على الرغم من تقديم الصحافة الإثنوغرافية بوصفها صحافة ”سرد قصصي مميز“ عبر توظيف ”استراتيجية الانغماس” المستقاة من العلوم الاجتماعية، إضافة إلى أهمية عامل السياق البيئي والاجتماعي للمقابل. إلا أن تنازل الإثنوغرافي، عن السلطة، في المقام الأول، ثم الاحتفاء بالتعقيد والتناقض، في المقام الثاني، هما ما يضفيان على المقابلة صبغتها الإثنوغرافية. وهو ما تتجاوزه أدبيات الصحافة التقليدية، بل وتقاوم المكون الأنثروبولوجي للمقابلات، باتجاه ”التبسيط“ وتركيز السلطة والمعرفة في المُحاور، باحثا، صحفيا أو صانع محتوى.
إذا كان ”التزييف العميق Deepfakes AI“ تضليلا، فهو تضليل معاصر فقط، بينما ظلت ممارسة التلاعب بالصورة واللغة وترتيب اللقطات وطريقة تقديم الأدلة، حاجة أولية في صناعة الوثائقي للوصول لسردية متماسكة. وإلا ما الذي نصنعه في غرفة المونتاج؟ ما علاقة ترتيب اللقطات والزمن في الفيلم بالحياة الواقعية؟ وما الذي يمكن أن يطلق على ورشة كتابة السيناريو وتحرير المقابلات واختيار حجم اللقطات؟ وإذا لم تكن أدوات الـ Docudrama تلاعبا فماذا يمكن أن تسمى؟
على الرغم من الاغلاقات المتكررة لإذاعات المناجم البوليفية، ومصادرة أجهزة الإرسال والبث، ونفي صحافييها، إلا أن هجمات الجيش لم تكن هي التي أوقفت بث الإذاعات، بل التفكيك المتعمد لصناعة التعدين، فيما بدا أن أفضل طريقة للالتفاف على موجة الإعلام الجنوبي هي التخلص من المجتمع الرافض لقواعد الهيمنة. وخلافا لمقاربات ”الجنوب العالمي“ التي تراوح لاستنهاض نظرية معرفية متماسكة ضد الهيمنة والكولونيالية، بمحددات وتمويل وأصوات شمالية في أحيان كثيرة. فإن راديو عمال المناجم يمكِّن من فهم خصائص إعلام الجنوب وفي مقدمته الهوية المحلية المتماسكة في مواجهة "المواطنة العالمية Cosmopolitanism"
بعد الخدمة في البوليس الانتدابي، سيعود جدّي لأرضه. يدور حول "كوم" الزيتون الرومي فيعرف مصابه، يلمسه كأنما يقيس النبض عند جذعه، أو يسلّم على ألف سنة مرت عليه. جدي لم يكن يعرف جِداً غير أرضه والزرع. جدي لم يكن ليهتم: الاحتلالات، الحروب، السياسة. السياسة لأهلها. المتفرجون لا يحوزون إلا الثرثرة. اعرف أين تقع أرض جدك، هذا أفضل، فالأرض لا تعرف إلا زارعها وحاميها. "الأرض يا جدي بتفرق بالشبر. زيت هالشبر غير زيت هداك، وقمح هذه ليس كتلك".
"فصل الدين عن الدولة" و"الإلحاد" تعريفان رائجان للعلمانية في المجتمعات الراكدة، حيث يتزعم الخطاب الديني والعقل الاجتماعي تفسير الكون والآخر. العلمانية هي "موقف من الدولة" حيث لا أيديولوجيا لها، محايدة في قضايا "الدين"، لا تستخدم في قناعة مقدسة. أما فصل الدين عن الدولة فتعريف سطحي لها. إنها ليست تفسيرا للإلحاد، كما إنها ليست "هوية شخصية".
ظل التثقيف الداخلي مهمة رئيسة للحركات الشمولية يساراً ويميناً، والخضوع للتثقيف "الساكن" والرؤى الهابطة من "أعلى" الميزة الأهم للمريدين الأعضاء. مع الخطاب الديني تحول التثقيف لسلطة "تربية" المجتمع وأفراده، بعقل "القاضي"، قطعياته وصلاحياته كذلك، وبكلمة مسموعة في أوساط المريدين والمجتمع طالما ارتبطت تلك الممارسات بأدوات الطبقة المعصومة. ولضمان تمكين العقل الأداتي في المريدين، يستخدم "المقدس" لحجب كل مختلف بشيطنته
وفرض العزلة
تطلق المجتمعات الراكدة وصف “لغة” على استخدام لا يتفق وقواعد بناء اللغويات. الخبر ونقيضه في جملة. الاستعداد والتخلي في اثنتين. عوضا عن حشر الخاص في العام واجراء مقارنات لا تتفق مع بديهيات العلوم ولا جلال اللغة والمفهوم. يستخدم الأفراد في المجتمعات الراكدة “لغة” من غير قوام،
تحدث ارباكا في السمع، لا تحفل ببديهيات التراكم.
سيكون على طالبات "النظرية النسوية" الراصدات لظاهرة التحرش في الجامعات في فيديو ‘هذه خصوصيتي’، سيكون عليهن التفكير في حقيقة تعرض أستاذهم الجامعي لإرهاب فكري، في إطار تمكينه للدراسات التطبيقية. سيكون على أستاذ جامعي أن ينحسر أمام ضغط ‘ماكارثي’، في إطار مناقشة النظرية الوازنة في قاعة جامعية، يفترض أنها ‘أقدس’ مكان تحت الشمس للنقاش بلا محددات أو تابويات. الأخطر أن تمارس الإدارات الجامعية ضغطا على الأكاديمي استجابة لرغبات قوى محافظة
ياتُرى، من أين يلتقط الآباء كل هذه "العزيمة " عندما يمنحون اسماً لأبنائهم؟ أم أنهم "مبكراً" ينتزعون منها معانيها، شيئاً فشيئاً، ويوماً بعد يوم؛ ليصبح التشابه والتكرار "بقدّه وقديده وغبائه" سيد الحضور "والغياب"!0
يبدو أن على عشاق إطلاق الأسماء والأحوال المتشابه، أن يستعيدوا تانياً صالح (عليها السلام): "بلا ما نسميه.. باتت كل الأسامي.. بلا ما نربيه.. خليه يطلع حرامي". أما من لا يجدون في أسمائهم شيئا منهم، فالأوقع أن يستعيروا القديسة فيروز: "غيروا أساميكن.. واهربوا". الثبات ليس "فضيلة" دائماً.. والموروث ليس فضيلة أبداً
الصحافي الآمن وظيفيًا هو صحافي السلطة. أن تحمل أيديولوجيا مختلفة فهذا لن يساعد كثيرًا. ما بين سقوط بغداد 2003 وفشل ”ربيع العرب“ 2013، كان الصحافيون والباحثون وصناع الأفلام في الشرق الأوسط، من يحملون وجهات نظر متزنة، وآراء موضوعية، وقد يكونون جزءًا من آلة الحكم، هؤلاء كانوا يهربون الى مربع "صحافي مستقل“. هذا الخيار ليس مسموحًا به اليوم! ليس بعد خاشقجي.
على مدار عام كامل بشتائه وربيعه كانت "هيلدا" تغادر جامعتها في بيروت الى الجنوب، لتقضي يوم عمل كامل في عيادة خيرية بأحد مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، تساعد كبار السن والنساء في التنقل والرعاية الطبية.. وفي صبيحة اليوم التالي تقدم “هيلدا” حصتين لأطفال ذات المخيم، واحدة في اللغة الفرنسية والثانية في العزف على كمانها الصغير، تنهي زيارتها الاسبوعية بجولة مع تلاميذها، تلعب معهم يوما وتشاركهم طعام إفطارهم
ثلاثة أعوام من التفرغ في "مشروعات" المجتمع المدني و"العمل الاجتماعي" كفيلة بتغييب الاختصاص الدقيق، نحو "سكرتاريا مقنعة". تحمل مسميات رائجة ومختلفة في واقع سوق العمل حيث يتشابه الجميع في ظل مشروعات متماثلة تهتم بالإعلان عن ذاتها في المقام الاول، وتهدف لتأمين التمويل القادم.