الناس، جل الناس، على اختلاف أعراقهم وأديانهم، على اختلاف أعمارهم وأفكارهم، واجتهاداتهم يتخبط في وحل نتائج الإخفاقات العريض كيانه، والكثير أبعاده. الضعيف من الناس تراه يرعى أيامه بين أَلَمِ غلظتها وآثار جروح حروبها. والغني فيهم يرى جمال حياته في المال وكبريائه. سعادة المتكبر مقيدة في هاتين المتغيرتين التي بهما الفقراء والمساكين والضعفاء يعانون ضيم الأيام والسنين. فلا الفقير أو المسكين مرتاح ولا ذو المال المتكبر مطمئن على كرسي عناده الذي يزداد خشونة وقساوة بدون هوادة. والسؤال المطروح هنا، لماذا كل هذا؟ لماذا هذه المعانات مستمرة منذ قرون وقرون تنخر أجسام البشرية وكيانهم الإنساني؟ فهل فشل الإنسان ليكون خليفة الله في أرضه حقاً!؟ أليس الإنسان هو الذي يحمل معه بذرة الحياة الحقيقية وجمالها وكمالها؟ أليس الإنسان وجوده بين الخلائق معجزة عظيمة القدر والشأن؟ أليس الإنسان وجوده وجود الكون برمته؟ أليس الإنسان هو البدرة الحية التي تحمل في طيها عجائب الشكل والحجم والجمال والبصمات وسمات التفكير والوعي والذكاء ثم العلم والمعرفة؟ أليس سرّك سر كمالي نوراني بين الكاف والنون" فكُنْتَ أنت الجليل المُرَصّع المكنون؟ ألا يحق لك أن تسأل نفسك من تكون؟ اسأل مثلا من أين أتيت قبل ظهور رسمك المسنون ؟ لأي غرض أتيت يا صاحبي؟ وإلى أين ترغب الذهاب يا ترابي؟
لا يمكنك، أيها الإنسان الحذق، أن تجد أجوبة على هذه الأسئلة ولو اطلعت على كتب خزائن الدنيا بأسرها ولا على الفلسفات والأطروحات الفكرية برمتها ولا على المحاضرات أو التخمينات بكليتها ولا على الأقوال والقيل والقال بحذافيرها وأنت غافل عن من هو أقرب من "حبل الوريد". إذا كنت ملهوفا لإيجاد أجوبة على هذه الأسئلة أو غيرها من هذا القبيل، كن متيقنا أن مفاتيحها كلها عند خالقك وكنوزها مكنونة بداخلك تحتاج أن تأخذها جاهزة من سرّك، من سرّ خلافتك. ستتبين حينها، يا أخي أن الله "هو معكم أين ما كنتم" صدق الله العظيم (سورة الحديد الآية 4) يصاحبك دائما بأسمائه العلى لسعادتك طوال عبورك. فهو الذي يلقي نوره عليك باستمرار لكمال قدرته وعلمه وكرمه وجوده وفضله. لأنه هو الذي يلقي بدرة الحياة على من يشاء، أينما كان، وأيًا كان، ليخرج الناس من الظلمات إلى النور،. أيًا كان فقيرَا أو غنيَا. فهو الذي يمنحك الإلهام والفتح النوراني. وبواسطة البصيرة يكشف عن جماله وجلاله في كل لحظة أو لنقل في كل نَفَس الشَّهِيقِ والزَّفِير. ألا أصغيت يوما لهما لجلالهما وجمالهما بعين الفكر والتفريد. ألا نظرت بعين الفكر في التوحيد؟ ألا جمّلت تأملاتك برفرفة الفراش وزقزقت العصافير؟ ألم يأسرك يوما خرير وسهسهة الماء؟ أو درداءه أوأَلِيله أو ثَليله؟ ألم يدهشك حسيس ولظى النار ؟ أو أجيجها أو هجيجها أو زفيرها أو حفيفها؟ ألم يفرحك استهلال وعزف المطر؟ ألم يقلقك هزيمه أو قطقطته؟ ألم يغذي إحساسك يوما حفيف ورق الشجر ودمدمته؟ ألم يسرك ثمارأنواع الأشجار واختلاف ألوانها وأحجامها؟. وَمِنَ النَّخْلِ مِن طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِّنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انظُرُواْ إِلِى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام/99). ألم يسرك لطيف دغدغة شعاع الشمس على وجنتيك في فصل الربيع بعد شتاء مظلم حلك؟ ألم يبهرك نور القمر وحجمه في ليلة بدره؟ هل أحسست يوما بفرح الأرض وتنسمت رائحتها بعد هطول الغيث؟ هل تأملت يوما نظرة الرضيع لأمه؟ هل تأملت يوما جمال اختلاف ألوان الطبيعة؟ هل خصصت بعض أوقاتك للنظر في الورود والأزهار كيف تفتح زهورها وتلقي نسيم عطورها؟ هل أعجبت برقصة النحل وهي تدور حول الزهر قبل ارتشاف عذيب لبّها؟ هل اسعدت يوما بنكران ذاتك، لمساعدت الآخرين؟ هل فهمت يوما ماهية المحبة بدون مقابل؟ هل ...؟ كن متيقنا، يا أخي، إذا ما حصل هذا الكشف جليا ستكون جلجلة قلبك دليله وسعادتك الأبدية نعيمه. لا مال ولا سلطة تعوضه ولا فقر أو ضعف يقوض منه. نورك من قدرته سبحانه، وروحك من روحه، ما أجله "ونفخت فيه من روحي" (صدق الله العظيم سورة الحجر الآية 29). بدون تجلي هذا النور بداخلك أيها الإنسان فأنت مضطرب، مشتّت، هائم، متسلط، فقير ولو ملكت الدنيا كلها. فأنت، والله، فاقد حريتك وسعادتك وعنوان خلافتك. والعمر مهما طال فهو قصير.
إن الحياة الكريمة السعيدة لا يمكن لها أن تتم بأجمل صورها ومعانيها ولذاتها إلا عندما نفي بالعهد الذي أقمناه على أنفسنا أمام ربّنا عز وجل في عالم الذر. حينها نرتاح من معاناتنا وتِيهنا، من خوفنا وبؤسنا، من حزننا وآلامنا.
إن الله هو الغني. غني عن الغِنى والفَقر. لا يهمه غناك أو فقرك. لا يهمه علمك أو معرفتك. لا يهمه جنسك أو لونك. لا يهمه قُطرك أو بلدك. إِنَّ الله لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسامِكْم، وَلا إِلى صُوَرِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ " رواه مسلم. علاقتك به معرفتك له به منه. حسن علاقتك به حفاظك على العهد وما ولاّك عليه. تأمّلك في آيات الفرقان وآيات كتابه المفتوح هما طريق عودتك لحسن تدبير نفسك. بهما يكشف محبته لك. الكل يجده سبحانه حسب طلبه وفهمه وجهده وإصراره. فمن أنت، يا صاحبي، بلا نوره سبحانه وتعالى؟ كيف لك أن تميز بين الخير والشر وأنت غائب عنه؟ كيف لك أن تكون قويا بدونه؟ كيف تغيب عنه سبحانه وأنت المعجزة الحية عبر الأزمان والأحقاب وعبر الأقطار والمحيطات؟ وعبر كل الفهوم والآفاق؟. فلماذا لا تبحر في مقامات الأبرار وترتقي في مجالس الأخيار عبر نفحات نسيم الوصال بادراكك لأخطائك؟ تذكر أنه سبحانه وتعالى قد منحك بفضله القدرة أن تأخذ لنفسك بعض صفاته التي لا تعد ولا تحصى. ألا تعلم إذا ما تجسدت هذه الصفات فيك بتصحيح معاملاتك مع جميع الخلق والخليقة ستكون قادرا وقتها على إيجاد طريقك للممر العظيم الموصل إلى جواب من أنت بالفعل؟ فلا تكن غافلا بأنانيتك. ولا تكن جاهلا بالنور الذي وضعه الله بداخلك حتى تقبع في ظلام الحيرة والخوف والجشع والسطو والنسيان وتفقد أنوار جماله منار الكُمَّلِ. فاجعل من الفرقان عين اليقين ومن معارفه علم اليقين ومن بيان حقائق التجليات -بلسان سرك- حق اليقين. واعبد ربك حتى يأتيك اليقين. صدق الله العظيم.
تق بالله، فهو منهج حياتك. منهج حريتك. منهج خلافتك.