مع مؤسسات العمل الإجتماعي:
الاختصاص إلى الهامش
خلدون شامي
مع مؤسسات العمل الإجتماعي:
الاختصاص إلى الهامش
خلدون شامي
ظاهرة تحول مؤسسات "العمل الاجتماعي" والمجتمع المدني، من هيئات تطوعية الى "حراك متشابه"، عموده الرئيس صف موظفين يدور في حلقة مشروعات وامتيازات فندقية، هذه الظاهرة المتزايدة ليست الإشكال الأعمق في حراك يراوح القاسم الاكبر منه في برجي الحوت والجدي، "إدارة الفقر" وإدارة برامج التدريب. والتي تستهدف فئتي الشباب واللاجئين خاصة (وأشهرها الموجه للاجئين العراقيين ما بعد سقوط بغداد / حرب الخليج الثانية)، والتي تعتبر البرامج الأوفر "تمويلا" في منطقة الشرق الأوسط .
إذا كنت حريصا على اختصاصك المهني او العلمي الذي يميزك فردا، فإن عامين إلى ثلاثة أعوام من التفرغ في "مشروعات" المجتمع المدني و"العمل الاجتماعي" هذه، كفيلة بتغييب الاختصاص الدقيق تماما، نحو "سكرتاريا مقنعة". تحمل مسميات رائجة ومختلفة في واقع سوق العمل (coordinator, mobilizer, assistant, project manager) حيث يتشابه الجميع في ظل مشروعات متماثلة تهتم بالإعلان عن ذاتها في المقام الاول، وتهدف لتأمين التمويل القادم.
ميدانيا يهولك المشهد، الذين يعملون في هذه المواقع من خلفيات وتخصصات متنوعة، تغيب تماما عن واقعهم اليوم، في تخصصات التغذية والكمبيوتر والتمريض وعلم النفس واللغات الحديثة والمسرح والسياسة وغيرها من التخصصات الانسانية، والكارثي –بما تحمله الكلمة- ان هذه التخصصات استبدلت بمهارات "كتابة المقترحات لاستمالة التمويل"، واعداد التقارير وحجز القاعات وتنظيم الاجتماعات وبالزيارات "التفقدية" للمواقع!! عداك عن إعداد عروض مبالغ فيها غالبا، لتقدم أمام "مجتمعين" على قاعدة "نقل الخبرات"، التي لم تفلح اليوم رغم سنوات طويلة من دوران هذه المشروعات والهيئات في مغادرة مربعها الاول باتجاه التنمية على مستوى الافراد والمجتمع، في مشروعات "إدارة الفقر" التي تراوح في اأنشطة التجميع والتغليف والتوزيع.
على الجانب الآخر، برامج "التدريب والتأهيل"، والتي تدفع باتجاه ذوبان الاختصاص الدقيق وتسطيحه وإن كان بشكل أكثر قسوة، "فالمدربون والخبراء" هي مسميات حاضرة مؤخرا، في منطقة الشرق الاوسط، بامتياز وضحالة في آن معا، أفرزتها غالب مشروعات العمل الاجتماعي والمجتمع المدني، وعلى مدار السنوات العشرين الأخيرة، حيث ان إعادة تقديم برنامج تدريبي واحد بحذافيره من تلك التي تقدمها معظم المؤسسات والجمعيات (في حقوق الانسان واللاجئين والطفولة والجندر والمهارات القيادية والاتصالية والذاتية) كفيل بتعزيز حضور اختصاص جديد هو "مدرب"! والعمل في برنامجين كفيل بادخالنا الى اختصاص "خبير"! وفي معظم الحكاية -التي تكرر مئات المرات من قبل عشرات المدربين والخبراء- لن تجد شيئا مختلفا أو تخصصا عضويا، فالمقدمات والمؤهلات التي صنعت هذا "الاختصاص" هي فقط مجموعة قفزات في الهواء في أحد مواقع "السكرتاريا المقنعة". والاختصاص العضوي إلى الهامش!
أصحاب هذه التخصصات سيجدون انفسهم بدون ميزة يحملونها بعد اقل من أربع سنوات من التفرغ في هذه الوظائف، والبديل تكرار وتشابه مقلق، (حيث الاختلاف شكلي) ويحتاج حسما ذاتيا من اصحاب التخصصات الدقيقة -خاصة اولئك الذين يجدون في انفسهم إضافة مختلفة- وذلك بعدم الحرص على التفرغ في هذه المشروعات والمواقع، والاصرار على الاختصاص والاختصاص الدقيق الذي يعرف به الفرد دون غيره ويحضر بحضوره، في مجتمعات أكثر ما تحتاجه اليوم ربما إعادة نظر في قائمة طويلة جدا من قطعياتها و"تقديسها" للتشابه والتكرار، و"حكيم اختصاص" في كل جانب من جوانب الحياة والعلوم ومهما بلغت درجة ادراك قيمته "أو مشروعيته" أو زمن الحاجة اليه.
وليحافظ "العمل الاجتماعي" على مكانة متقدمة، مصانا بروح التطوع وبجسم غير متفرغ غني بالعملانية، يحفظ الاختصاص الدقيق للأفراد والذي يبدو ضروريا بما يكفي لمغادرة "لحظية الإغاثة" الى حراك تنموي واجتماعي أكثر عضوية.
راديو البلد
خلدون شامي . أستاذ الصحافة والإعلام بجامعة اليرموك