Aristote 384-322 av. J.C
أرسطو 384-322 قبل الميلاد
أرسطو 384-322 قبل الميلاد
بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
الأرض راسخة وسط الكون وهي مركز الدوران. الفلك الأول راسخ ويحمل كل الأفلاك التي بجوفه. الفلك الثاني يدور بسرعة مستوية ويحرك كل ما بجوفه. يدور الفلك الثالث (الأصفر) بنفس السرعة ولكن في الإتجاه المعاكس، لذا يبدو ساكنا لا يبرح مكانه وهو الحامل لكوكب الشمس مثلا
يدور الفلك الرابع بنفس السرعة ولكن في اتجاه الفلك الثاني. لذا يصبح دورانه مسايرا لذلك الفلك
قيمة الإنحناء في النموذج الأول تساوي الصفر. لو اخترنا قيمة موجبة لميل الفلك الثاني لرسم مدار الكوكب ما يسمى عقال الفرس. الميل يساوي 60 درجة في النموذج أسفله
1.5 - أرسطو : مركز واحد، محرك أول وخمسة وخمسون فلكا
إن كانت الوثائق تعوزنا في حق كاليپوس فإنها غزيرة لما يتعلق الأمر بأرسطو. وصلتنا كتب له في الفيزياء والحيوان والأخلاق والمنطق وفي ميادين غيرها. ونعرف أن له نظريات تتعلق بالسماء وبالميتافيزيقا، أي بما فوق الطبيعة أو ما بعد الطبيعة الملموسة. فيما يخص نظرياته الفلكية، ينطلق أرسطو من فرضية أن للحركات السماوية منبع أو منبعث واحد هو المحرك الأول. والمحرك الأول عنده أزلي بطبعه وبالتالي لا بد وأن تكون الحركة الأزلية له. وبما أن السماء الإلهية تتميز عنده بهاته الصفة فهي تحتوي على هذا العنصر وعلى الأجسام الكروية المتحركة حركة دائرية أزلية[1]. والعنصر المكون للسماوات ولأجرامها عند أرسطو هو الأثير. تقتضي منظومته الفيزيائية تصور أفلاك كروية مادية هي التي تدير الأجرام المركوزة بلحمتها إذ لا يقبل أرسطو بفرضية الدوران دون تصور أن الـمُدير مُرافق للمتحرك طوال مسيرته، وكأنما يرافق الوترُ السهمَ أثناء رميه بالهواء الطلق. وإذا قال أحد أنه لم ير أبدا مثل هاته الأفلاك العظيمة صادف جوابا أرسطيا جاهزا لا يمكن ضحده : دوران النجوم الثابتة ككتلة واحدة يقتضي تصور فلك كروي شفاف مرصع بتلك النجوم وبالتالي يلزم أن تكون كل الأفلاك شفافة لا يظهر لنا من دورانها سوى حركات الكواكب المركوزة بلحمتها. هاتان الفرضيتان أساسيتان لفهم تصوراته (وتصورات إبن رشد والبطروجي في القرن الثاني عشر بعد الميلاد).
ولفهم الإختلاف بين نظريات أودوكس الهندسية ونظريات أرسطو الفلكية، لا بد من ملاحظة أن أرسطو لا يضع التصورات الهندسية كمثال عندما نحاول بواسطتها تجريد الموجودات المادية، بل يقوم بترويض الهندسة كي تتفق مع نظرته الخاصة إلى الفيزياء. فعندما رام تفنيد مقولات من يسميهم بأهل إيطاليا الفيثاغوريين، القائلين بدوران الأرض، دون أن يشير إليهم بأسمائهم[2]، يُؤكد أرسطو أن دوران السماوات الأزلي يقتضي أن يكون له مركز راسٍ ومستقر. وهو في حقيقة الأمر لا يتقيد بالهندسة ولا يقصد مركز الدوران بالمعنى الدقيق للكلمة. فالمفسرون والمؤرخون الإغريق انتبهوا مبكرا إلى شبهات هاته المقولة لأن الدوران يكون دائما حول نقطة هندسية وليس حول جسم عظيم مثلما هو حجم أرضنا[3]. يشير المفسرون في هذا المقام إلى ما كان قد نص عليه أرسطو بكتاب لم يصلنا، حيث قدم تشبيها بالبهائم التي تدور دائما حول أشياء راسية، راسخة. وينبهوننا أن لكل الأشياء المادية الملموسة أبعاد ومساحة وحجم وهي ليست نقطة هندسية. هذا هو ما يميز المقولات الهندسية المجردة عن المادة الفيزيائية وهذا هو ولا شك أحد أسباب سوء التفاهم بين النزعة الهندسية المحضة والنزعة الفيزيائية، الميكانيكية، عند بعض علماء الفلك في القرون الوسطى.
فأرسطو أكثر اهتماما بالفيزياء[4] دون تمثله لما قال به أفلاطون على لسان سقراط : الحقائق الهندسية أسمى من المقولات الطبيعية التي قد تنخدع لها الأبصار ولا تفهمها حق فهمها. وأفضل مثال في زمان أفلاطون وأرسطو وهركليدس هو إمكانية تفسير الدوران اللولبي-الحلزوني بطرق هندسية دلَّـهم عليها فيثاغور وكذلك إمكانية تصور دوران الأرض الضئيلة عوض تدوير كل السماوات وأفلاكها العظيمة جدا. وسِـمْبْليكْيُوس أكثر وضوحا وتدقيقا في تفسيره لأرسطو إذ يكتب :
”إن القول بدوران الكون حول مركزه لمن قبيل التعبير عن شيء مستحيل لأن مركز الشيء هو منتهاه ولا يمكن لهذا المنتهى أن يبقى راسيا بينما الجسم الذي ينتمي إليه في دوران مستمر“،
من شأن هذا التوضيح أن يساعدنا على فهم تصورات أرسطو عندما يعتبر الكرة المكونة من البحار والأرض وما يلفهما من هواء ونار، أي الكرة المتواجدة بجوف فلك القمر، خارجَ السماوات ولا تنتمي إليها وبالتالي لا تدور بدورانها. فالعالم عند أرسطو عالـَمَيْن مختلفَيْن ومنفصلين. ومُنطلقه هو تقدير أن الحركات نوعان وأنها من طبيعة العناصر المكونة للعالـَمَيْن. فالأول هو عالم النشوء والتَّكَون ثم الفساد (”الكون والفساد“ بلغة القدماء) ومن طبيعته الحركة المستيقمة (الهبوط أو الصعود)، والثاني عالم سماوي أزلي ومن طبيعته الدوران. فمن طبيعة عنصري الماء والتراب أن يتوقا دوما إلى العودة نحو وسط الأرض، مثلما يتوق الفرس إلى العودة للإسطبل، حسب عبارة أرسطو. ومن طبيعة عنصري الهواء والنار أن يبتعدا ما أمكنهما عن وسط الأرض. أما طبيعة الأثير، أي العنصر الخامس المكون للسماوات ولأجرامها فهي الدوران الأزلي. والدوران عنده أشرف من الصعود أو الهبوط على خط مستقيم.
ولنعد الآن إلى الأفلاك وهندستها عند أرسطو. كما رأينا، لم ينجح أودوكس ولا كاليپوس في إيجاد حل هندسي لمحاكاة الظواهر السماوية كما كانت معروفة عندهم لأنهم ظلوا مقيدين ومتقيدين بمقدمات أفلاطونية يستحيل معها إيجاد حل للمعضلة الفلكية. ولقد أضاف أرسطو لكل ذلك مقدمات فيزيائية وميتافيزيقية أدت به إلى تعقيد الأمور. أراد لنماذج أودوكس وكاليپوس أن تندرج في منظومته التي تنظر للسماوات ككتلة واحدة وأن محركا واحدا يتحكم في الدوران اليومي، من الشرق نحو الغرب، لكل الأجرام السماوية سواء كانت نجوما ثابتة أم كواكب متحيرة. لم يقم أرسطو بأي إصلاح أو تطوير هندسي لنماذج أودوكس أو كاليپوس التي كانت مكونة عندهما، كما رأينا، من ثمان مجموعات منفصلة بعضها عن البعض إذ كانا يعتبران قوات السماوات كأخوات، حسب عبارة أفلاطون، لا تتحكم إحداهن في الأخرى ولا تدور مجموعة ما بحركات المجموعة التي فوقها. أما المنظومة الكونية عند أرسطو فتتميز بوحدة وبتراتبية محكمة، إنطلاقا من المحرك الأول وصولا إلى عالمنا السفلي الذي يسوده التَّكَون والتغير والفساد[5].
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] Aristote, Du Ciel, Texte établi et traduit par Paul Moraux, Société d’édition « Les Belles Lettres », Paris, 1965, Livre II, 3, [285b].
[2] لربما كان يقصد مقولات زميله ومعاصره هركليدس.
[3] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 220. هذا ما وصلنا مثلا بتعليق سِـمْبْليكْيُوس عن كتاب أرسطو ”في السماء“.
[4] فيزياء مغالطة كما سينتبه لذلك أرخميدس المؤسس لفيزياء هندسية وتجريبية ولميكانيكا عقلانية سائرة المفعول إلى أيامنا هاته بينما نسي كل الناس فيزياء أرسطو التي سيطرت على المدارس والأذهان حتى عهد غاليلي.
[5] Mugnier, René. "DE L'IDÉE DE HIÉRARCHIE DANS LE SYSTÈME D'ARISTOTE", Archives De Philosophie 9, no. 3 (1932): 75-93. Accessed May 10, 2021. http://www.jstor.org/stable/43032286.
يعود الفضل للمهندسين الإغريق في محاولة محاكاة الظواهر الطبيعية بإنشاء نماذج هندسية قبل أن يضيف لها أرسطو نظرياته الفيزيائية التي عقدت الأمور عوض تحسينها أو إصلاحها. فبعدما بلغ عدد الأفلاك ثلاثا وثلاثين عند كاليپوس، سيصل عددها إلى خمس وخمسين عند أرسطو. وتنحصر مهمة الأفلاك الأرسطية الإضافية في معاندة أو معاكسة التي فوقها. وفيما يلي وصف للنموذج الفلكي الأرسطي بمساعدة الرسم رقم 9 الذي لا يحتوي سوى على أفلاك كوكبي زحل والمشترى يعلوها فلك النجوم الثابتة. تدور النجوم الثابتة بواسطة فلك كروي من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة. ويحمل هذا الفلك كل الأفلاك السماوية بجوفه ويحركها بحركته باستثناء الكرة السفلى التي ليست سماوية إذ تتكون من النار والهواء والتراب والماء، أي من عناصر التكون والتغير والفساد. لكن المشكل هو أننا نرى الكواكب السيارة (أي زحل والمشتري والمريخ والزهرة وعطارد والشمس والقمر) تتحرك في نفس الوقت من الغرب نحو الشرق بسرعات مختلفة. لم يخترع أرسطو أي أفلاك جديدة بالنسبة لما قدمه نموذج معاصره ومحاوره كاليپوس في هذا الموضوع، بل على عكس ذلك قام بتنحية الفلك الخارجي لكل مجموعة فلكية والتي كانت مهمته تنحصر في التدوير اليومي للكوكب من الشرق نحو الغرب. أناط أرسطو الفلكَ الأسمى بهاته المهمة. وسرعان ما انتبه إلى معضلة هندسية : ستدير مجموعةُ زحل مجموعةَ المشتري وهاته بدورها ستدير مجموعةَ الكواكب التي بجوفها. لقد فطن أرسطو أنه بإمكان السكون أن ينتج عن دوران فلكين شفافين بنفس السرعة في إتجاهين معاكسين وحول نفس المحور إذا كان الفلك الأعلى يحمل بجوفه الفلك المرصع بكوكب. لو دار فلك بقدر 15 درجة في الساعة من الشرق نحو الغرب وأدار فلكا ثانيا بجوفه، لدار الفلكان معا من الشرق نحو الغرب. أما إذا تصورنا أن الفلكان شفافان وأن الفلك الداخلي يحمل كوكبا بلحمته ولو أدرنا هذا الفلك الأخير بسرعة 15 درجة في الساعة في الإتجاه المعاكس لأكتشفنا أن الكوكب لا يدور بالنسبة لنا رغم دوران الفلكان الشفافان. لذا نرى أرسطو يضيف أفلاكا معاكسة لـحركات الأفلاك التي فوقها عدا حركة الفلك الأسمى. بهذا لم تعد الكواكب السماوية أخوات (كما قال بذلك أفلاطون) وإنما أصبحت كتلة واحدة تدور تحت إمرة الفلك الأعلى ومحركه الأول كما تصور ذلك أرسطو. من شأن هاته الوحدة أن تفسر، ولو جزئيا، شغف الموحدين والأندلسيين بأرسطو وكذلك تشبث بعض المفكرين المعاصرين به رغم علمهم بإفلاس الفيزياء الأرسطية بعدما تجرأ غاليلي على إحياء فيزياء أرخميدس الهندسية والتجريبية، أقدم المعارضين والمفندين لفيزياء أرسطو.
نختم هذا الكلام المخصص للآخذين بمركز واحد لكل الأفلاك بتعليق مطول أقامه سوسيجين حيث يخبرنا أن نماذجهم لم تكن تتماشى مع واقع الأمور[1] :
”لم تتمكن نماذج أودوكس ومن نحى نحوه من إنقاذ الظواهر، ليس إنقاد الظواهر التي اكتشفت بعدهم وإنما تلك التي كانت قد اكتشفت قبلهم والتي لم يُنكروا صحتها. والظاهرة التي أود التنبيه إليها هي أن بعض الكواكب تبدو تارة قريبة منا ثم تبتعد تارة أخرى. ويتبين هذا بوضوح لكل راصد لبعض هاته الكواكب. وبالفعل يتضح أن الكوكب المسمى الزهرة وكذلك الكوكب الذي نسميه المريخ يظهران أكبر حجما لما يتوسطان طوافهما القهقري إلى حد أن ضياء الزهرة ينتج ظلا في الليالي الحالكة الخالية من نور القمر. ومن الواضح لكل من رصد القمر بآليات لا تتغير أن القمر لا يبقى على نفس البعد من أبصارنا لو قارناه بأقراص نضعها بينه وبين أبصارنا على مسافة ثابتة. فتارة نحتاج لقرص قطره 12 أصبعا بينما يكفي قرص قطره 11 أصبعا في أحيان أخرى لإخفاء القمر بأكمله “[2].
ثم يضيف سوسيجين دليلا آخر على هاته الظاهرة : تختفي الشمس بأكملها خلال بعض الكسوفات بينما يكون الكسوف حلقيا في أحيان أخرى، بمعنى أن القمر لا يحجب الشمس بأكملها بل يبدو قرصه أصغر من قرص الشمس. وينبهنا سوسجين أن تغير سرعات دوران الشمس كان معروفا في عهد أرسطو وكاليپوس. وهذا ما أشرنا إليه عبر تقديم مدة الفصول التي حددها هذا الأخير بدقة عالية. وأخيرا يجزم سوسجين :
”لا يمكن القول بأنهم (أي بأن الآخذين بنماذج أودوكس كاليپوس وأرسطو) لم يكونوا على علم بظاهرة اقتراب ثم ابتعاد الكواكب من أبصارنا“.[3]
بعدما تبين أن نماذج أودوكس كاليپوس وأرسطو لا تحاكي الظواهر الطبيعية ولا تتفق مع الأرصاد، تشعبت أبحاث الفلكيين الإغريق إلى فرعين مختلفين : سار بعض الفلكيين على درب فيثاغوري النزعة فظلوا منفتحين لتصور كل الإمكانيات، وفلكيون آخرون لم يتخلصوا كلية من قيود أفلاطون وأرسطو إذ تنصلوا فقط عن مقولة المركز الواحد لدوران كل الأفلاك. سنرى هؤلاء يُبدعون نماذج ذات أفلاك خارجةٌ مراكزُها عن مركز أرضنا لتدور بحرية في الأبعاد الثلاثة بالنسبة لأرضنا (الطول-العرض-العمق) بعيدا عن تصور الأفلاك الأرسطية التي تقيد الكواكب بحركات في الطول والعرض فقط لتبقى دوما على نفس المسافة من أرضنا.
-------------------------------------------------------------------------------------------------------
[1] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 400.
[2] نفس المرجع، ص 401.
[3] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 401.