بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
الأرض ساكنة بوسط الكون
يطوقها فلك مائل ميل فلك البروج (23,5°)
ومركز هذا الفلك خارج عن مركز الأرض
فلما يُدير الشمسَ بسرعة مستوية حول مركزه
تبدو للراصدين أنها مسرعة لما
تقترب من الأرض ومتباطئة لما تبتعد عنها
من نقائص هذا النموذج هو أن أوج الشمس لا يتحرك رغم أن بطلميوس كان واعيا بحركة النجوم البطيئة بالنسبة للإعتدالين. وهذا ما سيقوم ابن الشاطر بتصحيحه.
نماذج بطلميوس لمحاكاة حركات القمر
قدم بطلميوس بكتاب المجسطي نموذجين مختلفين لتحريك القمر :
النموذج الأول، المقتبس من إبرخس، لم يمكنه من الحصول على نتائج تتطابق مع أرصاده الشخصية ولا مع أرصاد سابقيه.
لذا نراه يخصص للقمر صفحات عديدة بالمقالة الخامسة ليقدم فيها الظواهر التي يجب أخذها بعين الإعتبار. وأخيرا يقترح نموذجا ثانيا يسخر فيه، لأول مرة، آلية هندسية ستسمى بالعربية "الفلك المعدل المسير"
Équant en français
نقدم هنا النموذج الثاني بعدما سبق أن قدمنا النموذج الأول بالصفحة المخصصة لإبرخس
لاحظ بطلميوس أن لمسار القمر علاقة وطيدة بموقع الشمس. لذا نراه يأخذ بعين الإعتبار بُعْدَ الشمس المتوسط لتحديد سرعات القمر. يتكون هذا النموذج من فلك أول مهمته تحريك العقدتين، أي نقطتا تقاطع مسار الشمس ومسار القمر، علما أن مسار القمراكثر ميلا بخمس درجات تقريبا.
الفلك الثاني محمول بجوف الأول ويقوم بتدوير أوج القمر من الشرق نحو الغرب.
وبنفس القدر الذي يبتعد به هذا الأوج نحو الشرق، يقوم فلك ثالث بالدوران نحوالغرب. بهذا نحصل على نقطتين متقابلتين وسطهما موقع الشمس. وهذا الفلك الثالث هو المعدل لمسير
فلك رابع، الحامل، مركزه خارج عن مركز الأرض ويُقِل على محيطه مركزَ
فلكٍ خامس (فلك التدوير) هو المرصع بكوكب القمر. وبما أن مركز الفلك الحامل خارج عن الأرض ويدور بدوران الثالث، يرسم وسطه دائرة صغيرة حول الأرض. ورغم أن سرعة معدل المسير مستوية لا تتغير، إلا أنه هو الموجه لحركة الحامل بسرعة تتغير. لذا نرصد القمر مسرعا حينا ومتباطئا حينا آخر.
لم يتمكن بطلميوس بواسطة هذا النموذج من الحصول على محاكاة لكل الظواهر المتعلقة بالقمر.
رغم قدرته على التنبإ بالسرعات المختلفة لهذا الكوكب وبأوقات الكسوفات والخسوفات، إلا أنه يسفر على اقتراب وابتعاد للقمر اكثر مما كانت قد سجلته الأرصاد. والغريب أن بطلميوس لم يشر إلى تلك النتائج التي كانت متوفرة لديه.
نموذج بطلميوس لتحريك عطارد
كان بطلميوس واعيا بأن كوكب عطارد يساير الشمس في دورانها السنوي وأنه في نفس الوقت يسبقها تارة، قبل الشروق ويغيب تارة أخرى بعدما تغيب، جهة المغرب. لكنه لم يقدم على وضع الشمس كمركز لفلك تدوير عطارد. وكذلك هو حال الزهرة كما سنرى.
يتكون نموذجه لعطارد من فلك أول محرك للأوج بسرعة بطيئة
وفلك ثاني مائل بالنسبة لمستوى دائرة البروج
يُقِل هذا الفلك بجوفه فلكا ثالثا هو المعدل لمسير فلك رابع هو الحامل لفلك خامس هو فلك التدوير المرصع بكوكب عطارد
ومركز الفلك الثالث خارج عن مركز الأرض. وكذلك هو حال الفلك الحامل.
وكما أوضحنا ذلك أعلاه، تكمن مهمة الفلك المعدل للمسير في تحريك الحامل بسرعات تتغير عبر الزمن. وبما أن الفلكان، الحامل والمعدل للمسير، خارجان المركزفإن آلية معدل المسير تمكن كذلك من تقريب وإبعاد مركز فلك التدوير وبالتالي كوكب عطارد من الأرض. بهذا يحصل بطلميوس على إلتواءات وحضيضين لعطارد.
لقد أضفنا لهذا النموذج دائرة لمسار الشمس بسرعتها المتوسطة ليتضح أن النقطة الموجه لمركز فلك التدوير ملازمة لموقع الشمس وتدور بنفس السرعة المستوية، لا تتغير. لكن فلك التدوير يقترب ويبتعد من الأرض وبالتالي تتغير سرعته الظاهرية بالنسبة للراصدين إنطلاقا من الأرض.
ونلاحظ كذلك أن بطلميوس أضاف حركة تأرجح طفيف لمستوى الأفلاك المحركة لعطارد في العرض. ولقد اكتفى بنقل مقادير هذه الذبذبة حسابيا من جداول كان قد أوردها كمقدمة لعلم الفلك، دون أن يخترع لها آلية هندسية خاصة بها.
وهذا ما سيصلحه الطوسي بإبداعه لما يسمى عن استحقاق "مزدوجة الطوسي"
نموذج بطلميوس لتحريك الزهرة
مثلما هو حال عطارد، كان بطلميوس واعيا بأن كوكب الزهرة يساير الشمس في دورانها السنوي وأنه في نفس الوقت يسبقها تارة، قبل الشروق ويغيب تارة أخرى بعدما تغيب، جهة المغرب. لكنه لم يقدم على وضع الشمس كمركز لفلك تدوير الزهرة وعطارد.
يتكون نموذجه للزهرة من فلك أول محرك للأوج بسرعة بطيئة
وفلك ثاني مائل بالنسبة لمستوى دائرة البروج
يُقِل هذا الفلك بجوفه فلكا ثالثا هو المعدل لمسير فلك رابع هو الحامل لفلك خامس هو فلك التدوير المرصع بكوكب الزهرة
ومركز الفلك الثالث خارج عن مركز الأرض. وكذلك هو حال الفلك الحامل.
وكما أوضحنا ذلك أعلاه، تكمن مهمة الفلك المعدل للمسير في تحريك الحامل بسرعات تتغير عبر الزمن. وبما أن مركزا الفلكين، الحامل والمعدل للمسير، خارجان عن مركز الأرض فإن آلية معدل المسير تمكن كذلك من تقريب وإبعاد مركز فلك التدوير وبالتالي كوكب الزهرة من الأرض.
لقد أضفنا لهذا النموذج دائرة لمسار الشمس بسرعتها المتوسطة ليتضح أن النقطة الموجه لمركز فلك التدوير ملازمة لموقع الشمس وتدور بنفس السرعة المستوية، لا تتغير. لكن فلك التدوير يقترب ويبتعد من الأرض وبالتالي تتغير سرعته الظاهرية بالنسبة للراصدين إنطلاقا من الأرض.
ونلاحظ كذلك أن بطلميوس أضاف حركة تأرجح لمستوى الأفلاك المحركة للزهرة في العرض. ولقد اكتفى بنقل مقادير هذه الذبذبة حسابيا من جداول كان قد أوردها كمقدمة لعلم الفلك، دون أن يخترع لها آلية هندسية خاصة بها.
وهذا ما سيصلحه الطوسي بإبداعه لما يسمى عن استحقاق "مزدوجة الطوسي"
1.10 - بطلميوس : نماذج جديدة خارجة عن فرضيات السابقين
إشتهر بطلميوس خاصة بما خلفه من أعمال في ميداني الجغرافيا وعلم الفلك. ويُعتبر كتابه المجسطى المرجع الأساسي لكل دارس لعلم الفلك طيلة القرون الوسطى سواء تعلق الأمر بتبني هيئاته مع تصحيح نتائجها على ضوء ما استجد من أرصاد أو بتعديل وتحسين نماذجه كي تقدم نتائج أفضل (المشارقة عموما) أو بانتقاد منطلقاته وتبيان تناقضاته، كما نهض لذلك إبن الهيثم مثلا، أو بتقديم البديل مثلما حاول ذلك البطروجي. في كل الأحوال ظلت نظريات بطلميوس مرجعية ومحورية بالنسبة لمؤيديه ولمصححيه ولمعارضيه.
فالمحاولات الهندسية والأرصاد المتنوعة والدقيقة التي أقيمت خلال المدة الفاصلة بين عهدي إبرخس وبطلميوس هيأت الساحة لينجح هذا الأخير في تأليف كتابه الرياضي الجامع ولتقديم المهارات الهندسية والجداول اللازمة لحساب حركات الكواكب والنجوم، كتاب إشتهر باسمه العربي ”المجسطي“ أي الجليل أو العظيم أو الفخم بينما عنوانه الأصلي هو
Μαθηματική σύνταξις ما يمكن ترجمته بـبساطة ”المألف الرياضي“ La composition mathématique.
لفهم النماذج الهندسية التي تطرق إليها بطلميوس لا تكفي دراسة هذا الكتاب أو مخطوطاته بالعربية أو الفرنسية أو أي ترجمة نفهمها بل لا بد من الإطلاع على الدراسة القيمة التي قام بها الرياضي ومؤرخ العلوم أوطو نويچبور[1] (Otto Neugebauer).
”وكان قد حصل من كتاب المجسطي خمس نسخ مختلفة اللغات والتراجم، منها نسخة سريانية نقلت من اليونانية؛ ونسخة ثانية بنقل الحسن بن قريش للمأمون من اليونانية إلى العربية؛ ونسخة ثالثة بنقل الحجاج بن يوسف بن مطر وهليا بن سرجون للمأمون أيضا من اليونانية إلى العربية؛ ونسخة رابعة بنقل إسحق بن حنين لأبي الصقر بن بلبل من اليونانية إلى العربية، وهي دستور إسحق وبخطه؛ ونسخة خامسة بإصلاح ثابت بن قرة لنقل إسحق بن حنين“.[2]
وفي هذا الكتاب، يحدد بطلميوس طريقة عمله بعدما استفاد من تجارب سابقيه سواء نجحت أم لم تنجح في محاكاة الظواهر السماوية. يعترف بطلميوس بفضل إبرخس عليه وينوه بنهجه في البحث والتدقيق لرصد منازل الكواكب السيارة على خلفية النجوم الثابتة التي قام بجرد مواقعها في الطول والعرض. ويلخص ريجيس مورلون Régis Morelon منهج بطلميوس كما يلي :
“أ – تجميع أكبر عدد ممكن من الأرصاد الدقيقة؛ ب - تمييز كل اختلاف للحركة المراقبة عن الحركة الدائرية المستوية؛ ج - إيجاد بالتجربة، للقوانين التي تسمح برؤية كيفية تركيب الأدوار ومقادير الإختلافات الآنفة الذكر؛ د - تركيب حركات دائرية مستوية بواسطة دوائر متراكزة أو مختلفة المراكز، أو بواسطة أفلاك التدوير، لتحليل الظواهر المرصودة؛ هـ - حساب وسائط هذه الحركات للتمكن من تركيب جداول تسمح بحساب مواضع الكواكب“.[3]
-----------------------------------
[1] 0tto Neugebauer, A History of Ancient Mathematical Astronomy, Springer-Verlag Berlin Heidelberg, 1975
[2] رشدي راشد، موسوعة تاريخ العلوم العربية - الجزء الأول : علم الفلك النظري والتطبيقي، مركز دراسات الوحدة العربية، الطبعة الأولى، بيروت 1997، المقالة الثانية، علم الفلك العربي الشرقي بين القرنين الثامن والحادي عشر، ص 51.
[3] ريجيس مورلون، موسوعة تاريخ العلوم العربية، الجزء الأول، المقالة الأولى : مقدمة في علم الفلك، ص 29.
وفي سياق حديثه عن منجزات الفلكيين السابقين لعهده، يعتبر بطلميوس أنهم لم يتمكنوا من حل معضلة فلكية عويصة : إن إلتواءات الكواكب التي تسجلها الأرصاد ليست أقواسها متساوية على مدار فلك البروج ولا تتكرر هاته الإلتواءات بانتظام مثلما هو الحال بالرسم رقم 14 الذي قدمناه بالباب المخصص لإبرخس. إنطلاقا من هاته الملاحظة ومن معطيات الأرصاد لإلتواءات المريخ فيما بين سنة 1971 وسنة 1984، قدم جيمس إيفنس Evans James، أستاذ الفيزياء بجامعة Puget Tacoma دراسة هندسية[4] للدوافع العملية التي أدت ببطلميوس إلى إنشاء ما يسمى ”هيئة معدل المسير“ الممثلة بالرسم رقم 15.
فكوكب الزهرة مثلا يتحرك هنا بواسطة فلك التدوير. ومركز فلك التدوير [ح] يدور على محيط الفلك الحامل بسرعات تتغير حسب موقع النقطة [م] التي تدور بسرعة مستوية (أي تقطع زوايا متساوية في أوقات متساوية) على الفلك المعدل للمسير والذي له مركز خارج عن مركز الأرض. إجمالا، يمكننا القول بأن بطلميوس في حالة شرودين عن منطلقات وإطارات القدامى. فهو لا يأبه البتة لمقولة أرسطو بتوسط الأرض لكل مدارات الكواكب ولا يكترث هنا لمبدإ أفلاطون الذي طلب من المهندسين أن يتقيدوا بحركات مستوية حول مركز الدوائر نفسها التي ترتسم عليها المدارات. والغريب في الأمر هو أن بطلميوس بدأ كتابه بسرد هاته المبادئ ليتخلى عن احترامها في خضم بحثه عن حل هندسي لمحاكاة الظواهر السماوية. وسيدلنا على وعيه بتناقضاته وعن سبب شروده.
كما أوضح ذلك جيمس إيفنس، بطريقة بيداغوجية للغاية، نرى بطلميوس يفضل احترام الظواهر الطبيعية ومعطيات الأرصاد ما يؤدي به إلى إبداع هيئة لا تتقيد بمبادئ القدامى. لا يسعنا سوى الإقرار بأن المنهجية المتقيدة بالظواهر الطبيعية هي التي ساعدته على إيجاد حل مشرف للغاية بالنسبة لزمانه. وفعلا يدلنا جيمس إيفنس عمليا على أن نموذج معدل المسير يمكننا من محاكاة الإلتواءات المحيرة التي تسجلها أرصاد المريخ فيما بين 1971 و 1984. وهذا ما نراه بالرسم التوضيحي الذي جاء بالصفحة 207 من مقالته والذي نقدم هنا نسخة منه (الرسم رقم 16 نقلا عن مقال Evans James).
ومما يورده بطلميوس بالفصل الثاني من المقالة التاسعة بكتاب المجسطي، يتضح أنه تخلى ضمنيا عن افتراض أفلاك كروية شفافة. إكتفى بتصور دوائر تتحرك عليها الكواكب المتحيرة بحرية. فالكرات المجسمة كقشرات البصل لاتتيح لمن يتقيد بفيزيائها أن يحاكي حركات الكواكب. وبطلميوس يبرر ذلك بمقولة ذات أهمية قصوى مفادها أن تقديم واحترام الظواهر كما هي على المبادئ والمنطلقات إضطرته إلى الخروج عن القياس وأنه لا يرى عيبا في ذلك طالما اتفقت نتائج نموذجه الهندسي مع واقع الأمور أي مع ما يظهر منها لأبصارنا[5].
يتضح في هذا المقام أن هذا التحرر الفكري المتشبث بالظواهر مستعد لإعادة النظر في المبادئ الموروثة ولتجاوزها. فالإختيار الذي قام به بطلميوس يبرز التناقضات الشخصية التي يعيها بطلميوس ويعترف بها. إننا إزاء ممارسة للتجربة النظرية مع القبول بالخطإ والتناقض ثم التصحيح ؛ منهجيةٌ بين التاريخ أنها هي الناجحة في آخر المطاف وفي كل ميادين العلوم : نبدأ بفرضيات مؤقتة، يليها إنتاج نماذج ذهنية أو هندسية، يليها امتحان لمقارنة المعطيات المادية مع نتائج نماذجنا بفرضياتها ثم نعيد النظر في النماذج أو المبادئ أو الإثنين معا إن اقتضى الحال. كل هذا مع احترام تام لواقع الأمور الخارجة عن إرادتنا وتصوراتنا وبالتالي لا تخضع أبدا لنظرياتنا أو لمبادئنا ومنطلقاتنا الفلسفية أو العقائدية أو العلمية.
تهتم الآليات الهندسية التي تقدم ذكرها (أي الفلك الخارج المركز، الفلك الحامل، فلك التدوير والفلك المعدل للمسير) بإنتاج محاكاة لحركة الكواكب في الطول.
لاحظ بطلميوس أن أرصاده وأرصاد سابقيه تدلنا على تذبذب غريب لعرض الكواكب بالنسبة لدائرة البروج. لذا قام بتحليلها وقدم معطيات رياضية بحتة لحساب عرض كل كوكب مستعينا في ذلك بالجداول البيانية التي قدمها بوفرة بعدما كان قد قدم وصفا مقترنا بوسائط دقيقة لذبذبات الأفلاك الحاملة وأفلاك التدوير لكل من عطارد والزهرة والمريخ والمشتري وزحل. أما الشمس والقمر فإن مداراتهما تبقى على نفس الميل بالنسبة للراصدين.
لم يقدم بطلميوس أي وصف للآليات الهندسية التي يمكنها أن تقوم بتحريك مستويات هاته الأفلاك. سيعود الفضل للمهندس وعالم الفلك الطوسي حيث قدم حلا على شكل ما نسميه اليوم ”مزدوجة الطوسي“. سنتطرق لتفاصيلها في الصفحات التالية.
-----------------------------------
[4] Evans James, Fonction et origine probable du point équant de Ptolémée. Dans : Revue d'histoire des sciences, tome 37, n°3-4, 1984, pp. 193-213
[5] Claude Ptolémée, Synthaxe mathématique, édition Halma, Volume 2, Livre IX, Chap. II : « Du fondement des hypothèses sur les planètes », p. 116-121.
الميل والإنحراف لمحاكاة حركات العرض
تستند نظرية بطلميوس لحركة عرض القمر إلى ظاهرة يمكن رصدها بشكل مباشرة ليتبين أن مستوى مدار القمر مائل بالنسبة لمسير الشمس بزاوية شبه ثابتة : خمس درجات. ويتضح كذلك عبر ظاهرة الخسوف والكسوف أن الأرض تقع على خط العقدتين. فحساب عرض القمر تابع بالتالي لتحديد ميل الشمس على فلك البروج.
أما تحديد عرض الكواكب الأخرى فأكثر تعقيدًا، مقارنة مع هذين النيرين، لأننا نعلم اليوم أن مساراتها مائلة بالنسبة للشمس. في هذا المضمار بالذات تتضح مزايا النظرية المنطلقة من التحويم حول الشمس.
رغم هاته الصعوبة والتعقيد، تمكن بطلميوس من تحديد حركات العرض حسابيا معتمدا في ذلك على ما توفر له من أرصاد سابقيه ومن أرصاده الخاصة. إكتفى بنقل نتائج الحسابات الهندسية التي كان قد أنجزها على شكل جداول، كتوطئة بكتاب المجسطي، دونما حاجة إلى إنشاء آليات هندسية تحاكي تغيرات سطوح الكواكب في العرض.
لتقييم حركة العرض يميز بطلميوس بين الميل (εγκλισισ) والإنحراف (λόξωσις) كما ترجمت هاتان الكلمتان للعربية :
i0 : الميل وهو قدر الزاوية الفاصلة لسطح فلك البروج عن سطح الفلك الحامل
i1 : الإنحراف وهو قدر الزاوية الفاصلة لسطح فلك التدوير عن سطح الحامل.
المقادير مبالغ فيها في هذا الرسم البياني ليتضح الفرق بين الزاويتين
فيما يخص الكواكب العليا (المريخ، المشتري وزحل) تكون المسألة بسيطة نسبيًا إذ يحافظ مستوى الفلك الحامل على ميل ثابت بالنسبة لفلك البروج بينما يكاد سطح فلك التدوير أن يبقى موازيا له. لذا لم يحتج بطلميوس سوى لتعديلات طفيفة للأخذ بعين الإعتبار لهذا التأرجح الخفيف لسطح فلك التدوير في العرض.
أما شأن الكوكبين الداخليين (عطارد والزهرة) فأكثر تعقيدا بسبب حركتهما الظاهرية الغريبة : يبدو وكأن ميل الحامل تابع لموقع مركز فلك التدوير في الطول، ينتج عن ذلك حركة تشبه مَسارَ صـمَّام أو مطرقة :
في حالة الزهرة يتناقص قدر الميل فيهبط مركز فلك التدوير إلى حد مستوى فلك البروج ثم يعود بعد ذلك للمستوى الذي نزل منه (أقصى ميل هو 2,5° شمال فلك البروج).
أما في حالة عطارد فإنه يصعد نحو مستوى فلك البروج ليهبط بعد ذلك إلى مستوى انطلاقته (أدنى ميل هو 6,25° جنوب فلك البروج).
وفي نفس الوقت يتغير قدر الإنحراف فيبقى مستوى فلك التدوير موازيا تقريبا لمستوى فلك البروج. فأقصى درجات الإنحراف هي 7 درجات للمريخ و 3,5° للزهرة. لذا يظل كوكب عطارد تحت مستوى دائرة البروج وتمكث الزهرة فوق مستوى هاته الدائرة.
وفيما يلي تلخيص موجز لما ورد بكتاب الإقتصاص لبطلميوس الذي نشره پول هولمينه Paul Hullmeine في منتصف 2024.
نكتفي بهذا القدر من تقديم نظريات بطلميوس ونماذجه وننتقل إلى النماذج الفلكية والآليات الهندسية التي أنتجها علماء الفلك بالأندلس وبالمشرق العربي.