من سخا توجهت العائلة المقدسة الى صحراء وادى النطرون، و كان من العجيب أن تذهب إلى تلك الصحراء، و لكن التاريخ يذكر لنا أنه كانت هناك جماعة من اليهود فى منطقة نتريا، و كان يوجد معبد يهودى فى تلك المنطقة فى القرن الاول الميلادى فى العصر الرومانى؛ لذلك توجهت العائلة المقدسة إلى هناك. و يقال أن جموعاً لا تحصى من اليهود كانوا يهاجرون الى مصر.
و يذكر أنبا زخارياس فى القرن السابع الميلادى أن الطفل يسوع تطلع الى تلك الصحراء و أومأ بعينه إلى أربع جهاتها ثم جعل وجهه إلى الشرق و قال للعذراء: "يا أمى المباركة، هذا الجبل يكون عامراً و يكون فيه اديرة كثيرة مملوءة من النساك يعبدون و يسبحون كملائكة الله، و يكون ملجأ لكل من يأتى إليه. و بركتى فيه إلى الابد. و يسمى بوادى هبيب و هو ميزان القلوب، و يجتمع فيه شعب يرضى الله يسبحون فى الارض كما تسبح الملائكة فى السماء فى الليل و النهار إلى الانقضاء، و أباركه و أبارك كل من يسكنه و مباركاً يكون الى الابد".
و بالفعل أصبحت صحراء وادى النطرون مليئة بالاديرة العامرة بمئات الرهبان يسبحون و يصلون النهار مع الليل، فنجد هناك أربعة أديرة قد تأسست فيها الحياة الرهبانية منذ القرنين الرابع و الخامس الميلاديين، فهناك دير السيدة العذراء السريان، و دير السيدة العذراء البراموس، و دير القديس مكاريوس الكبير، و دير القديس الانبا بيشوى.
و هذه الاديرة هى من أقدم الاديرة الاثرية فى العالم كله، فمنها إنبعث الفكر الرهبانى النسكى إلى بقية العالم. و قد سجل الاسقف بلاديوس أسقف مدينة غلاطية أسرار تلك الحياة و أنظمتها و أحداثها فى القرن الرابع الميلادى شغفاً منه بتلك الحياة الملائكيه.
و عندما جاءت العائلة المقدسة إلى صحراء النطرون التى كانت ماؤها شديدة الملوحة، أرادت أن تشرب لشدة العطش من مشقة السفر، فلم يجدوا مياها تصلح للشرب، و هناك وسط بحيرة نبع الحمراء التى تعد مياهها الاكثر ملوحة فى العالم بعد البحر الميت، فهناك وسط تلك البحيرة نبعت عين بها مياه عذبه لتسد إحتياج تلك العائلة المقدسة، و مازالت حتى الان هذه العين موجودة وسط البحيرة و تشهد بهذه المعجزة، و تصلح للشرب.