بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
بهاته الطريقة يقترب ثم يبتعد القمر من الأرض ويبدو مسرعا أثناء اقترابه ومتباطئا أثناء ابتعاده. وهذا النموذج لا يحاكي كل ما سجلته أرصاد البابليين وإبرخس نفسه من أحوال القمر رغم قدرته على التنبؤ بشكل صحيح بالكسوفات.
لقد أضفنا لهاته الأفلاك مسار الشمس بحركته المتوسطة لكي تتضح حركة العقدتين وميل مسار القمر بالنسبة للشمس وكذلك سرعتهما المختلفتان.
1.9 - إبرخس : رصد دقيق فاكتشاف لظاهرة مبادرة الإعتدالين
إن أكثر ما نعلمه عن إبرخس مقتبس من كتاب المجسطي الذي أنشأه بطلميوس بالأسكندرية في القرن الثاني بعد الميلاد. يُعبر بطلميوس على تقديره الكبير لما أنجزه كل من أبُلونيوس وإبرخس خلال القرون السابقة لزمانه. يعترف لهذا الأخير باكتشاف ما يسمى ظاهرة مبادرة الإعتدالين وكذلك تقديم حل نظري مشرف لحركة الشمس والقمر وبفهمه أنه لا بد من إقامة أرصاد دقيقة لحساب الوسائط اللازمة لإنشاء نماذج فلكية تتفق مع ما نعاينه من أحوال السماء. فالنظر عند هؤلاء المهندسين ينطلق من الأرصاد الدقيقة قبل محاولة محاكاتها عبر النماذج الهندسية.
وفعلا، بعدما قام إبرخس بانتقاد ما سُجل في العصور السابقة له من مواقع النجوم الثابتة ومن وصف للكوكبات، نهض في الربع الأخير من القرن الثاني قبل الميلاد لإقامة لائحة مضبوطة لثمان مائة نجمة ثابتة وذلك بتسجيل مواقعها في الطول والعرض على الكرة السماوية. لاحظ حينها أن من سبقوه لتحديد موقع نقطة الإعتدال الربيعي (نقطة الصفر في الطول) لم يسجلوا نفس الموقع الذي رَصَدَ هو الشمسَ عليه في زمانه. إنتبه إذاك لما يُسمى ظاهرة مبادرة الإعتدالين فقدَّر أن نقطة الإعتدال الربيعي تتحرك من الشرق نحو الغرب بمقدار 360 درجة في ظرف 26000 أو لربما 36000 سنة، أي درجة في غضون قرن كامل.
يخبرنا بطلميوس أن إبرخس إنتهى من تقديم نموذجان هندسيان لتمثيل حركة الشمس ولتحريك القمر. وحسب نفس الشهادة، لم يقدم إبرخس أي نموذج لحركة الكواكب المتبقية والتي رصد لها لفات والتواءات غريبة ومحيرة. وفي نفس المقام يخبرنا بطلميوس أن مهندسين من عهد إبرخس جربوا كذلك مزيجا من الهيئتان في نفس الوقت ولم يفلحوا، رغم ذلك، في إنتاج نماذج تتفق مع الأرصاد.
من الواضح أن السابقين لبطلميوس انتبهوا مثله إلى أن هذان النموذجان الهندسيان اللذان درسهما أبُلونيوس وطبقهما إبرخس لم يكونا كافيين لمحاكاة حركات الكواكب السيارة على المدى الطويل. وهذا ما أورده بطلميوس حرفيا :
”أعتَبِرُ إبرخس صديقا للحقيقة، لاسيما أنه لم يتلق من سابقيه أرصادا جيدة مثل التي خلَّفها لنا. والأصول التي اعتمدَ عليها في حركة الشمس والقمر تتقيد بحركات دائرية ومستوية. بعد النهوض بهاته المهمة نرى بما خلفه من كتب أنه لم يبادر بإنشاء نماذج لحركات الكواكب الخمسة الباقية. إكتفى بجمع الأرصاد المتعلقة بها ونظمها بشكل يُسهل دراستها لمن يأتي بعده. بالإضافة إلى هذا بين أن هاته الأرصاد لا تتفق مع نتائج الهيئات التي لجأ إليها المهندسون في زمانه. وبالفعل تبين له [أي لإبرخس] أن حركة هاته الكواكب تُسجل إختلافين [عن المسيرة المتوسطة] وأن أقواس الإلتواءات لكل كوكب تكون غير متساوية فيما بينها وذلك بشكل لافت للإنتباه، في حين أن الرياضيين الآخرين لم يقدموا عبر استدلالاتهم سوى إلتواءات متساوية الأقواس، الشيء الذي لم يقتنع به إبرخس“[1]
-----------------------------------------------------------------
[1] Claude Ptolémée, Synthaxe mathématique, édition Halma, tome II, p. 118-119
يقدم لنا بطلميوس هنا شهادة واضحة بأن المهندسين الذين سبقوه جربوا استخدام هيئات الفلك الخارج المركز وفلك التدوير دون الحصول على نتائج مطابقة لكل الأرصاد الدقيقة لما تعلق الأمر بحركات الكواكب السيارة وذلك لأن إلتواءاتها، كما تم رصدها، ليست متساوية الأقواس ولا تتكرر بانتظام على طول فلك البروج.
ويخبرنا بطلميوس أن إبرخس لم يبادر بإنشاء نماذج هندسية لمحاكاة هاته الحركات المحيرة جدا لأنه كان على معرفة بإخفاق النماذج البسيطة بإلتواءاتها المتشابهة التي لجأ لها مهندسو عصره. وهذه الإلتواءات المنتظمة هو ما ينتج مثلا عن نموذج فلك التدوير كما يبينها الرسم رقم 14 : تسع إلتواءات متساوية الأقواس موزعة بانتظام حول وسط الأرض. فالمهندسون الإغريق قبل بطلميوس كانوا واعين بنقائص الهيئتان السابقتا الذكر وكانوا حريصين على مقارنة نتائج نماذجهم الهندسية بما سجلته الأرصاد. ما سيدفع بطلميوس بداية إلى تبني نموذج إبرخس لتدوير القمر ثم يقارن النتائج بما هو معروف لديه من أرصاد سابقيه فيجد إختلافا بينهما، ما دفعه إلى إنشاء آلة رصد خاصة فينتهي به الأمر إلى إبداع ما يُسمى ”هيئة معدل المسير“ وإلى إضافة أفلاك تداوير ثانوية لبعض نماذجه كي يحصل بواسطتها على نتائج أفضل.