هنالك حديث مهم مروي عن امامين عظيمين هما الامام الباقر والامام الصادق صلوات الله عليهما وكلاهما في موضوع واحد وهو موضوع التقية
الحديث الأول تجدونه في الكافي الشريف بسند الكليني عليه الرحمة عن محمد ابن مسلم عن أبي جعفر عليه السلام قال : إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغ الدم فليس تقية
والحديث الثاني الذي هو على وزان الحديث الأول ولكن فيه تفصيل أكثر والحديث الثاني عن الصادق صلوات الله عليه وقد رواه شيخ الطائفة الطوسي في التهذيب بسنده عن ابي حمزة الثمالي قال : قال أبو عبد الله عليه السلام :
لن تبقى الأرض إلا وفيها منا عالم يعرف الحق من الباطل ، إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية ، وأيم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي ! ولكانت التقية أحب اليكم من آبائكم وأمهاتكم ولو قد قام قائمنا ما احتاج الى مسائلتكم عن ذلك ولأقام في كثير منكم من اهل النفاق حد الله
هذا الحديث والذي قبله يعطينا مجموعة من المعطيات أولها وأهمها أن التقية إنما شرعت لهذا وهو حقن الدم فإذا بلغت التقية الدم أي كان العمل بالتقية مفضيا الى سفك الدم فليس تقية فلا تقية ، أي أن التقية معلقة بحفظ الدماء على حفظ الدماء فإذا كانت هي التقية تسبب سفكا للدماء فحينئذ لا تقية تحرم التقية في هذا الفرض
والمعطى الثاني وايم الله لو دعيتم لتنصرونا لقلتم لا نفعل إنما نتقي يعني حين يظهر مولانا عليه السلام ويدعو شيعته لكي ينصروه وينصروا اهل بيت النبوة صلوات الله عليهم ماذا يحصل ؟
الشيعة يحتجون على الإمام عليه السلام بالتقية وهذا واقع لا محالة بدلالة قسم الامام عليه السلام ، فالإمام يقول وأيم الله يعني مائة بالمائة راح يصير ومائة بالمائة راح نشوف أن صاحب الأمر عليه الصلاة والسلام يدعوهم لنصرته فيقولون له لا ، التقية من ديني ودين آبائي فلا نستجيب لك وانت تخالف التقية وهذا حرام الذي تعمله وانت تفرق بين المسلمين .. معنى ذلك ان التقية في هذا المعطى الثاني تتحول الى مرض بدلا أن تكون بالأصل حكما هو رخصة من الله عز وجل لكي يحفظ المسلم نفسه ويعد نفسه من جديد بعدما يلتقط أنفاسه ويستجمع قواه لمحاربة الضلال ومحاربة الكفر القاهر بدلا من هذا تتحول التقية الى مرض مستشر في الأمة الى الحد الذي يقول فيه أبو عبد الله الصادق عليه السلام ولكانت التقية أحب إليكم من آبائكم وإمهاتكم
يعني تنعجن طينة الناس بالتقية بحيث مستعد أن يضحي بأمه وأبيه ولا أن يترك التقية ، يفرط بالجميع فالمهم أن يستبقي نفسه بزعمه متقيا .. فهذه التقية تكون تقية شرعية أم تقية شيطانية ؟ وليس فقط تقية مغلوطة .. تقية على الضد من الامام المعصوم عليه السلام
المعطى الثالث والمهم جدا ولو قد قام امامنا المهدي عليه السلام ما أحتاج الى مسائلتكم عن ذلك ؟ لا يحتاجكم أنتم ولأقام في كثير منكم يعني كثير منا الان نحن الشيعة يقيم علينا من اهل النفاق حد الله !
وهذا معناه ان التقية عند هؤلاء تتحول الى نفاق ولذلك سماهم الامام عليه السلام بأهل النفاق .
نحن شهدنا بوادر ذلك في عصرنا مع الأسف الشديد وها نحن نقاوم بكل قوة حتى لا تتحول التقية الشرعية الى نفاق والى شيطنة والى قعود عن نصرة أهل البيت عليهم السلام والى ذل وإنكسار
فليكن واضح للجميع ان الائمة المعصومين عليهم السلام حاربوا اخراج التقية عن حدودها الشرعية التي نيطت بها ، إنما جعلت التقية ليحقن بها الدم فإذا انت تمارس تقية وترى بسبب تقيتك يذبح آخرون فأية تقية هذه ؟
عادة في الكتب الفقهية يطرح هذا المثال في تطبيق هذا المعنى من كلام الامام عليه السلام ويقولون يؤتى بشخص شيعي ويقال له أما ان تصرح لنا بأسماء بقية اخوانك حتى نعتقلهم وإلا نضرب عنقك ؟ يعني يبلغ ويفتن على البقية من جراء التعذيب مثلا يكشف أسماء البقية ويعلم ان خطرا يتهددهم وأن الدولة أو السلطة اذا جاءت وقبضت على البقية فإنها ستقتلهم
فلا يجوز له شرعا أن يعمل بالتقية فيصرح بأسمائهم ويعترف لأنه اذا تكلم وافشى اسرار هؤلاء وكشف أسمائهم صحيح هو عمل بالتقية ولعله يحفظ نفسه لكن تقيته هذه تؤدي الى سفك الدم المحترم فإذا بلغت التقية الدم فلا تقية ، غصبا عليك تتحمل التعذيب وتتحمل القتل أيضا وما تفشي اسرار إخوانك
اذا قلت انا تحت التعذيب وأريد أن أتقي هذا الضرر وأتقي القتل فلأكشف أسماء البقية .. فهذه ليست تقية شرعية وأنت آثم ، عليك أن تمد رقبتك للسيف !
وهذا عادة مثال تطبيقي يطرح في هذا الجانب ، ولكنه ليس المثال الوحيد فينبغي أن نتوسع بالنظر الى علة الحكم أو مناطه فمن بين الأمثلة الواضحة أنك تعمل بالتقية و في زمن ما وتعلم أن تقيتك هذه تسبب تجرأ العدو علينا .. تفهم هذه التقية عند العدو على أنها نوع ضعف وإنكسار وجبن وخوف فيتشجع العدو عليك فيبيدك او يقتلك ، هذه أيضا تقية محرمة
تصريحات تقرأ من الطرف الآخر على أنها ضعف وخوف ... صحيح أن منشأها التقية ولكنها تقية مغلوطة إن عملت بهذه التقية وأنت ترى انها تبلغ الدم وتسبب سفك الدم بتجرأ الخصم علينا أو العدو علينا فهذه أيضا تقية مغلوطة شيطانية محرمة ولكن تحتاج الى إنتباه لأنه عن غفلة أحيانا بعض الناس يفعلونها
أحيانا يفسر السكوت على أنه ضعف فلابد ان لا نسكت ، هذه ينبغي أن تلاحظ ولهذا أنتم لاحظوا في الدروس التي تعلمناها من ائمتنا عليهم الصلاة والسلام هذه الدروس الوضاءة تعلمنا ماذا ؟
من اهم ما تعلمناه انه لا يجوز لنا أن ندخل الذل على أنفسنا أو أن نكسر هيبة ديننا .. وهذا أهم شيء في الحقيقة
كما في الحديث الشريف إن الله جعل كل شيء للمؤمن ولم يجعل له ان يذل نفسه .. الله يقول لك انت متاح لك كل شيء تفعله ولكن شيء واحد لن أسمح لك به وهو أن تذل نفسك فلا اسمح لك به ، أنت مؤمن وتظل شامخ وتظل عزيز وتظل مرفوع الراس لا تطأطأ رأسك الى احد إلا لله تبارك وتعالى
يقول رسول الله صلى الله عليه واله من أقر بالذل طائعا فليس منا أهل البيت ، انت لا حق لك ابدا ان تعرض نفسك للذل أو تقر بالذل ، والذل له مصاديق واحدة من مصاديقه مثلا أنه أنت الأن في العراق وهو بلدك وانت فيه أكثرية يسن قانون على خلاف اعتقادك وعلى خلاف شعائرك رغما عن أنفك !
فإذا كان العمل بالتقية يبلغ الدم ويجرأ الخصم ويجرأ العدو تحرم عليكم التقية ، وإذا كان العمل بالتقية يؤدي الى إنكسار الإسلام والى تضعضع هيبة الإسلام بحيث يؤثر ذلك على عقائد المؤمنين أو على مستقبلهم بحيث العدو او الخصم يرى هذه الطائفة الدينية منكسرة ضعيفة فيقول انا أستطيع ضربها والتحكم بها فهنا أيضا التقية حرام
اذا كانت ترك التقية موجبا لمفسدة تؤدي الى كسر الدين أو هيبة الدين وهيبة المؤمنين وتؤثر على عقائد الناس وتروج الجبت والطاغوت يعني مبدأ ابي بكر وعمر تزيد الضلالة من وراء العمل بالتقية تصير التقية ها هنا حرام
وكم ضاع من هذه الامة مع الأسف الشديد بسبب سوء استعمال التقية ؟ كم رأينا نماذج من أبناء الشيعة لأنهم ما سمعوا هذه الأمور ضلوا حتى في الحواضر الشيعية الاصيلة
قال الامام الصادق عليه السلام لو أن ميكائيل وجبرائيل كان في قلبهما ذرة من محبة ابي بكر وعمر لأكبهما الله على منخريهما في النار !
لا تتصوروا أن هذه القضية هينة أنه واحد في قلبه معجب بأبي بكر وعمر .. هذا مثل واحد في قلبه قليل من حب ابي لهب او أبا جهل مثلا أو فرعون أو نمرود او غيرهم من الطغاة والكفار والمنافقين واحد يقول مثلا شوية تعجبني شخصية عبد الله ابن ابي ابن سلول هذا المنافق كان مثلا رجلا شهما فهذه ذرة الاعجاب تكبك على وجهك في جهنم
لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ... لا حق لك أن تود الذي حاد الله ورسوله يعني عارض حتى ولو ذرة مودة حرام عليك فتدخلك هذه الذرة الى جهنم نعوذ بالله
عمر عارض الله ورسوله لما الرسول صلى الله عليه واله قال آتوني أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا فعمر عارض فهو حاد الله ورسوله وأنت تكليفك لا تجد في قلبك مودة له بل تبغضه لأنه هو سبب ضلال المسلمين لأن النبي قال هذا الكتاب يعصم امتي من الضلال أبدا فمن الذي أحبط هذا المشروع ؟ عمر فبقي الضلال في هذه الامة أبدا الى ظهور الامام الحجة
فهو سبب الضلال الرئيسي وهو المضل الأول ضاعف الله عذابه في جهنم اضعاف مضاعفة
فمن ورائه ضلت هذه الامة أجيال واجيال وأجيال ضاعت وإرتدت وكفرت وضلت وغوت وراحت الى النار وبئس المصير والسبب الانخداع بمنهج عمر وتعظيم عمر ليل ونهار على المنابر وعلى الاعلام والى ما هنالك ، وصلنا الى هذه الحالة المزرية التي نعيشها
الله من علينا وعرفنا الحق بحمده تعالى عرفنا هذا الحق وعرفنا اهل بيت نبينا كيف هم ظلموا ؟ وما الذي صار عليهم ؟ ولماذا قتلوا وظلموا ؟ لأنهم كانوا يرفضون هذا الباطل ويقاومونه وربوا شيعتهم على مقاومته
أئمتنا هم الذين اسسوا هذا المنهج ، منهج الرفض والتمرد على ما هو سائد من ضلال ولكنه في نفس الوقت اسسوا منهجية تكتيكية ، يعني خطتهم كانت خطة مقاومة وغاية ما هنالك أنهم أعطونا خطة تكتيكية انه اذا رأيت أنك لا تستطيع ان تقاوم بسبب أن كفة العدو أقوى في مرحلة زمنية معينة إتقي
اتقي يعني تستر وتخفى الى ان ترى مرة أخرى تستجمع قواك حينئذ اهجم
قضية تكتيكية التقية فقط وليست قاعة ولا أصل في الشريعة ، تكتيك هذا مثل أي حركة مقاومة في الدنيا .. الى هذه المسألة صعبة اللي الشيعة الى الان ما قادرين ان يفهمونها