بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
1.8 - أبُلونيوس : إخراج الأرض من مركز الكواكب السيارة
من الواضح أنه من شأن تخمينات هركليدس المتعلقة بتحويم عطارد والزهرة حول الشمس أن تُقدم وصفا بسيطا وفهما لثلاثة ظواهر محيرة. يتبين من الرسم رقم 11 الـمُـبَسط أن هذا النموذج يُمكِّن من :
إقتراب ثم ابتعاد هذان الكوكبان من أبصارنا، ما يشرح ويبرر تغير ضيائيتهما. فتارة يتقوى ضياؤهما وتارة يخفت.
إجتيازهما للسماء من الغرب إلى الشرق، على المدى الطويل، بنفس السرعة المتوسطة الخاصة بالشمس (دورة كل سنة شمسية)
تغير سرعتهما كما تظهر للراصدين وكذا وِجهة حركتهما : لفة من الشرق نحو الغرب تليها لفة من الغرب نحو الشرق.
وبإمكان هذا النموذج، الذي سيسميه علماء العرب ”هيئة فلك التدوير“، أن يساعد المهندسين على حساب مواقع الكوكبان بما يكفي من الدقة في تلك الأزمان[1].
-----------------------------------
[1] دقة غير كافية كلما طالت المدة الفاصلة بين الأرصاد المتتالية. فقيمة الخطإ الصغيرة تتراكم لتصبح هائلة مع تقدم الزمن.
لكنه ليس بإمكانه، على ما يبدو لأول وهلة، أن يقدم حلا لمعضلات كانت تطرح نفسها بإلحاح على الفلكيين : كيف يُـمْكن محاكاة اقتراب وابتعاد الشمس من الراصدين لها إنطلاقا من أرضنا وكيف يمكن الحصول على تغير لسرعتها خلال عبورها لدائرة البروج، الشيء الذي كان قد اتضح من مُدد الفصول الأربعة كما حددها كاليپوس، كما قدمنا، بدقة عالية؟ فالشمس دؤوبة على سيرها السنوي في نفس الإتجاه، من الغرب نحو الشرق، دون أي لفة أو وقوف بالسماء.
فأول ما خطر بذهن الفلكيين الإغريق ليس هو تحرير إلاه الشمس من القيد النظري الأفلاطوني ليتحرك بالسرعة التي يريدها هذا الكوكب المقدس بل تصوروا حلا آخر يدلنا على أنهم تصرفوا بآلهتهم حسب هواهم أو تبعا لمعداتهم الهندسية : قرر المهندسون إخراج مركز دوران الشمس وإبعاده عن مركز أرضنا، الشيء الذي بات من الصعب تقبله عند بعض معاصريهم (المتحيزين لأرسطو) وكذلك عند علماء سيأتون بعدهم. فإخراج مركز دوران الشمس عن الأرض يعني دورانها حول نقطة هندسية فارغة من أي مركز للثقل. يقدم الرسم رقم 12 ما يسمى ”هيئة الفلك الخارج المركز“. إنه نموذج هندسي نرى عليه أن الشمس تكون أقرب ما يكون من أرضنا عند نقطة الحضيض قبل أن تبتعد رويدا رويدا إلى أن تصل إلى أوجها، أي إلى أبعد نقطة من الأرض. بهذا يمكننا فَهْم تسارعِها الظاهري (أي بالنسبة لمن يرصدها إنطلاقا من الأرض) عندما تعود إلى الحضيض ثم تباطئِها لما تدأب منه نحو الأوج، على الرغم من أن سرعتها على مسارها لا تتغير بالنسبة لمركز دائرتها. وهكذا يمكن تفسير المدد المختلفة للفصول وكذلك تغير حجم الشمس الظاهر للراصدين، إذ يُشاهد أكبر عند الحضيض وأصغر عندما تبلغ الشمس أوجها (أي بُعْدَها الأبْعَد كما سماه بعض الفلكيين).
يخبرنا بطلميوس بالمقالة الثانية عشر من كتاب المجسطي[2] أن أبُلونيوس البرغاوي Ἀπολλώνιος ὁ Περγαῖος (ت. 190 ق. م) كان قد أقام الدليل الهندسي، بأزيد من ثلاثة قرون قبل زمان بطلميوس، على إمكانية الحصول على نفس المسارات إما باستخدام هيئة الفلك الخارج المركز (الرسم 12) أو باللجوء إلى هيئة فلك التدوير (الرسم 11)[3]. وهذا ما استغرب له الفلكي إبرخس (ت. 120 ق.م) حيث تساءل : كيف بإمكان المهندسين أن يُـنـشِـؤوا هيئتان مختلفتان كل الإختلاف مبدئيا وشكليا ونحصل بواسطتهما على نفس النتائج؟ قد نعتقد أن هذا التساؤل مجرد تعبير عن الإستغراب والدهشة، لكنه يطرح سؤالا مفصليا وحاسما حول حقيقة الأمور وعلاقة الهندسة (الرياضيات على العموم) بماهية الأجرام السماوية المعروضة أمام أعين الجميع.
ويدلنا كذلك بطلميوس أنه لم يكن أول من استخدم هيئة تمزج الهيئتان الإثنتان في هيئة واحدة كما نقدمه بالرسم رقم 13. حسب شهادته بكتاب المجيسطي، فقد سبقه إلى ذلك كل من أبُلونيوس وإبرخس، الفلكي الذي سننتقل للحديث عنه فيما يلي.
--------------------------
[2] بيير دوهيم، منظومة العالم، المجلد الأول، ص 440.
[3] Gabriel M., La théorie des épicycles I : Des origines à Hipparque, Ciel et Terre, Vol. 105,1989, p. 5
تكافؤ الحلين :
حل مكون من فلك مركزه خارج عن الأرض
وحل مكون من فلك حامل، مركزه الأرض، يضاف له فلك تدوير يدور مركزه بدوران الحامل له.
بهذا يُنْقَل الخروج من المركز نحو المحيط. وكما سنرى بالصفحة المخصصة للعرضي، سيبرهن هذا الأخير أنه بالإمكان إخراج المركز بالتقسيط