Eudoxe 408 - 355 avant J.C.
أودوكس 408 - 355 قبل الميلاد
أودوكس 408 - 355 قبل الميلاد
بالإمكان استعمال الفأرة لتحريك الكاميرا والتحكم في حجم الرسم ووجهة النظر
الفلك الأول يدور دورة في كل يوم وليلة حول القطب الشمالي. الفلك الثاني مائل بالنسبة للفلك الأول مثل ميل فلك البروج. يدور الفلك الثاني في الإتجاه المعاكس للحركة اليومية. الفلك الثالث مائل ببضع درجات بالنسبة للفلك الثاني. هذا الفلك الثالث هو الحامل لكوكب الشمس. لا نعلم بالضبط سرعات الدوران للفلك الثاني والثالث، لذا كان لا بد من إقامة التجارب بسرعات مختلفة. والمسيرة العامة ليست بمختلفة بكثير عما صادفناه عند فيثاغور
الفلك الأول يدور دورة في كل يوم وليلة حول القطب الشمالي. الفلك الثاني مائل بالنسبة للفلك الأول مثل ميل فلك البروج. يدور الفلك الثاني في الإتجاه المعاكس للحركة اليومية. الفلك الثالث مائل ببضع درجات بالنسبة للفلك الثاني. هذا الفلك الثالث هو الحامل لكوكب القمر. لا نعلم بالضبط سرعات الدوران للفلك الثاني والثالث، لذا كان لا بد من إقامة التجارب بسرعات مختلفة
كيف الحصول على ما سماه الإغريق عقال الفرس
يحاكي الفلك الأول في كل الأحوال دوران الكواكب من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة. بما أن دورانه سريع جدا لم نضفه هنا. والفلك الثاني المائل عن الأول بقدر ميل دائرة البروج عن دائرة الإستواء فتكمن مهمته في تدوير الكوكب من الغرب نحو الشرق في المدة التي يتطلبها كل كوكب على حدة لاجتياز دائرة البروج بأكملها. والمهمة المنوطة بالأفلاك الأخرى عند أودوكس هي محاولة محاكاة الإلتواءات (الـلَـفَّات) التي كان قد سجلها الراصدون منذ عهد البابليين. إنها محاولة بارعة من الناحية الهندسية لكن قدماء الإغريق لم يستسيغوها في زمانها. والسبب المذكور عند مؤرخيهم لعلم الفلك هو أنها تلتوي بالأجرام الإلهية أكثر مما هو عليه حالها المرصود بالعين المجردة. وبالفعل ينتج عن هيئات أودوكس لفة ذات حلقتان بينما واقع الأمر هو أن الكواكب لا تلف سوى لفة بسيطة قبل متابعة مسيرتها البطيئة من الغرب نحو الشرق
1.3 - أودوكس : ثمانية مجموعات فلكية منفصلة
إن أول مهندس يحاول إنقاذ المظاهر هو أودوكس (أو أودوكسوس) الكندوسي (الجدول رقم 1 بالصفحة الرئيسية). ينطلق أودوكس من فرضيات أفلاطون وبالتالي من مركز واحد لدوران كل الأجرام السماوية، هو مركز الأرض الراسية. لتدوير النجوم الثابتة من الشرق نحو الغرب دورة واحدة في ظرف يوم وليلة بالتقريب. يكتفي أودوكس بوصف فلك شفاف ومرصع بتلك النجوم، فلك يدور دائما بنفس السرعة حول قطبي العالم. وبما أن الأرصاد كانت قد بينت للإغريق أن الشمس والقمر والكواكب السيارة الأخرى ترسم مدارات معقدة، إضافة إلى دورانها اليومي، توجب على كل المهندسين أن يَصِفوا أفلاكا إضافية مهمتها محاكاة هاته الحركات البطيئة من الغرب نحوالشرق ولفات والتواء بعضها بشكل محير.
فأكثر المعلومات التي وصلتنا عن نماذج أودوكس مستقاة مما كَتَبَهُ سِـمْبْليكْيُوس نقلا عن سوسجين الأسكندراني Σωσιγένης (نشط حوالي 40 ق. م.). ونجد كذلك بالكتاب الحادي عشر بــ ”ما بعد الطبيعة“ لأرسطو بعض المعلومات الدقيقة عن نظريات أودوكس وكاليپوس وما أضافه أرسطو نفسه لنماذجهما الهندسية[1]. لقد قام إبن رشد بشرح هذا الكتاب. وهناك عديد من المؤرخين الأوروبيين الذين تتالوا لجمع كل المعلومات التي يمكننا اليوم استغلالها لفهم هاته النماذج الأودوكسية والأرسطية. وسنعتمد فيما يلي بما ورد بالمذكرة التي قدمها Th.-H. Martin للأكاديمية الفرنسية[2] سنة 1884 ونكملها بمعلومات إضافية قدمها بيير دوهيم في موسوعته المشار إليها سابقا[3].
يأخذ أودوكس بعين الإعتبار ما أورده أفلاطون بحوار Épinomis, Ἐπινομίς حيث اعتبر أن القوات السماوية الإلهية أخوات، لا تتحكم إحداهن في الأخرى، ولا تحتاج إحداهن للأخرى. وبالتالي لا تتحكم قوات الشمس في تدوير عطارد والزهرة مثلا، رغم أن الظاهر من أحوالهما هو تحويمهما حول الشمس. ولا تتحكم قوات النجوم الثابتة في تدوير كل الكواكب الأخرى من الشرق نحو الغرب. لذا خصص أودوكس لكل كوكب مجموعة من الأفلاك منفصلة كل الإنفصال عما فوقها وعما تحتها.
لتحريك النجوم الثابتة لا يحتاج أودوكس سوى لفلك واحد يدور دورة واحدة في ظرف يوم وليلة بالتقريب من الشرق نحو الغرب حول قطبين هما القطب الشمالي والقطب الجنوبي للكون. والمجموعة المحركة للشمس تتكون عند أودوكس من ثلاثة أفلاك. وكذلك هو شأن الأفلاك المديرة للقمر. أما الكواكب الباقية، أي عطارد، الزهرة، المريخ، المشترى وزحل، فيخصص أودوكس لكل واحدة منها مجموعة مكونة من أربعة أفلاك. سنتفحص فيما يلي المهمة المنوطة بكل هاته الأفلاك التي يبلغ عددها ستة وعشرين إن استثنينا فلك النجوم الثابتة. وتدور كل هاته الأفلاك حول مركز واحد ومشترك هو وسط كرتنا الأرضية.
فكل مجموعة تتكون من فلك خارجي يدور دورة كاملة في ظرف يوم وليلة بالتقريب من الشرق نحو الغرب. تكمن مهمة الفلك الثاني في تدوير الكوكب من الغرب إلى الشرق على محور مائل كميل دائرة البروج بالنسبة لدائرة الإستواء. وسرعة الدوران لهذا الفلك تختلف من كوكب لآخر تبعا للمدة التي يقضيها الكوكب في إجتيازه لفلك البروج بأكمله. وهاته هي المعطيات التي استعملها أودوكس للكواكب المتحيرة : سنة واحدة بالنسبة لعطارد والزهرة، سنتين بالنسبة للمريخ، 11 سنة للمشتري و 30 سنة لزحل.
لنتفحص أولا كيفية تدوير كوكب القمر عند أودوكس. لو كان مدار القمر على نفس المستوى الذي يرسمه مدار الشمس لَـغطَّت الأرض بظلها كوكب القمر في منتصف كل شهر قمري ولَـمَرَّ القمرُ فيما بيننا وبين الشمسَ في بداية كل شهر. وبالتالي سنرصد خلال كل شهر قمري خسوفا للقمر وكسوفا للشمس (الرسم رقم 3 أسفله). وبما أن هذا لا يحدث، فهم القدماء عبر الرصد والتخمينات الهندسية أن مسار القمر ليس في نفس المستوى بالنسبة لمسار الشمس السنوي. كما يتبين من الرسم رقم 4 أسفله، لا يمكن حدوث الخسوف أو الكسوف سوى في حالة مرور الشمس والقمر في نفس الوقت بنقطتي تقاطع مستوى مساراتهما. وتسمى هاتان النقطتان العقدتين. إضافة إلى هذا، لا يتقاطع المستويان دائما بنفس المواقع على دائرة البروج بل تدور العقدتان بحيث تجتازان هاته الدائرة في ظرف 223 أشهر قمرية. لذا نرى أودوكس يضيف فلكا ثالثا لمجموعته كما يتبين من الرسم رقم 5 والجدول المرافق له أسفله. بهذا يحاكي نموذج أودوكس للقمر بشكل لائق ما نرصده من مواقعه.
والغريب في الأمر أن أودوكس لجأ تقريبا لنفس النموذج لتدوير الشمس وكأنما لم يكن قد تيقن بأن دائرة البروج هي بالضبط ما يرتسم بالسماء من مدار للشمس. فلو كان قد اكتفى بالحركتين التي توصل فيثاغور إلى التمييز بينهما : فلك أعلى يحرك الشمس دورة واحدة في ظرف يوم وليلة من الشرق نحو الغرب وفلك ثاني محمول من طرف الأول ولكنه يدور بداخله في الإتجاه المعاكس وببطء على محور مائل بقدر ميل دائرة البروج لكان قد حصل أودوكس على نفس المسار اللولبي-الحلزوني الذي تحدثنا عنه سابقا. لكن أودوكس كان يقدر أن لِأَوْج الشمس ولحضيضها تأرجح طفيف بالنسبة لدائرة البروج[4].
لذا نراه يضيف فلكا ثالثا بداخل الفلك الثاني (الرسم رقم 6 أسفله) ومائل عنه بقدر نصف درجة ليديره على وتيرة بطيئة لا نعرف قدرها ولكن من الشرق نحو الغرب. وهذا الإتجاه هو عكس ما استعمله بالنسبة للفلك الثالث المدير للقمر.
خصص أودوكس أربعة أفلاك لكل واحد من الخمسة كواكب المتحيرة (الرسم رقم 7). فالفلك الأول يحاكي في كل الأحوال دورانها من الشرق نحو الغرب في ظرف يوم وليلة. والفلك الثاني المائل عن الأول بقدر ميل دائرة البروج عن دائرة الإستواء[5] فتكمن مهمته في تدوير الكوكب من الغرب نحو الشرق في المدة التي يتطلبها كل كوكب على حدة لاجتياز دائرة البروج بأكملها. فلو كان أودوكس قد اكتفى بهاذين الفلكين لحصل على نماذج أفلاطونية لا تحاكي الظواهر السماوية وبالتالي ”لا تُـنْـقد المظاهر“، حسب عبارة أفلاطون نفسه.
والمهمة المنوطة بالفلكان الباقيان عند أودوكس هي محاولة محاكاة الإلتواءات (الـلَـفَّات) التي كان قد سجلها الراصدون منذ عهد البابليين. إنها محاولة بارعة من الناحية الهندسية لكن قدماء الإغريق لم يستسيغوها في زمانها. والسبب المذكور عند مؤرخيهم لعلم الفلك هو أنها تلتوي بالأجرام الإلهية أكثر مما هو عليه حالها المرصود بالعين المجردة. وبالفعل ينتج عن هيئات أودوكس لفة ذات حلقتان بينما واقع الأمر هو أن الكواكب لا تلف سوى لفة بسيطة قبل متابعة مسيرتها البطيئة من الغرب نحو الشرق.
لفهم الهندسة الميكانيكية التي استخدمها أودوكس لا بد من الوقوف عند ما سماه الإغريق ἱπποπέδη ( Lemniscate بالإنجليزية). ومعناها ”عقال الفرس“ : حبل ملتوي يوضع بقدمين من أقدام الفرس لمنعه من الفرار. لوكان الفلك الثالث قائما بالنسبة لمحور الفلك الثاني وركَّبنا بداخله فلكا رابعا بحيث يدور محوره بدوران الفلك الثالث ثم أدرنا الفلك الرابع بنفس السرعة التي يدور بها الفلك الثالث ولكن في الإتجاه المعاكس تماما لحصلنا على مدار شكله كالعقال للكوكب المركوز على خط إستواء الفلك الرابع. وبما أن الفلكان الثالث والرابع محمولان بجوف الفلك الثاني وهو محمول داخل الفلك الأول فإن الكوكب سيرسم إلتواءً بالجهات الأربع وهو يجتاز دائرة البروج، أي نحو شمال وجنوب دائرة البروج وكذلك تقهقرا نحو الشرق قبل العودة إلى تقدمه نحو الغرب.
والفلك الثالث عند أودوكس يكمل دورة في المدة التي قَدَّرها لعودة كل كوكب على حدة إلى نفس الموقع بالنسبة للشمس إنطلاقا من رصدنا لهما من أرضنا. يورد بيير دوهيم[6] جدولا بهاته المدد نسخناها هنا. نلاحظ أن عدد الأيام لهاته الدورات عند أودوكس قريب من حساباتنا العصرية باستثناء كوكب المريخ. ويعتقد المحققون أن أصل الخطء هو نسخ غير سليم.
يعود الفضل لجيوڤاني سْكْياپاريلي Giovanni Schiaparelli (عالم فلك ومؤرخ إيطالي ت. 1910م) حيث كان أول من جمع شذرات كل ما كُتب عن أودوكس ليشرح كيف نجح هذا الأخير في محاكاة إلتواءات الكواكب المتحيرة. ولم يجد سكياپاريلي بُدّاً من إضافة معطيات فلكية معاصرة لِـما تبقى لنا من معلومات مبتورة عما أبدعه أودوكس. على أية حال كانت هاته أول محاولة هندسية لمحاكاة الميكانيكا السماوية، لكنها دشنت للأسف الشديد تقليدا سيظل متقيدا بمقولات أفلاطون الذي لم يقبل للآلهة السماوية سوى بالدوائر كمثال وبدوران لا تتغير سرعته لأن الآلهة، حسب رأيه، ليست لها من حاجات قد تجعلها تهرول من أجل الوصول إليها بسرعة[7]. هذا رغم أن سابقيه ومعاصريه كانوا، كما أشرنا إلى ذلك، قد سجلوا تسارعَ الشمس في أجزاء من مسارها السنوي وتباطئها في الأجزاء الباقية، ما ينتج عنه عدم تساوي مدة الفصول فيما بينها. فنماذج أودوكس ومن سيأخذ بها لا تقدم أي حل للسرعة المتغيرة للشمس والقمر مثلا. وكانت لا تقدم حلا لـِما وقف عليه معاصروه من ظاهرة إبتعاد الشمس عن أبصارنا حينا واقترابها حينا آخر : فحسب شهادة سِـمْبْليكْيُوس كان بوليمارك من معارف أودوكس وكان هو كذلك مهتما بعلم الفلك. يخبرنا سِـمْبْليكْيُوس إذن أن بوليمارك وقف على تغير أقطار كل من الشمس والقمر بالنسبة لأبصارنا وكان من زملاء كاليپوس. ويتابع سِـمْبْليكْيُوس :
”جاء كاليپوس إلى أثينا وكان على إتصال وثيق بأرسطو وبدأ معه مراجعةً وتكملةً للنماذج الفلكية التي قدمها أودوكس“[8].
---------------------------------------------------
[1] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، 1913، ص 112
[2] Th.-H. Martin, Mémoire sur les hypothèses astronomiques d'Eudoxe, de Callippe, d'Aristote et de leur école, imprimerie nationale, 1884 (https://www.persee.fr/doc/minf_0398-3609_1881_num_30_1_980)
[3] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، 1913، ص 102-129
[4] Th.-H. Martin, Mémoire sur les hypothèses, p. 196-198
[5] (تقريبا 24 درجة ما يعبر عنه القدماء بجزء من 15 جزء الدائرة
Th.-H. Martin, Mémoire sur les hypothèses, op. cit., p. 198
[6] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 121
[7] لقضاء بعض الحاجيات الملحة مثلا : رواية Ζευς Παντωκρατοσ (زيوس پنتوكراتوس) التي لم تترجم للعربية.
[8] بيير دوهيم، نظام العالم، المجلد الأول، ص 124