Platon 424-348 avant J.C.
أفـلاطون 348-424 قبل الميلاد
أفـلاطون 348-424 قبل الميلاد
بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
1.2 - أفلاطون : المثال والمظاهر والرابط بينهما
لم يقدم لنا أفلاطون أي نموذج هندسي يمكن برمجته بواسطة الكمبيوتر.
فيما يخص نظريات أفلاطون الفلكية، لا نجد أي جديد يذكر ولا نجد أي وصف هندسي يمكن الإعتماد عليه لتوضيح نظرياته. كل ما قدمه المؤرخون لعلم الفلك ينطلق من رواياته، خاصة من حوار طمايوس Τίμαιος. يصور لنا أفلاطون خلق الكون برمته إنطلاقا من العناصر الأولية. صور الخالقُ الكونَ على أحسن صورة، صورة مكتملة ومتشابهة من كل الجوانب. والشكل الكروي الخالي من أية زاوية حادة هو الهيئة المثالية التي تستجيب لهاته المواصفات. والحركة التي تتماشى مع كمال الكون وهيئته، حسب أفلاطون، مبدع هذه التصورات، هي الدوران السرمدي حول مركز لا يبرح مكانه وبسرعة لا تتغير. والسماء حسب نظرياته مُكوَّنة من كرتين متطابقتين : تدور أعلاهُنَّ من الشرق نحو الغرب وفي نفس الوقت تدور مكونات الكرة الثانية، المتواجدة بجوف الأولى، ببطء من الغرب نحو الشرق. ومحور الكرة الثانية مائل بالنسبة للأولى مثل ميل دائرة البروج بالنسبة لدائرة الإستواء. وتنقسم الكرة الثانية بدورها إلى عدة كرات ستخصص كل واحدة منها لتدوير كوكبها المحمول بلحمتها بسرعته الخاصة به. وبجوف هاته الكرة الثانية (أو بالأحرى الكرات المكونة لها) وبالضبط في وسطها، يُـرْسِي الخالق عناصر أربعة ليُكوِّن منها عالمنا الأرضي : التراب والماء والهواء والنار. ويصنع (أو يُبدع) الخالق سبع كواكب سيارة لإنشاء[1] الوقت. ومرتبة هاته الكواكب السيارة، إنطلاقا من أرضنا، هي عنده كما يلي : القمر، تعلوه الشمس ثم الزهرة ثم عطارد ثم المريخ ثم المشرى ثم زحل. ويعني هذا أن النجوم الثابتة مبثوثة بالفلك الأعلى.
وبما أن كل الكرات تدور يوميا من الشرق نحو الغرب وفي نفس الوقت تُـدير الكراتُ الداخلية كل كوكب على حدة من الغرب نحو الشرق على محور مائل فإنه ينتج عن هاتين الحركتين معا مسار يسميه المهندسون لولبا حلزونيا (ελικα بالإغريقية، كلمة استنبطت منها صفة hélicoïdal بالفرنسية، كمسار الشمس عند فيثاغور). وإن لم يصلنا سوى وصف ميثولوجي لتصورات أفلاطون، يمكننا اعتبار أنه زود كل كوكب سيار بفلكين : الفلك الخارجي يدور من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة، وفلك داخلي محمول من طرف الأول ومائل بالنسبة لقطبه ليدير الكوكب من الغرب نحو الشرق بسرعة خاصة بكل فلك : فلك القمر أسرع من فلك الشمس مثلا. لا نعثر بحوارات أفلاطون على أية مقادير مضبوطة لا لسرعات الدوران ولا لميل الأفلاك الداخلية بالنسبة للقطب الشمالي للكون. لذا لا يمكن للمؤرخين ولا يمكننا هنا وصف نماذجه بدقة لتمحيصها. في حقيقة الأمر لم يتمكن مؤرخو علم الفلك من تقديم تصور هندسي واضح إنطلاقا من الروايات المتفرقة لأفلاطون.
لا شك أنه حاول محاكاة المسارات للكواكب كما كانت معروفة عند معاصريه دون أن يفلح. كان الفلكيون قد تيقنوا قبل عهده بأن عطارد والزهرة يسبقان طلوع الشمس في بعض الأحيان ثم يميلان إلى الإقتراب منها قبل أن يظهرا في السماء بعد غروب الشمس. وهكذا تبين من أحوالهما للفلكيين أنهما يحومان حول الشمس في عبورها لدائرة البروج. فتارة يسيران من الشرق نحو الغرب ثم يتوقفان فيدأبان بعد ذلك في الإتجاه المعاكس من الغرب نحو الشرق دون أن يبتعدا كثيرا عن الشمس. لذا اتفق الفلكيون آنذاك على تسميتهما بـ”رفيقي الشمس“ أو بـ ”أقمار الشمس“ (δορυφορούντες).
وهذا ما يُقر به أفلاطون بحوار طمايوس :
”إن نجمة الصباح (الزهرة) ونجمة عطارد المقدسة تجتازان دائرتهما بالسير على وتيرة الشمس. لكنهما مسكونتان بقوات متعارضة تجذبهما تارة نحو الشمس وتارة تُبعدهما عنها بحيث أن الشمس تسبقهما حينا ثم تسبقان الشمس فيما يلي ذلك“[2]. ولقد ذهب بعض القدماء إلى الإعتقاد بأن أفلاطون لربما أقر نوعا ما بدوران الأرض حول نفسها :
”وصنع الخالق الأرض، مُطعِمَـتـَنا، وأدارها (أو طواها) حول محور الكون الذي يَعْبُر كل الأفلاك. فهي الحارسة والمنتجة للنهار والليل وهي أقدم الآلهة الموجودة تحت السماء“.
فما الذي يمكن فهمه من هاته العبارات التي وردت بحوار طمايوس؟ لقد فهم بعضهم أنها قد تُـلمِّح عند أفلاطون إلى دوران الأرض. لكن هذا الفهم يتناقض مع ما يرد بنفس الرواية حيث نقرأ بها أن أفلاك الكواكب السيارة والنجوم الثابتة تدور دورة كاملة من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة. إضافة إلى هذا، ينطلق تلميذه، المهندس أودوكس، من مبدإ سكون الأرض ودوران الأفلاك السماوية كما سيتبين من نماذجه الهندسية التي سنتطرق إليها بالتفصيل. وفي رواية فيدون (Φαίδων) يوضح أفلاطون نفسه أن أستاذه سقراط أورد تبريرات نظرية مُقنعة لسكون الأرض[3].
وفي الكتاب الثاني من ”الجمهورية“ (”المدينة الفاضلة“) يبين أفلاطون، على لسان أستاذه سقراط، أنه لا بد من تعلم الهندسة لأنها كفيلة بإيصالنا إلى حقيقة الأمور. بواسطة التخمينات الهندسية يمكننا أن نفهم المقادير والنسب بين سرعات الدوران التي أقرها الخالق لتنتج عنها مظاهر سماوية تبدو لنا معقدة لما نكتفي برصدها وتسجيلها إنطلاقا من مواقعنا الأرضية. فالهندسة، حسب أفلاطون وأستاذه سقراط، تجعلنا نفهم أن هنالك نظاما وانتظاما في مسارات الكواكب وأنها ليست متحيرة كما قد نعتقد لأول وهلة وكما تشير إلى ذلك كلمة πλανήτης المستعملة في حق الكواكب السيارة. يتبين من كتب أفلاطون أنه روحاني (animiste) ككل القدامى من جميع العالمين. فالأرواح أو (لَـرْياح بالدارجة المغربية) تسكن الأحياء وكذلك السماوات. وهي المحركة للأجسام وللأجرام. فالسماوات عند أفلاطون مسكونة بأرواح أو عقول كما سماها المترجمون للعربية[4]. وفي نفس الوقت، ينطلق أفلاطون من مقولة مفادها أن لكل تلك الأرواح وأجسامها مبدع أو صانع (δημιουργός) هو الذي قرر أيَّ قوانين تحكم تناغمات الكون.
في حوار Ἐπινομίς Epinomis يورد أفلاطون معلومة مهمة عن تصوراته للعلاقات فيما بين الكواكب : ”واعلم أنه يوجد بالسماء ثمانية قوات، علاقاتهن كالأخوات من أبوين مشتركين“. تتحكم إحداهن في مجموع النجوم الثابتة، وأخرى في الشمس، وواحدة في شؤون القمر و تعتني الخمس الباقية بالكواكب الأخرى. ثم يضيف موضحا :
”لا يهم أَتَحركت هاته القوات والكواكب التي تحتويها من تلقاء نفسها أو نُـقِـلت وكأنها راكبة لعربة يجرها الخيل، المهم هو ألا نعتبر بعضها آلهة وأخرى أقل شأنا. ليس لأحد منا حق إصدار مثل هاته الأحكام“.
رغم هذا لا يسع أفلاطون سوى أن يقر في نفس النص بأننا نرى الشمس وعطارد والزهرة يتنقلون معا كمجموعة وبنفس السرعة المتوسطة التي تساوي دورة في السنة من الغرب نحو الشرق. ويذكر كذلك أن هنالك من يقول، عن غير علم حسب أفلاطون، بأن قوة السماء العليا لا تتحكم فقط في إدارة النجوم الثابتة من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة بل تتحكم كذلك في إدارة كل الكواكب السفلية دورتها اليومية. سنرى كيف يأخذ أودوكس هاته النظرية الأفلاطونية بعين الإعتبار وكيف عارضهما أرسطو لما اختار القول بوحدة المحرك الأول، وكيف سيأدي هذا التصور بأرسطو إلى تعقيد الميكانيكا السماوية عوض تحسين أو إصلاح نماذج أودوكس الهندسية. على أية حال نرى هنا أن النظر في أحوال السماوات عند الإغريق، مثلهم مثل باقي الشعوب، هو كذلك نظر في الإلهيات (ثيولوجيا).
يخبرنا سِـمْبْليكْيُوس Simplicius Σιμπλίκιος (490-560 م) أن أفلاطون طرح المسألة على المهندسين كما يلي :
”ما هي الحركات التي يمكن افتراضها لإنقاذ المظاهر التي ترسمها الكواكب السيارة، شريطة أن تكون حركة دائرية حول مركز أرضنا، في إتجاه واحد وبسرعة مُـتَّـئِـدة، مستوية، لا تتغير ؟ “
فالأشكال التي ترسمها مسيرة الكواكب بالسماء محيرة وما يصبو إليه أفلاطون هو تبسيطها عبر الهندسة. ولقد وردت هاته التعليمات بكتاب مفقود لأودوكس بقيت شذراته عند سِـمْبْليكْيُوس . فالتقيد بمحاكاة ما يظهر لنا من أحوال الكواكب هو الرابط بين المثال الهندسي والمظاهر الطبيعية التي تبدو معقدة للراصدين.
ومما أرخه قدماء الإغريق نستنتج أن الفيثاغوريين كانوا ينطلقون من نفس الفرضيات : دوران بسرعة لا تتغير وفي نفس الإتجاه لترتسم من خلاله دوائر مكتملة. فأفلاطون لا يضيف أي شيء ذي بال إلى ما كان قد توصل إليه سابقوه بل حذف منه فرضية دوران الأرض ليجعلها مستقرا لمركز واحد. ولم يقبل أفلاطون بنظريات زميله هركليدس الذي نبه معاصريه بشأن عطارد والزهرة وبـيَّـن أنهما يحومان حول الشمس ويتبعانها في مسيرتها اليومية من الشرق نحو الغرب وكذلك في مسيرتها السنوية من الغرب نحو الشرق.
إضافة إلى هاته التعليمات للمهندسين أشار أفلاطون إلى أهمية التصوير والتمثيل للنماذج التي سيبدعونها. إنه شرط مهم ولا شك إذ سيتقيد به تلميذه أودوكس، أول المهندسين الذي قام بإنشاء نماذج من هذا النوع. يخبرنا ثيون السميرني Θέων ο Σμυρναίος Théon de Smyrne (ت. 135م) بما قاله أفلاطون : ”سيكون العمل دون فائدة إن إكتفى أصحابه بوصف المدارات دون إنشاء صور تخاطب العين بشكل مباشر“. هذا ما يتجلى عند أفلاطون عمليا في رواية ”إيـرْ“ الميثولوجية التي ختم بها كتابه العاشر من ”الجمهورية“ أو ”المدينة الفاضلة“، حيث روى أن آنانْـكي )التي تعني الضرورة أو القدر بالإغريقية ( تُدير فَلْكَـةً للغَزْل على ركبتها وتلوي حولها ثمانية خيوط ملونة بألوان قوس قزح ثم تنسج منها ما سيرتديه خلال مسيرته كل عائد من الممات إلى حياة جديدة. إنها رواية رائعة تتذوقها حاستنا الشعرية ولا تغنينا طبعا عن العودة إلى واقع الأمور. نرى هنا على الأقل أن أفلاطون لا يكتفي بدوائر هندسية ومثالية يتخيلها المهندسون والرياضيون فقط بل يطالب بتصورات مادية وملموسة يمكننا تمحيصها. فأفلاطون ليس مثاليا إلى درجة الإستغناء كليا عن الماديات كما آل إليه حال كثير من أتباعه. لمقاربة تصورات أفلاطون الفلكية ولسحر كلامه لا بد، كما سبق أن قدمت، من العودة إلى حواره الميثولوجي الرائع المسمى طمايوس بالعربية (Τίμαιος)[5].
ومهما كان مثاليا أو واقعيا فإن المشكلة تبقى هي نفسها بالنسبة لمهندس الميكانيكا (Ingénieur mécanicien) إذ الفرق عنده طفيف بين المثال والواقع. فإنشاء أفلاك أو حلقات مادية ملموسة يتطلب رسم أشكال هندسية مثالية مجردة على الرمل أو الورق أو على شاشة الكمبيوتر قبل إنجازها عمليا. إضافة إلى هذا، سواء تعلق الأمر بالهندسة بمعناها الضيق (géométrie) أو بمعناها الأوسع (ingénierie) سيظل الهدف المرغوب فيه عند علماء الفلك هو محاكاة الظواهر السماوية الطبيعية كما نراها بالعين المجردة. والنموذج الهندسي أو الميكانيكي يحاكي فقط ولا يقوم أبدا مقام الواقع.
لربما حاول أفلاطون إنقاذ الظواهر، لكن تفحص ما وصلنا من كتبه يرغمنا على الإعتراف بأن الحصيلة هزيلة. لم تتجاوز تصوراته فَـلْكة الغزل (fuseau) ولا نعثر عنده سوى على دوائر حول مركز واحد هو مركز أرضنا. لم يضف أفلاطون شيئا يذكر لفرضيات الفيثاغوريين بل حذف منها أهم فرضية : فرضية دوران الأرض. ولم يتفحص نظرية زميله هركليدس بكل ما تستحقه من الإهتمام. فرغم أن أفلاطون سجل، هو كذلك، ظاهرة تحويم عطارد والزهرة حول الشمس، لم يقر بما قاله زميله من دوران هاذين الكوكبين حول الشمس. وسيُلهم الحل الهندسي الذي اقترحه هركليدس مهندسين لاحقين برزوا بعد عهد أفلاطون وأرسطو وهركليدس، سنذكر منهم أبلونيوس وإبرخس اللذان تفحصا ما يسمى فلك التدوير الخارج كثيرا عن مركز الأرض.
والغريب في الأمر أن أفلاطون يقول بحركة دائرية لا تتغير سرعتها لكل الأجرام السماوية (بما فيها الشمس) بينما كان فلكيو الإغريق على علم بأن طول الفصول الأربعة غير متساوية وذلك منذ عهد طاليس، أي أواسط القرن السادس قبل الميلاد، حسب شهادة مؤرخين معاصرين لأفلاطون[6]. على أية حال يدلنا توجيه طلبه للمهندسين لإيجاد حل هندسي للمعضلة الفلكية على أن أفلاطون نفسه لم يوفق في ذلك. لكن فرضياته ستظل مكبلة لكثير من العلماء المهتمين بأحوال السماء في انتظار كبرنيك الذي سيعيد إحياء فرضيات الفيثاغوريين القائلة بدوران الأرض قبل أن يتخلص كيپلر من الدوائر التي اعتبرها أفلاطون ثم أرسطو أنها الحركات المثالية الوحيدة التي تليق بالأجرام السماوية والمقدسة عندهما. وسننتقل فيما يلي إلى هندسة الأفلاك المتراصة ذات المركز الوحيد والمشترك، ألا وهو مركز أرضنا التي لا تدور ولا تبرح مكانها بأي شكل من الأشكال. مُلهِم هاته النظرية هو أفلاطون ومبدع هندستها هو أودوكس. وسيضيف كاليپوس تعديلات لنماذج أودكس قبل أن يتدخل أرسطو لتقديم نظرية مختلفة عن تلك التي قال بها أستاذه أفلاطون فيضيف فرضية وجود محرك أول مشترك لكل الأفلاك. ينطلق أرسطو كما سنرى من وحدة المركز ووحدة المحرك الأعلى
----------------------------------------------------------------------------
[1] حرفيا، تعني العبارة الإغريقية المستعملة في هذا المقام : ”لأجل إنجاب الوقت“ ίνα γεννηθή χρόνος
[2] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 58-59.
[3] بيير دوهيم، نظام العالم، ، المجلد الأول، ص. 85-86
[4] الأرواح والعقول والأنفاس كلمات لها معنى مشتركا في لغات متعددة حول البحر الأبيض المتوسط
( ésprit, souffle, inspiration بالفرنسية و Geist, Geister بالألمانية على سبيل المثال)
[5] Donnay Guy, Le système astronomique de Platon,
سيجد القارئ بهذا المقال تفسيرا وتلخيصا مقنعا لهذا الحوار الذي صنفه بعض القدماء كنص علمي وليس كرواية ميثولوجية
[6] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 108.