بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
2.3 – آليات هندسية جديدة عند المشارقة
للإطلاع على النماذج الفلكية التي تبلورت بالمشرق، أحيل القارئ على ما نشره الأساتذة رشدي راشد، جورج صليبا وريجيس مورلون من أعمال قيمة كان E. S. Kennedy ، Victor Roberts و Otto Neugebauer قد فتحوا أوراشها في خمسينات وستينات القرن المنصرم.
بمجرد أن تُرجِمت كتب بطلميوس إلى العربية، هب علماء الفلك إبتداءً من القرن الثالث الهجري/ التاسع الميلادي لعرضها وتلخيصها وتبسيطها بغية نشر محتوياتها. ولم يكتفوا بذلك إذ بدأ العمل للتحقق من النتائج التي وردت بهاته الكتب بعدما كانت قد ”انقضت سبعمئة سنة تقريبا بين زمن بطلميوس وزمن علماء فلك المأمون الذين وجدوا في المجسطي بيانات للحسابات وجداول تسمح نظريا بحساب مواضع الكواكب في وقت معين. وقد تمت المقارنة بين هذه الحسابات ... وبين معطيات الأرصاد المسجلة في بغداد ودمشق فظهر تباين بين مجموعتي الأرقام المحصلة“.[1]
ولقد حث التباينُ الحتمي الفلكيين على تحديث الجداول ثم إعادة النظر في قيمة الوسائط المستعلمة لمختلف الحركات. إتضح من الأرصاد الحديثة آنذاك ومن مقارنتها مع معطيات السابقين أن أوج الشمس قد تغير موقعه منذ زمان بطلميوس. من هذا يتضح مرة أخرى أن الحسم والقول الفصل يعود دوما للظواهر الطبيعية وليس للفرضيات العلمية، مهما كانت متطورة. ولقد قام هؤلاء العلماء الأوائل كذلك بتصحيح مدة السنة الشمسية وقيمة ميل فلك البروج.
كان عصر الترجمة نقطة انطلاق لأعمال رائدة في كل ميادين العلوم ولمراجعة وتطوير ما نقل إلى العربية من معارف الهند وفارس واليونان، أعمال هيأت الساحة لبزوغ علماء نابغين من أمثال البيروني وابن الهيثم حيث شكلت مقالة ”الشكوك على بطلميوس“ التي أنشأها هذا الأخير في القرن الخامس الهجري/الحادي عشر ميلادي، عرضا ممنهجا ومفصلا لما وجده متناقضا بثلاثة كتب لبطلميوس : المجسطي، كتاب الإقتصاص وكتاب المناظر. إن كان المجسطي مؤلفا يركز على الوصف الهندسي والرياضي للنماذج الفلكية، فإن كتاب الإقتصاص مخصص لمحاولة (لم تكلل بالنجاح) لإيجاد ووصف نماذج مادية، ميكانيكية، مكونة من أفلاك أو منشورات (أي قطع من كرة) أو من حلقات، كلها إفتراضية بطبعها لأنها من عنصر سماوي شفاف مختلف كل الإختلاف عما يحيط بأرضنا من هواء ونار، حسب فيزياء أرسطو. لم ينجح بطلميوس في وصف ميكانيكا سماوية مطابقة لنماذجه الهندسية، وهذا ما سينتقده علماء الفلك الناطقون بالعربية ليقدموا حلولا هندسية بديلة وناجحة. للوقوف على تفاصيل الإنتقادات الموجهة لنماذج بطلميوس وعلى الهيئات البديلة التي قدمها المشارقة، يمكن مراجعة ما أورده جورج صليبا بموسوعة تاريخ العلوم العربية الذي يختم مقاله المفصل بما يلي :
” وهكذا يتضح لنا بعد هذا العرض العام لنظريات حركات الكواكب التي طورها علماء الفلك الناطقون بالعربية بعد القرن الحادي عشر للميلاد، أن هذا التقليد العلمي الطويل الأمد قد توصل إلى تحقيق إنجازين رئيسيين، هما بشكل أساسي، نظريتان رياضيتان، إذا طرحنا جانبا موضوعَ حركة الكواكب في العرض وموضوع أبعاد الكواكب اللذين لم يحصلا على نفس الاهتمام في هذا التقليد العلمي. أما النظريتان اللتان أشرنا إليهما أعلاه فهُما قضية العرضي، ومزدوجة الطوسي. فباستخدام هاتين النظريتين وباللجوء إلى تنصيف خروج المركز عند بطلميوس، أصبح بالإمكان نقل أقسام من تلك الهيئات من المركز إلى المحيط وبالعكس... “[2].
وتُقدِّم هاته الموسوعة كذلك بجزئها الأول نظرة شاملة عن نماذج بطلميوس وما أنتجه علماء الفلك بالمشرق من تنقيح وتصحيح لمعطياته أولا، معتمدين في ذلك على نتائج الأرصاد التي أقيمت بدمشق وبغداد خلال القرن التاسع للميلاد. فبعد فهم صحيح وعميق لنماذج بطلميوس، نرى عدة مهندسين ينتقدونها في القرن الذي تلاه قبل أن يقدم علماء لاحقون نماذج بديلة، خاصة خلال القرنين الثالث والرابع عشر. وبما أن جل هؤلاء الفلكيين اشتغلوا بمرصد مراغة، الذي يعود فضل بنائه لهولاكو الألخاني، اتفق المؤرخون العصريون على تسميتهم بـ”مدرسة مراغة“.
ابتداءً بالقرن الحادي عشر لم يقبل العلماء بآلية ”معدل المسير“ التي لجأ بطلميوس إلى إبداعها محاولة منه لمحاكاة الظواهر الطبيعية مع تخطيه، ولو جزئيا، لمقدمات أفلاطونية مثالية يمكن تلخيصها كما يلي :
المسيرة التي تليق بآلهة السماء هي
(1) الحركة بسرعة مستوية لا تتغير، (2) على محيط دوائر،
(3) باتجاه لا يتغير (4) حول مراكز هاته الدوائر ذاتها.
مقدمات لم يتقيد بنقطتها الرابعة نموذج معدل المسير إذ هو الموجه لحركة دوائر مراكزها مختلفة عن مركزه. سنرى فيما يلي عودة كل الفلكيين، بما فيهم كپرنيك، لاحترام كل هاته المقدمات، في انتظار جرأة كيپلر لما تخلص من ثلاث مبادئ دفعة واحدة : الأول والثاني والرابع. إكتشف مسارات الكواكب المنحرفة، حول إحدى فوهات الإهليلج وليس حول مركزه وبسرعات تتغير على طول المسار. إعتمدت حسابات كيپلر الطويلة والشاقة على ما كان قد قام به تيخو براهي من أرصاد دقيقة بالعين المجردة بجزيرة هڤين الدانماركية ثم بألمانيا.
والمهندسون الناطقون بالعربية لم يستسيغوا كذلك استخدام بطلميوس لأدوات حسابية فقط عند تحديده لعرض الكواكب. تفاديا، وتجاوزا في نفس الوقت، لما اعتبروه كنقائص بنماذج بطلميوس سيبدع هؤلاء المهندسون آليتان رئيسيتان ومفصليتان :
توطئة العرضي (يسميها جورج صليبا ” قضية العرضي“) القائمة على تقسيطٍ لخروج المركز،
مزدوجة الطوسي التي تُـمكِّن من تحويل حركة الدوران إلى حركة خطية مستقيمة.
ويمكننا كذلك التنويه بآلية ابن الشاطر التي جعلته يستغني كليا عن خروج مركز الأفلاك الحاملة بعد نقل هذا الخروج إلى عدة أفلاك للتدوير، بينما اكتفى العرضي بتنصيفه. سنقدم هذه الإنجازات بشكل مفصل تبعا للتسلسل الزمني
----------------------------------
[1]ريجيس مورلون، موسوعة تاريخ العلوم العربية، الجزء الأول، المقالة الأولى : مقدمة في علم الفلك، ص 55.
[2] جورج صليبا، موسوعة تاريخ العلوم العربية، الجزء الأول، المقالة الثالثة : نظريات حركات الكواكب في علم الفلك العربي بعد القرن الحادي عشر، ص. 170