماضٍ مبني على السكون و (نا) ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل .
(الذّكر) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
(إليك) إلى حرف جرّ مبني على السكون لا محل لها من الإعراب ، والكاف ضمير متصل مبني على الفتح في محل جرّ بحرف الجرّ والجار والمجرور متعلّق ب (أنزلنا) ،
(اللام) للتعليل حرف مبني على الكسر لا محل لها من الإعراب.
(تبيّن) فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة... والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت
(للناس) جارّ ومجرور متعلّق ب (تبيّن) ،
(ما) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب مفعول به .
(نزّل) فعل ماض مبنيّ على الفتح مبني للمجهول، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره هو وهو العائد (إليهم) مثل الأول متعلّق ب (نزّل) .
والمصدر المؤوّل (أن تبيّن ... ) في محلّ جرّ باللام متعلّق ب (أنزلنا) .
(الواو) عاطفة ...
(لعلّهم) لعل حرف مشبه بالفعل للترجّي مبني على الفتح لا محل له من الإعراب. و (هم) ضمير متصل مبني في محلّ نصب اسم لعلّ
(يتفكّرون) فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه ثبوت النون لأنه من الأفعال الخمسة، والواو واو الجماعة ضمير متصل مبني على السكون في محل رفع فاعل.
❀إعراب الجمل
وجملة: «أنزلنا إليك ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة أرسلنا.
وجملة: «تبيّن ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) المضمر.
وجملة: «نزّل ... » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) .
وجملة: «لعلّهم يتفكّرون» لا محلّ لها معطوفة على مقدّر أي فيسمعون ذلك ولعلّهم يتفكّرون.
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
(١) نوحي في الآية السابقة
قال الشاعر:
لأستسهلن الصعب أو أُدرك المنى ......فما انقادت الآمال إلا لصابر
(لأستسهلن) اللام واقعة في جواب قسم مقدر،واستسهل: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، ونون التوكيد حرف مبنيّ على الفتح لا محل له من الإعراب والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا)
(الصعب) مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره.
(أو) حرف عطف بمعنى إلى مبنيّ على السكون لا محل له من الإعراب.
(أدرك) فعل مضارع منصوب بأن المضمرة وجوباً بعد (أو) وعلامة نصبه الفتحة الظاهرة على آخره، والفاعل ضمير مستتر وجوبًا تقديره (أنا).
(المنى) مفعول به للفعل (أدرك) منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على آخره منع من ظهورها التعذر.
(فما) الفاء للتعليل و (ما) نافية حرف مبنيّ على السكون لا محل ...
(الآمال) فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة على آخره.
(إلا) أداة استثناء ملغاة...
(لصابر) اللام حرف جرّ مبنيّ على الكسر لا ...
صابر : اسم مجرور باللام وعلامة جره الكسرة الظاهرة على آخره، والجار والمجرور متعلق بـ (انقاد).
فالفعل (أُدرك) منصوب بـ (أن) مضمرة وجوباً بعد (أو) وهي بمعنى (إلى) لأن إدراك المنى يحصل شيئًا بعد شيء.
متن قطر الندى وبل الصدى لابن هشام
تعجيل الندى بشرح القطر للشيخ صالح الفوزان