الذكاء الاصطناعي: بين تمثيل الحقيقة وصناعة الاحتمال
أين كان التلاعب ممارسة مدانة في صناعة الوثائقي؟
خلدون شامي
الذكاء الاصطناعي: بين تمثيل الحقيقة وصناعة الاحتمال
أين كان التلاعب ممارسة مدانة في صناعة الوثائقي؟
خلدون شامي
نيكسون ملقيا خطاب سافير في فيلم "كارثة القمر (وثائقي إصطناعي، 2020)"
هل سمعت بـ نيل آرمسترونغ؟ ماذا عن المشي على سطح القمر؟
يظهر الرئيس نيكسون في وثائقي ”كارثة القمر 2020 In Event of Moon Disaster“، في خطاب لمواطنيه على أثر كارثة تحطم أبولو11، ناعيا قائد البعثة آرمسترونغ، في رحلته إلى القمر عام 1969.
”أنت تشاهد شيئا غير حقيقي“، تظهر هذه العبارة في بداية عرض للحظة تاريخية ”محتملة“, لا حدثا تاريخيا. حيث قامت فرانشيسكا بانيتا Francesca Panetta وهالسي بورجوند Halsey Burgund عبر الذكاء الإصطناعي بتحويل ”وثيقة سافير Safire Memo“ -نص بديل- في حال فشلت مهمة أبولو11، إلى -فيلم- حول خطاب لم يلقه نيكسون. بعد مشاهدة نيكسون يقرأ خطاب سافير مشيدا بشجاعة البعثة، ستقول ربما ألقاه.. وربما انفجر أبولو11 ولم يخط آرمسترونغ على القمر!
يعيد الذكاء الاصطناعي التوليدي صياغة ”تاريخ افتراضي“ عبر مساحة رمادية, قد تتيح تقديم -حقيقة- من زاوية جدلية، فـ "التلاعب" ليس ممارسة محدثة أو مدانة في إطار صناعة الوثائقي. ستمكّن تقنية "التزييف العميق Deepfakes AI" صانعي الأفلام من توسيع التمثيل السمعي والبصري للأحداث وإذابة الفاصل بين الخداع و“الحقيقة“. في فيلم ”كارثة القمر“، استخدمت عمليتي تلاعب بالذكاء الاصطناعي، الأول لاستنساخ صوت ريتشارد نيكسون وهو يلقي خطابًا -لم يُلقِه مطلقا-. والثاني لتزييف عميق لفيديو الخطاب من مقاطع خطاب رئاسي سابق. بينما استخدم صناع الفيلم لقطات أرشيفية من رحلة أبولو11. في المحصلة نحن أمام معالجة بصرية سمعية لورقتين من أرشيف الرئاسة الأميركية، في إعادة إنتاج للتاريخ عبر ممارسة وثائقية مزيفة بعمق.
(لمشاهدة الفيلم في تجربة تفاعلية مع التزييف العميق: https://moondisaster.org ).
إن إمكانية تحسين الأفلام الوثائقية من خلال الذكاء الاصطناعي واسعة، لكن التأثير الأكثر أهمية للتزييف العميق هو تقديم روايات مهمشة، تلك التي تم تجاهلها أو لم تسجل. كما في فيلم "مرحبًا بكم في الشيشان - Welcome to Chechnya (David France, 2020)“، حين استخدمت تقنية التزييف العميق لمحاكاة بشرية مولدة بالذكاء الاصطناعي لحماية هويات الأشخاص المعرضين للخطر من مجتمع الميم في روسيا، من خلال تغيير وجوههم وأصواتهم بدلاً من تمويه الوجه أو طمسه. بالنسبة للمشاهد، أضفت المحاكاة طابعًا إنسانيًا على الشخصيات مع الحفاظ على سلامتهم. كذلك في وثائقي "جسد آخر - “Another Body (Sophie Compton, 2023)، استخدمت التقنية ذاتها لإخفاء ضحية إباحية.
لكن مع الإقبال الواسع لاستخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي، فإن مقاربة هذه التقنية مع المذاهب الوثائقية التي تعتمد منهجية انثروبولوجية، تبدو مقاربة خارج السياق والمعنى. واجتياح التزييف العميق للوثائقي على اختلاف مذاهبه، هو ممارسة شمولية. سيجد صناع الأفلام الذين تحاصرهم محددات الوقت والتمويل وفورمات الإعلام الإخباري فرصة للالتفاف على هذه المشكلات عبر تقنيات الذكاء الجديدة، لكن يجب أن ينظر ”للوثائقي الاصطناعي“ كنوع إنتاجي جديد وليس كتطور حتمي للممارسة الوثائقية، مع المحافظة على فاصل عريض بينه وبين مذاهب الصناعة ذات الهوية الصلبة.
"تلاعب معاصر" لإنتاج المعاني.. "والمصداقية" مصطلح سلطوي
ظلت ممارسة التلاعب بالصورة واللغة واللقطات وطريقة تقديم الأدلة، حاجة أولية في صناعة الوثائقي للوصول لسردية متماسكة. وإلا ما الذي نصنعه في غرفة المونتاج؟ ما علاقة حجم اللقطات وتحرير المقابلات والزمن في الفيلم بالحياة الواقعية؟ وإذا لم تكن أدوات الـ Docudrama تلاعبا فماذا يمكن أن تسمى؟ فإذا كان ”التزييف العميق Deepfakes AI“ تضليلا، فهو تضليل معاصر فقط.
دعنا نتذكر هنا كيف كان الفوتوشوب ممارسة جدلية، يتهم مصور صحفي في حرب تموز لبنان 2006 باللامصداقية، عندما يقوم بتعديل ألوان قبة دخانية من أثر القصف الاسرائيلي. لم يعد الفوتوشوب قضية إشكالية اليوم، بل باستخدام تقنية التزييف العميق سيحصل فيلم ”كارثة القمر “ على جائزتي IDFA و Emmy عن فئة الفيلم الوثائقي!
إن استخدام التزييف العميق ليس غريبا في الممارسة الوثائقية, والتلاعب بالصور مبرر في فهم صنّاع الأفلام كتقنية تخدم تقديم سرديات متماسكة. فالذكاء الاصطناعي التوليدي هو أداة إتصال، وطريقة لانتاج المعاني. والوثائقي هو شكل من إعادة توليد للسلطة عبر الخطاب. هو وجهة نظر ذاتية، وليس أداة فاضلة مكرسة للواقعية، مصانة بجملة من المعايير النبيلة. ففي فيلم روما، مدينة مفتوحة - Rome, Open City (Roberto Rossellini, 1945)، الذي أنتج بعد انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية مباشرة، هناك صور ومشاهد أكثر واقعية من أفلام وثائقية. أما معايير المصداقية كما قيم الموضوعية والتوازن والحياد، فهي مفاهيم سلطوية تنتمي للثقافة المهيمنة التي خلقتها، وأطلقت عليها صفات أخلاقية، طوباوية ومهنية.
في البعد الآخر ومع الإصرار على نقاش أبعاد ”أخلاقية“، مع الممارسات الجديدة، فإن هناك افتراض أولي لدى الجمهور أن مشاهدة الوثائقي تعني أن ما تتابعه هو حقيقي وواقعي، ففي لحظة دخول المحتوى الاصطناعي للممارسة الوثائقية - اجتياحا أو كحاجة لتطوير جودة السرد - فإن القاعدة الراسخة تقول بإخبار الجمهور: ”إن ما تشاهدونه ليس وثيقة تاريخية حقيقية“، مع الإشارة لاستخدام الذكاء الاصطناعي مع كل توليد لوثيقة أو صوت أو صورة. هنا تصبح عملية الخداع مشروعة و"أخلاقية" بل ومسلية، كمتابعة ساحر يقوم كل ليلة بقطع صبية فاتنة من خاصرتها إلى نصفين ثم يعيدها للحياة.. فالمتفرج يدرك أن هذا خداع لكنه متصالح مع ماكينة الواقع السحري، وتبقى معها الثقة قائمة أمام ”إعادة إنتاج للواقع“ مع مذهب وثائقي جديد غير مختلط عشوائيا بأنواع وثائقية لا تزال مشغولة بالوثيقة الأولية والسجل التاريخي والطبيعة الإنسانية في سياقيها البيئي والاجتماعي.
الذكاء الاصطناعي يعتمد الرواية المهيمنة، ولا يفهم التعقيد..
الوثائقي الإثنوغرافي - فيلم "عالماني - خلدون شامي، 2024" (صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي)
طلبت من تقنية ذكاء اصطناعي أن تولد فيديو ترويجي Trailer لفيلمي عَالَمَاني Secular | Aa’La’Ma’Ni 2024 . النتيجة كانت كوميدية، قمعية واستعمارية معا. حصلت على تقنية وصورة مدهشة، وعلى تسطيح مقلق. يعتمد "عَالَمَاني" على مقابلات إثنوغرافية مع صناع أفلام من الشرق الأوسط حول أين تقع العلمانية في حياتهم الشخصية وفي أنتاجهم السينمائي. مع الإنثروبولوجيا نعبر إلى المقابلة كغرباء أو ساذجين، مستعدين لمراجعة افتراضاتنا المسبقة. تقع أول التزاماتي كإثنوغرافي في فهم الأشخاص من خلال كلماتهم وثقافتهم، متنازلا عن السلطة والسيطرة باتجاه الناس من أجل توليد خطابهم الخاص، ويميزها الاحتفاء بالتعقيد والتناقض، ومن الإجحاف والسذاجة أن تتوقع من وثائقي يولد في غمامة رقمية، أن يولّد فيلما يلتقي مع مذهب كالـ vérité، أو أن يذهب بعيدا ليصبح وثائقيا إثنوغرافيا يبنى عبر علاقة إجتماعية ديناميكية متبادلة مركزها خطاب الناس ولغتهم.
الأزمة الأكثر بنيوية تتجلى في اعتماد الذكاء الاصطناعي على الروايات المهيمنة في توليد المواد البصرية، فأيا ما تستخدمة تقنية كـ Sora مثلا لإنشاء فيديو، مصدره هو البيانات العشوائية في الإنترنت الخاضعة لمعايير "القيم الإخبارية liberal news values"، السرديات الآمنة لشركات الإعلام أو من هوليوود "العالمية". فهي لا تعكس ما تبدو عليه الحياة اليومية لمجموعات سكانية في جنوب العالم، وتنطلق من افتراضات تاريخية مسبقة غير قادرة على محاكاة الخطاب الخاص والهويات المحلية، كما أنها بالضرورة لا تستطيع محاكاة التناقض والتعقيد، والتي تهمشها المصادر باعتبارها روايات شاذة أو معقدة. ليظل خطاب الثقافة المهيمنة في المركز المرجعي لتقنيات الذكاء الاصطناعي.
في الممارسة الوثائقية نحتاج مقاومة لجنوح واسع نحو عالم ”المواطنة العالمية“ السائل والشمولي، والذي لا يحفل بالهويات المحلية، بإتجاه التمسك بحضور المذاهب الوثائقية ذات الهوية المتماسكة، والتي لاتزال تعمل بوتيرة بشرية، تقدر تذكرة تومتريس بـ 12ليرة (حلب - بيروت)، أو فيديو منزلي لعائلة هولندية مع خادمة محلية في فناء منزلهم في باندونغ الأندونيسية إبان الإستعمار، أو أوراق مذكرات كتبتها أم عائدة من رحلة بحث في الرمال عن عظام إبنها الذي دفنته العسكرتاريا في صحراء أتاكاما التشيلية، أو شهادة تسريح جندي من البوليس الفلسطيني في كانون أول 1947 وقعها ضابط بريطاني في اللّد، أو شريط تسجيل صوتي بالدارجة لغناء نساء في سجن صنعاني بشكل عفوي مليء بالإيحاءات الجنسية، التي لن يتمكن الذكاء الاصطناعي في الزمن القريب من فهمها أو محاكاتها عوضا عن ترجمتها.
التزييف العميق فرصة للدراسات النقدية متعددة التخصصات
أكاديميا، يقدم الانتاج ”التوليدي الذكي“، بامكاناته وإشكالياته، فرصا تفكيكية وازنة، حالات دراسية معمقة، ونقاشات نقدية، تقنيا أو معرفيا أو سيميائيا، ويبدو أنه ينتقل بشكل متسارع إلى عالم الأبحاث متعددة التخصصات في العلوم الاجتماعية، وحتى دراسات الكولونيالية وما بعدها. في لحظة نماذجية يبدو فيها ”التطبيق الذكي“ اليوم واقعا أكبر من "كائن حي"، حيث لن تستطيع تسجيل مولود بشري جديد في بعض البلدان من غير أن يكون لديك قائمة من الأذكياء. في زمن يصعب فيه الهروب من الذكاء الاصطناعي، الذي تتسارع إمكانياته في التزييف العميق تجريبيا وعملانيا داخل صناعة الوثائقي، فإنه من الأفضل أن يكون الأكاديمي في مقدمة المشجعين والداعمين لتطبيق هذه التقنيات، فالجامعات والمعاهد العالية والحلقات البحثية هي محافل تجريب ونقاش بلا تمترس أو خوف أو مواقف مسبقة، على أن تبقى المناهج الانثروبولوجية حاضرة في المركز من نقاش الممارسة الوثائقية.
د. خلدون شامي
أستاذ الفيلم الوثائقي والعلمانية - جامعة أيست أنجليا - المملكة المتحدة
لندن في: 29 حزيران 2025
AI in Documentary Film
Khaldoun H. Shami, PhD.
London: Jun 29, 2025
Bibliography:
ANLEN, S. and CIZEK, K (2024). The Synthesis: AI Is Everywhere, Even in Your Documentary. Documentary Magazine.
Lees, D. (2023). Deepfakes in documentary film production: images of deception in the representation of the real. Studies in Documentary Film.
National Archives Gov (1969). Safire Memo. [Presidential Libraries].
Panetta, F. (2020). In Event of Moon Disaster - Home. [online]. MIT Center for Advanced Virtuality. Available at: https://moondisaster.org.
Filmography:
Another Body (Documentary, 2023). Directed by: Sophie Compton.
In Event of Moon Disaster (Documentary, 2020). Directed by: Francesca Panetta and Halsey Burgund.
Rome, Open City (1945). Directed by: Roberto Rossellini
Secular | Aa’La’Ma’Ni (Documentary, 2024). Directed by: Khaldoun H. Shami
Welcome to Chechnya (Documentary, 2020). Directed by: David France