ما الفلسفة؟
ما الفلسفة؟ سؤالٌ يتجاوز الإجابات البسيطة
"ما الفلسفة؟" ليس سؤالًا بسيطًا يمكن الإجابة عليه بسهولة، فهو يختلف عن السؤال العادي الذي اعتدنا إيجاد إجابة نهائية له. إنه سؤال فلسفي بطبيعته، يشبه تلك الأسئلة التي نكتشف بعد الإجابة عليها أن جوابنا غير كافٍ أو غير مكتمل. هذا السؤال، على غرار "ما الحب؟"، "ما الجمال؟"، "ما الخير؟"، "ما العدل؟"، "ما الحرية؟"، و"ما المعرفة؟"، جميعها أسئلة فلسفية تتطلب مقاربة مختلفة وغير اختزالية، على عكس ما تعودنا عليه في مجالات أخرى¹.
البحث عن تعريف وحقيقة الفلسفة
السؤال "ما الفلسفة؟" يكشف حقيقة أننا قد لا نعرف الفلسفة، وأننا قد نوجد خارج مجالها، رغم أن هدفنا هو الولوج إليها ومعرفة هذا الكائن الغامض والغريب والمستجد على عالمنا. نحن نبحث عن تعريف، عن خاصية أساسية تميز الفلسفة عن الحقول المعرفية الأخرى مثل التاريخ والأدب والعلم والدين والأسطورة والفن والقانون، تمامًا كما نميز التفاحة عن البرتقالة أو الليمونة.
ولكن، عندما نفحص أداة التعريف نفسها، نجد أنها تقوم بالتحديد والتجميد والاختزال للمُعرَّف. بالتالي، يصبح كل تعريف عاجزًا عن الإلمام بجميع خصائص الفلسفة المتعددة والمتنوعة. من الصعب الاقتصار على خاصية واحدة أو اثنتين أو ثلاث واعتبارها تعبيرًا جامعًا ومانعًا للفلسفة. وهكذا، نلاحظ أننا قد بدأنا التفلسف قبل أن نعرف الفلسفة، وهذه مشكلة أخرى².
الفلسفة: شأن الفلاسفة واختلافاتهم
يمكن العثور على إجابة مبسطة ومختزلة لسؤال "ما الفلسفة؟" في المعاجم والموسوعات، أو عبر محركات البحث، أو حتى لدى الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، لن يكون هذا الجواب كافيًا أو شافيًا، لأنه غالبًا ما يصدر عن غير المتخصصين في الفلسفة. فالفلسفة هي شأن الفلاسفة، تمامًا كما أن الرياضيات شأن الرياضيين، والفيزياء شأن الفيزيائيين، والفلك شأن الفلكيين. لذلك، لا يمكننا أن نلتمس تعريف الفلسفة عند المؤرخين أو الأدباء أو الشعراء أو العلماء، بل يجب أن نسأل الفلاسفة أنفسهم عن الفلسفة³.
لكن، عندما نطرح هذا السؤال على الفلاسفة أنفسهم، نجد أنهم اختلفوا حول تعريف الفلسفة قديمًا وحديثًا. لا يوجد فيلسوفان يتفقان على تعريف واحد. على سبيل المثال:
أفلاطون يعرف الفلسفة بأنها البحث عن الحقيقة والسعي وراء الحكمة وحب المعرفة.
أرسطو يعرف الفلسفة بأنها دراسة الوجود من حيث هو موجود ومعرفة العلل الأولى.
ديكارت يعرف الفلسفة بأنها وسيلة للوصول إلى اليقين والمعرفة من خلال توظيف الشك المنهجي والفكر العقلاني.
كانط يرى أن الفلسفة هي السعي لفهم حدود وشروط المعرفة الإنسانية.
نيتشه يعرف الفلسفة بأنها استكشاف للحياة وإرادات القوة، فضلًا عن كونها تأكيدًا للإبداع الفردي والتغلب على الذات.
سارتر يعرفها على أنها وسيلة لفهم الشرط الإنساني، لا سيما مفاهيم الحرية والمسؤولية والأصالة.
بالإضافة إلى ذلك، يختلف تعريف الفلسفة من تيار فلسفي إلى آخر، كالوضعية أو الماركسية أو الرومانسية أو البراغماتية أو التحليلية. لقد تطورت الفلسفة على مر الزمن، مما يعكس السياقات التاريخية والتأثيرات الثقافية المختلفة. اهتمامات الفلاسفة القدامى كانت مختلفة عن اهتمامات الفلاسفة المعاصرين، وهذا التطور يجعل من الصعب تحديد تعريف ثابت⁴.
تعقيدات تعريف الفلسفة
تتعدد الأسباب التي تجعل تعريف الفلسفة صعبًا وغير متفق عليه:
النطاق الواسع: عندما نحاول الدخول إلى نطاق الفلسفة، نجده شاسعًا ومترامي الأطراف. تشمل الفلسفة مجموعة واسعة من المواضيع، بما في ذلك الميتافيزيقا ونظرية المعرفة والأخلاق والمنطق وعلم الجمال. تتناول أسئلة حول الوجود والمعرفة والقيم والعقل والجمال. هذا النطاق الواسع يجعل من الصعب تقديم تعريف واحد وشامل⁵.
التقاطع مع مجالات أخرى: الفلسفة بطبيعتها تتقاطع مع مجالات أخرى مثل العلوم والسياسة والدين والفن. هذا الجانب متعدد التخصصات يجعل من الصعب حصر الفلسفة في مجال واحد أو مجموعة واحدة من الأسئلة⁶.
تنوع المناهج والأساليب: يستخدم الفلاسفة أساليب ومناهج متنوعة ومتباينة. يمكن أن تؤدي هذه المناهج المختلفة إلى تعريفات ومفاهيم متنوعة للفلسفة⁷.
الذاتية: تتسم المعارف الفلسفية بالذاتية، حيث تتضمن الفلسفة تفسيرات شخصية ووجهات نظر ذاتية حول الأسئلة. قد يتناول الفلاسفة المختلفون السؤال نفسه من زوايا مختلفة، مما يؤدي إلى مجموعة من وجهات النظر والآراء⁸.
مقاربتان لفهم الفلسفة
كل هذه الأسباب تجعل تعريف الفلسفة صعبًا وغير متفق عليه. لذلك، يمكننا محاولة التقرب من مجال الفلسفة وفق مقاربة مزدوجة:
تتبع تاريخ الفلسفة: من خلال الاطلاع على محطات من تاريخ تطور الفلسفة منذ ظهورها إلى اليوم، والتعرف على فلسفة الفلاسفة.
الولوج إلى عالم الفلسفة من خلال الممارسة: عبر التفكير بطريقة فلسفية تستوعب منطق وخصائص التفكير الفلسفي، أي بممارسة التفلسف بدلًا من مجرد الاطلاع عليه.
المراجع
¹ Solomon, R. C., & Higgins, K. M. (Éds.). (1999). Une brève histoire de la philosophie. (F. Billard, Trad.). Éditions Aden.
² Grayling, A. C. (2021). Histoire de la philosophie. (N. Weill, Trad.). Éditions de l’Observatoire.
³ Russell, B. (2011). Histoire de la philosophie occidentale. (H. Kern & L. M. Roux, Trad.). Éditions des Belles Lettres.
⁴ Copleston, F. (2004). Histoire de la philosophie (Vol. 1-9). (S. M. Guillemin et al., Trad.). Éditions du Seuil.
⁵ Magee, B. (2000). Histoire de la philosophie. (M. Saint-Upéry, Trad.). Éditions France Loisirs.
⁶ Nagel, T. (1993). Qu’est-ce que tout cela ? Une très brève introduction à la philosophie. (T. Marchaisse, Trad.). Éditions de l’Éclat.
⁷ Sober, E. (2003). Problèmes philosophiques pour la théorie de l’évolution. In R. Singh et al. (Éds.), Penser l’évolution : Perspectives historiques, philosophiques et politiques (pp. 15–25). (M. S. Duc, Trad.). Éditions Syllepse.
⁸ Warnock, M. (2000). La Philosophie existentialiste. (P. Joly, Trad.). Éditions du Rocher.