بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
1.7 - أرسطرخس الساموسي وسبقه لأوانه
تعوزنا المقادير والوسائط العددية المضبوطة لتقديم نموذج أرسطرخس بواسطة الحاسوب.
كان المهندس والفلكي أرسطرخس معروفا عند العرب بكتابه ”الجرمين النيرين وبعديهما“ الذي هو أحد الكتب الأساسية ضمن ما عرف بـ”المجموعة الفلكية الصغيرة“ التي كان طلاب علم الفلك يدرسونها [1]. يشرح هذا الكتاب الطرق الهندسية التي تُـمكِّن من تقدير حجم الشمس والقمر بالنسبة لحجم الأرض وكذلك تقدير المسافة التي تفصل هاذين الجرمين عن أرضنا. ويستحق أرسطرخس الذكر ليس فقط بهذا التطبيق العملي الرائع للهندسة بل كامل التقدير والإعجاب إذ ذهب بتخمينات المدرسة الفيثاغورية إلى أبعد مما قال به هركليدس. إكتشف عبر حساباته أن الأرض ضئيلة بالنسبة لحجم الشمس وأن القمر أصغر من الأرض واستنتج من ذلك أنه من المعقول تصور القمر وهو يدور حول الأرض وأن الأرض تدور حول الشمس. عقلانية وتحليق خارج السرب من دون تبعية لأفلاطون وأرسطو.
لم يصلنا خبر هاته الفرضية الفلكية بالعربية وإنما احتفظ بذِكراها كتاب خصصه أرخميدس لتعداد الرمل، كتاب لم يُنقل إلى العربية[2]. في هذا الكتاب الموجه للملك جيلون يُبين أرخميدس أنه أوجد طريقة للتعبير عن أعداد كبيرة جدا بواسطة عدد قليل من الحروف التي كانت تستخدم كذلك كأعداد. ولكي يكون مستوى التحدي عاليا جدا يطلب أرخميدس من الملك جيلون أن يتصور الكون بأكمله مليئا بالرمل. وفي هذا السياق يأتي ذكره لنظرية أرسطرخس :
”هنالك من يعتقد، أيها الملك جيلون، بأن عدد الرمل لا يحصى. وأنا لا أقصد عدد الرمل بشواطئ سرقوسة وباقي جزيرة صقلية فحسب، بل كل الرمال التي يمكن أن نصادفها في كل المناطق، سواء كانت مسكونة أم خالية. وهناك من يعتبرون عدد الرمل محدودا ولكنهم يعتقدون أنه لا يوجد عدد مسمى يمكنه أن يفوق عدد الرمل. ومن الواضح أن هؤلاء، لو تصوروا الأرض برمتها مليئة بالرمل، من قعر بحارها ومنخفضاتها إلى مستوى أعلى جبالها، فإنهم لا محالة سيظلون يعتبرون أنه لا يمكن لأي عدد أن يفوق عدد الرمل إن تواجد بمثل هاته الكمية. لكنني سأحاول أن أبين لك، وآتي بالدليل الهندسي الذي يمكنك تتبعه، أن الأعداد التي سأسميها، والتي قدمتها في العمل الذي أرسلته لزيوكسبوس، تفوق بعضها عدد الرمل ليس بالكمية التي تقدم وصفها فحسب، بل كذلك كمية الرمل لو تصورنا الكون بأكمله مليئا بالرمل.
وأنت تعلم أن الكون هو الإسم الذي تطلقه أغلبية الفلكيين على الكرة التي مركزها هو وسط الأرض وشعاعها هو الخط المستقيم الذي يفصل هذا المركز عن مركز الشمس. هذا ما يَرِد عادة بما يخطه علماء الفلك. لكن أرسطرخس الساموسي أخرج كتابا يحتوي على فرضيات تؤدي إلى استنتاج أن الكون أعظم بكثير مما هو متعارف عليه اليوم. يَعتبر أن الشمس والنجوم الثابتة لا تدور (لا تبرح مكانها) وأن الأرض تدور حول الشمس فترسم دائرة تُشكِّل الشمسُ مركزَها، وأن لكرة النجوم الثابتة نفس المركز، وأن هاته الكرة من العظمة بحيث يَعتبر أن مسار الأرض حول الشمس هو بمثابة نقطة بالنسبة لمساحة تلك الكرة. ومن البين أن هذا غير ممكن لأنه ليس للنقطة من بُعْدٍ وبالتالي لا يمكن للنقطة أن تكون قاسما لأي مساحة كانت[3]. يجب إذن أن نفهمه على الوجه الصحيح : فكما نعتبر أرضنا كمركز للكون ونقوم بحساب نسبة الكون إلى حجمها، يعتبر أرسطرخس نسبة مساحة فلك النجوم الثابتة إلى مدار الأرض السنوي حول الشمس. وكل براهينه تنطلق من فرضية أن مركز النجوم الثابتة هو بمثابة ما نسميه نحن الكون والذي يرتسم عنده بدوران الأرض حول الشمس.
أقول إذن، حتى في حالة ما إذا ملأنا كرة بالرمل وكان حجمها كحجم فلك النجوم الثابتة عند أرسطرخس، سأبرهن أن بعض الأعداد التي سميتها برسالتي تفوق عدد الرمل الذي يملأ هذا الفلك الكروي ... “.
تدلنا هاته التفاصيل على أن فرضيات أرسطرخس الساموسي الثورية أتت بثمانية عشر قرنا قبل أوانها، وهي المدة التي تفصله عن نشر كبرنيك لكتابه الذي أسس لثورة ذهنية بالعالم أسره وقلب نظرتنا للكون رأسا على عقب. لم تتداول كثير من الكتب القديمة التي وصلتنا نظريات أرسطرخس رغم أن بعضها تدلنا على أنه حظي بأتباع وأنه أزعج بعضا من أهل تلك الأزمان بنظرياته التي لم تحترم قداسة السماوات عند الإغريق. تبعا لشهادة المؤرخ والفيلسوف بلوتارخُس Πλούταρχος (ت. نحو 125م):
”إعتبر الفيلسوف كْـلِيانـْثِـس Κλεάνθης (ت. 232 ق.م)، أنه يلزم إتهام أرسطرخس أمام الإغريق بالتدنيس والمس بمكانة الموقد المقدس، محاولةً منه لإنقاد الظواهر، ذهب هذا الرجل إلى افتراض أن السماء لا تتحرك وأن الأرض تدور بشكل منحرف [كدائرة البروج] وفي نفس الوقت تدور حول محورها“.
وفي ذلك الوقت، كان الإغريق يقدرون مثل أفلاطون ومثل الفيثاغوريين أن الموقد المقدس بجوف الأرض. ثم يقدر بيير دوهيم : ”إنْ لم يُحكَم على أرسطرخس بتجرع السم، مثلما حدث لسقراط، فلأنه قدم نظريته كفرضية فحسب“[4]. والغريب في الأمر أن كبرنيك بدوره كان حذرا حيث قدم نفس النظرية في حركة الأرض حول الشمس كمجرد فرضية.
يُعتبر الرياضي سلوقس السلوقي المسمى كذلك بالبابلي Σέλευκος (ت. حوالي 150 ق.م) أحد المنافحين ببلاد ما بين النهرين عن نموذج أرسطرخس، ليس كفرضية فحسب بل كحقيقة وواقع :
”هل من الضروري أن تبقى الأرض مرتبطة بالمحور الذي يخترق الكون برمته اختراقا؟ هل تبقى راسخة لا تبرح مكانها، غير قادرة أن تُحرَّك كآلة؟ أم يتوجب علينا النظر إليها كمتحركة بالدوران ومستقلة [عن هذا المحور]؟ لقد إقترح أرسطرخس وسلوقس هاته النظرية الأخيرة. قدمها الأول كفرضية بينما قدمها الثاني، بشكل موثوق“[5].
عند هاذين المهندسين وصلت أفكار الفيثاغوريين المهتمين بالهندسة إلى أقصى ما تؤدي إليه تخمينات من هذا القبيل للكشف عن أسرار الكواكب السماوية. وتتطلب مثل هاته التخمينات جرأة وتحررا تاما في اختيار المنطلقات والفرضيات بعيدا عما هو متفق عليه عند عامة وكبار العلماء والفلاسفة. لم تتوفر هاته الحرية الفكرية للتخلص من منطلقات أفلاطون وأرسطو سوى جزئيا عند بعض مهندسي القرون الوسطى. فالتحرر من نظرية المركز الوحيد لكل الأفلاك، والتي قال بها أرسطو، هي التي ستتيح للمهندسين من الفلكيين إيجاد حلول متنوعة لمحاكاة ظاهرة إقتراب وابتعاد الكواكب من أرضنا. سننتقل فيما يلي إلى التطورات التي عرفها علم الفلك عند المهندسين الإغريق، ثم العرب بعد ذلك.
-------------------------------------------------------------------------------
[1] ريجيس مورلون، مقدمة في علم الفلك، ضمن موسوعة تاريخ العلوم العربية السابقة الذكر ، ص 33 و 50.
[2] Archimède, Des spirales - De l'équilibre des figures planes - L'Arénaire - La Quadrature de la parabole. Texte établi et traduit par Charles Mugler, Les Belles Lettres, Paris 1971.
Thomas Little Heat, The works of Archimedes, Dover Publications, Mineloa, New York, 2002, pp 221-232.
[3] لا يمكن للصفر أن يكون قاسما لأي عدد.
[4] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 423.
[5] حسب ما كتبه بلوتارخُس : بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 423.
Lien pour consulter le
Traité d'Aristarque de Samos, sur les grandeurs et les distances du soleil et de la lune